بقلم عاطف بشاى

 «وقعت ضحية حلاق غشيم شلفط خلقتى».. وردت هذه العبارة الغاضبة الساخطة على لسان الملك الذهبى «توت عنخ آمون» فى رسم كاريكاتيرى نشر له فى إحدى الجرائد منذ عدة سنوات على أثر ترميم خاطئ لتمثاله فى المتحف المصرى فى القاهرة والذى يزن نحو ١١ كيلوجراما من الذهب الخالص المرصع بأحجار كريمة، ويعود عمره إلى القرن الرابع عشر قبل الميلاد.. أسفر هذا الترميم عن ضرر بالغ من الصعب إصلاحه، وذلك باستخدام لاصق قوى- أغلب الظن أنه «الأوهو»- تسبب فى وجود طبقة صفراء شفافة بين اللحية وبقية القناع حاول أحدهم إزالتها بآلة حادة أدت إلى حدوث خدوش شوهت التمثال.. وكان هذا الترميم وقتها مثارا للتهكم.. فتواصلت رسوم الكاريكاتير المختلفة على مواقع التواصل الاجتماعى وصفحات الجرائد والمجلات.. منها كاريكاتير آخر يضع لافتة على التمثال بها عبارة «ممنوع الاقتراب لحد اللزق ما ينشف».

 
والحقيقة أن هذا الإهمال وعدم الاكتراث والتسيب الإدارى لم يكن غريبا ولا مفزعا ولا مفاجئا فى ذلك الوقت.. فقد رأيته أمرا متوقعا تماما فى ظل البيروقراطية السائدة فى الأجهزة المسؤولة عن الآثار وتقاعسها عن أداء مهامها على الوجه المطلوب ولامبالاتها وعدم اكتراثها تجاه الحفاظ على كنوزنا التى أبهرت العالم.. كما أنه يمثل إحدى النتائج المنطقية لتدهور مفهوم الفن، خاصة فن النحت عند العامة والذى تصاعد تصاعدا مؤسفا خلال الثلاثين عاما الماضية، وصولا إلى حكم الإخوان الذى امتدت تداعياته وتأثيراته لتحكم عقول وسلوك الناس نتيجة فتاوى الظلاميين والتكفيريين والسلفيين والدعاة وشيوع ثقافة الحلال والحرام التى انتشرت وذاعت وشملت كل نواحى الحياة.
 
فمن ينسى ذلك الإرهابى قائد مفجرى تماثيل بوذا الذى أعلن عن نيته تفجير تمثال أبوالهول، لأنه رجس من عمل الشيطان صنع لكى يعبده الكفار، ومن ينسى تدمير رأس تمثال «طه حسين» فى مسقط رأسه فى المنيا.. وتنقيب تمثال «أم كلثوم» فى المنصورة، وتشويه التماثيل فى الميادين، ومنها تمثال الحوريات على كورنيش الإسكندرية، وهكذا أرادوا العودة بنا إلى عصور سحيقة من التخلف والجهل بسطو صريح على عقل أمة وتراث شعب وتاريخ حضارة، باعتبار أن التماثيل محرمة لأنها صنعت للعبادة أيام الجاهلية وليست فنونا راقية تجسد أفكارا سامية وإبداعات إنسانية عظيمة.
 
بل إنه فى ظل ذلك الحكم الإخوانى البغيض لم تكن تلك الاعتداءات الغاشمة على فن النحت- ذلك الفن العظيم الذى ميز الحضارة المصرية منذ الأزل- من فعل البسطاء والجهلة الذين تم غسل أدمغتهم وتشويه وجدانهم فقط.. لكن المفارقة التراجيكوميدية تتمثل فى رأى بعض أساتذة فى كليات الفنون- وقتها- حيث صرح أحدهم للطلبة بأن النحت حرام ولولا لقمة العيش لما استمر يدرسه لهم.. بينما أكد آخر لهم أن عيون التماثيل تطلق شرارات حارقة تصيب المؤمنين بالأذى.
 
وظل الإهمال المتراكم والتسيب طقوسا اعتبارية متوارثة منذ حكم مبارك وصولا إلى حكم الإخوان يكشف عن جريمة تدمير تراث فنى وحضارة عظيمة شيدها الأجداد، كشف عنها ملف خاص قرأته فى جريدة الوطن، يتحدث عن أكوام القمامة والحيوانات النافقة وقطعان الماعز والكلاب الضالة التى تحيط بالكثير من المعابد والمناطق الأثرية فى الأقصر، بعد أن ظلت صامدة على مدار ٣ آلاف عام، لكن الإهمال ضرب كل أرجائها، فأصبحت مقالب للقمامة وبركا للمياه الجوفية ومياه الصرف الصحى وسط صمت وزارة الآثار- وقتها- التى كانت تتحجج دائما بعدم وجود ميزانيات لتطوير وترميم المعابد أو وضع حراسة كافية لحمايتها.
 
وهكذا فإن ازدراء الجمال وكراهية الفن الذى أمسى مقدمة منطقية لسيطرة القبح والدمامة وتدمير التراث الفنى والحضارة التى شيدها الأجداد، كل ذلك أضحى عادة لا تثير الدهشة أو الاستهجان، وأصبح من الطبيعى أن نصحو كل يوم على خبر مفزع يتصل بتشويه أثر أو تحطيم تمثال أو سرقة أيقونة أو تلف لوحة.
 
لكن يدور الزمن دورته، ويأتى السيسى بثورته المجيدة على جواد تنويرى ساطع.. فتتوالى فى الفترة الأخيرة إنجازاته الحضارية المبهرة، والتى يقود تنفيذها وزير رائع مثقف ثقافة رفيعة للآثار والسياحة، انتفض لإحياء تاريخ شامخ يمحو عواصف صحراء قاحلة تنمو فيها طحالب تخلف وجهامة لتعلن مصر عن هويتها المدنية الفكرية والوطنية التى أراد التكفيريون محوها.. بدأ بموكب المومياوات المهيب وتزيين ميدان التحرير بمسلة سامقة ثم المشروع الحضارى العظيم بربط معبدى الكرنك والأقصر.. وإعادة ترميم تماثيل الكباش لتملك مصر أكبر متحف مفتوح فى العالم وتصبح إعادة إحياء طريق الكباش واحدا من أعظم المشروعات الأثرية.
 
لقد جاء «بابا نويل» بهداياه المبهرة لتحقيق آمال عريضة ونهضة غير مسبوقة لتبعث القومية المصرية من جديد.
نقلا عن المصرى اليوم