ÇáÃÞÈÇØ ãÊÍÏæä
طباعة الصفحة

العالم الإسلامي العربي يغضّ البصر عن جياع الصومال

إيلاف - كتب: صلاح أحمد | 2011-09-30 09:41:42

 تنفق الدول الإسلامية العربية الثرية مليارات الدولارات على مشاريع ينبهر أمامها العالم، من الفنادق الفاخرة إلى الجزر الاصطناعية، ولكن في وقت تقتل فيه المجاعة آلاف الصوماليين «بالحركة البطيئة». ألم يحن الوقت إذن لإعادة اكتشاف قيم التعاضد والتآلف والرحمة الإسلامية؟.

لندن: في لقطة ستظل محفورة في ذاكرة العالم، احتضنت صومالية طفلها الذي يموت بالجوع ونظرت «بعينين ميتتين» إلى عدسة كاميرا «بي بي سي»، وتساءلت بصوت خفيض: «أين الدول الإسلامية الغنيّة؟ أين المسلمون؟.. لماذا يتركوننا للموت بهذا الشكل؟».

كانت تلك هي افتتاحية تقرير مطّول لمجلة «فورين بوليسي» الأميركية، التي قالت إن الذين تسأل عنهم هذه المرأة يعيشون على مرمى حجر في الجانب الآخر من البحر الأحمر، في منطقة الخليج. ولكن من الواضح أنهم يفضلون صرف مليارات الدولارات على تشييد الأبراج والجزر الاصطناعية ومراكز التزلج على الجليد ومضمارات سباق سيارات الـ«فورمولا ون» والفلل والفنادق الفاخرة على الطراز الغربي وأكبر مناطق التسوق وغيرها، مما لا يعود على جائع بلقمة.

ويُلاحظ بشكل جلي أنه عندما يتعلق الأمر بشتييد أفخر المساجد في العالم، وخاصة تلك التي تخلّد اسم بانيها (من خزائن الدولة والشعب) فإن صنابير المال تفتح الى آخرها. لكن الأعذار تتسابق لسدّها حالما صارت المسائل تتصل بإنقاذ شعب من براثن المجاعة.

 

الاستثناء الوحيد في رد الفعل الإسلامي إزاء الكارثة الإنسانية في الصومال تمثل في رئيس الوزراء التركي، رجب طيب إردوغان، الحاكم المسلم الوحيد الذي زار البلاد منذ بدء المجاعة وحتى الآن.

وكي يؤكد على شعور الشعب التركي بالمحنة، فقد اصطحب إردوغان زوجته معه، وأعاد شخصيًا فتح سفارة بلاده بعد إغلاقها فترة عقدين. في الجهة المقابلة، اختار بقية حكام المسلمين تجاهل المصيبة التي ألمّت بإخوانهم الصوماليين وكأن دينهم لا يحضّهم على إطعام المسكين.

لم تكتف تركيا بالدعم المعنوