بقلم: د. رفعت السعيد
كانت خطوة محمودة بغير شك الدعوة إلي عقد مؤتمر للمثقفين. لكنني أعتقد أن الداعين للمؤتمر قد وجدوا أنفسهم في حيرة من أمرهم بعد أن تعاملوا وببساطة مفرطة مع مفردات لغوية مثل ثقافة ومثقف.
إذ لابد في حالة كهذه أن تمطر علي الجميع اسئلة مثل: من هو المثقف؟ وهل هو من كتب كتبا علمية؟ أو أبدع لوحات تشكيلية؟ أو أشتغل بالنقد الأدبي؟ أو كتب شعرا أي شعر؟ أو رواية رديئة أو جيدة؟ أو أنتج أطنانا من كتب لم يقرأها أحد أو لم تترك أي أثر؟
وإذا كان المعيار هو إبداع أعمال أدبية أو فنية, فما هو الإبداع, وما هي معايير تقييمه؟ ولعلي قد أتيت إلي هذه الكتابة إذ شاهدت وسمعت رذاذا من طلقات متبادلة بين أشخاص يتحدثون وكأنهم مثقفين ويتنابذون بهجمات تشن علي مثقفين حقيقيين.
ولكي أمنح نفسي القدرة علي فهم ما يجري فقد حاولت أن أبحث عن تعريفات لما يحيط بالأمر من مفردات لعلي ولعلنا نتوقف لنختار المثقف الحقيقي, وليس كل من قال أنا مثقف, وفرض نفسه فرضا بمنازعات لا تغني شيئا في سوق الثقافة..
* ثقافة: وهي بالانجليزيةCulture والاشتقاق هنا مأخوذ من اللفاظCultivate أي استنبت النبات, وتعني القدرة علي استلهام وتطوير المعارف, والقيم والأخلاقيات والامكانات لدي الفرد, ومن ثم لدي المجتمع, وعلي تطوير هذا الفهم والوعي سعيا نحو تقدم حضاري أرقي قاموس أكسفورد.
أما في اللغة العربية فأصلها ثقف وفي مختار الصحاح ثقف الرجل أي صار حاذقا ماهرا, والثقاف هي ما تسوي به الرماح, وتثقيفها أي تسويتها لتصبح مدببة, فتكون قادرة علي إصابة الهدف, وفي المعجم الفلسفي مراد وهبه وآخران الاشتقاق العربي مأخوذ من تثقيف الرمح أي جعله مدببا وأصله اللاتيني مأخوذ عن الاستنبات الزراعي ومدلوله الاجتماعي هي الحضارة, وثمة لفظ مأخوذ من اشتقاقات اللغة الروسية هو الانتلجسياintelligenzia وهي الفئة القادرة علي إلهام أفراد المجتمع الإمكانية للتفكير المستقل وتطوير الفهم والوعي.
لكن الوعي قد يكون زائفا عندما ينبت أفكارا ومفاهيم ووجهات نظر لا تتطابق مع الواقع الحالي أو تحاول الدفع به إلي الخلف والتخلف, كما أن الوعي يمكن أن يكون جزئيا إذا ما انحصرت معرفة الإنسان وثمار هذه المعرفة في جانب معرفي واحد, أو فرع معرفي واحد, ومن ثم لا تكون ثقافته ثقافة شاملة للتعرف علي نواحي الحياة, وعلي إمكانيات تطويرها.
وباختصار فإن الثقافة هي وجهة نظر عامة في الوجود والحياة والإنسان, وقد تتجسد في عقيدة أو تعبير فني أو مذهب فكري أو مسلك أخلاقي, إنها البناء الفوقي المكون لوعي المجتمع وقوة الدفع نحو تطويره, وهي بالضرورة ليست انعكاسا أوتوماتيكيا لما يجري في المجتمع كانعكاس صورة الشيء في المرأة, ولكنها وجهة نظر في هذا الشيء, وهي وجهة نظر تأتي بالضرورة كثمرة يتداخل في تشكيلها ما هو عام مع ما هو شخصي, وما هو واقع مع هو مفترض أن يتحقق لتطوير هذا الواقع, ويطلي ذلك كله بطلاء يعكس القدرة علي الإبداع والانتماء والنزوع نحو التطوير.
وفي اعتقادي أن المثقف المعاصر يتعين عليه أن يتلمس ممكنات تطوير منظومة الأداء والأفكار السياسية والاجتماعية والقانونية الأخلاقية والجمالية والدينية والفلسفية, بحيث يكون إبداعه منطلقا نحو رؤية شاملة تلهم المجتمع القدرة الواعية علي التطور, فالوعي يمكنه, كما يجري أمام أعيننا في كل يوم أن يكون زائفا, وأن يحاول تزييف الواقع أو تزيينه إرضاء لفكرة أو رؤية أو حاكم, كما اعتقد أنه من المهم للمثقف في عصرنا أن يلتمس النهج العلمي في التفكير, وأن يظل دوما قادرا علي التطور مع كل جديد ناظرا إليه برؤية نقدية قادرة علي التطور الدائم مع العالم ومعطياته, ولكي يكون التفكير علميا فإنه يجب يمتلك آليات التعرف علي ما هو جديد, والتطور الدائم مع ما هو جديد والرفض الكامل لحشو العقول والمفاهيم بأفكار وقيم متخلفة أو خرافية, سواء أتي ذلك من تيار متخلف أو من أخطاء في ممارسات الحكم, ولعله من واجبي أن أحذر المثقف أيا كان توجهه من أن ينسي أن الشعب هو دوما كما وصفة فرح أنطون ذكي يفهم قد يبدو غافلا أو متغافلا, لكنه في نهاية الأمر يجد ننفسه منساقا نحو الأفضل والأرقي والأكثر التزاما بشرف القصد, وشرف الأداء, ولعل من واجبي أيضا أن أستعيد سيرة المثقف المصري الحديث منذ نشأته في نموذج رفاعة الطهطاوي, والذي حاول بث بذور الاستنارة والتقدم في حقول ملغومة بطغيان الحكم المستبد.
فأثمر زهورا جميلة في الحديقة المصرية لكنها لم تكن لمثقفين بالمعني الذي أقصده, وإنما لمتعلمين مصريين يتقنون الترجمة والعمل الإداري ويحصلون علي إنعامات الوالي, وهم كثيرون, ويمكن مراجعة أسمائهم ومناصبهم وإنعامات الوالي عليهم في كتاب حلية الزمن بمناصب خادم الوطن رفاعة بك رافع ــ تأليف صالح بك مجدي لم يكونوا مثقفين بمعني إنهم اكتفوا بالمعرفة العلمية وبدفء أحضان ولي النعم وإنعاماته, صنعوا لمصر جهازا إداريا.... نعم, وترجموا مئات الكتب... نعم, لكنهم لم يمنحوا أنفسهم ولا وطنهم فرصة الحلم بتطوير الوعي والفكر وتحريره من كل قيد يقيد العقل, ولكن وحتي الآن هل تغير سلوك هذا المثقف إزاء الحاكم وإزاء الشعب وإزاء ما يؤمن به من أفكار؟ هذا إن كان يؤمن بأفكار أصلا, أم ظل دوما خائفا يمسك العصا من منتصفها, يقول ولا يفصح, يعرف ولا ينطق, فإن نطق كان الخوف والمجاملة والالتواء؟
وبعد...
ما كانت هذه الكتابة إلا وحي المصادفة فقد طالعت أسماء ومشاكسات وإدعاءات وصراعات ما كان أغنانا عنها لو أننا عرفنا المعني الحقيقي للمثقف.
وأنا وكي أكون واضحا, ومع كل الاحترام رفضت ترشيح إحدي لجان المجلس الأعلي للثقافة كي أمثلها في مؤتمر المثقفين, ليس ترفعا بل بالعكس فقد لا أكون مستحقا وفق التعريفات السابقة لأن مؤتمرا كهذا يحتاج أن يصدر وثيقة تعبر عن توجهات للنهوض بالوعي, وفرز ما هو وطني وتقدمي وليبرالي في مواجهة ما هو رجعي ومتأسلم ومنافق.
وبهذا ربما ــ أقول ربما ــ نكون بحاجة أكثر من ندوة ودائرة حوار لأكثر من توجه, وإلا أتت الوثيقة مسطحة فضفاضة مملوءة بتوافق لفظي غير متوافق فكريا, ولا بأس من أن يكون بها بعض نقد ممزوج ببعض نفاق, حتي يمكن أن يمرر هذا.. بذاك, المثقفون أجناس شتي ومذاهب شتي وتوجهات شتي, فإلي عدة ندوات وحوارات تحشد في كل منها توجهات متقاربة, ومن ثم عدة وثائق, ومن ثم يختار كل منا ما يراه صائبا في إطار رؤيته وقدرته علي الإفصاح.
نقلا عن الأهرام
المقال الموضوع يعبر فقط عن رأي صاحبه وليس بالضرورة عن رأي أو اتجاه الموقع
http://www.copts-united.com/article.php?A=19627&I=485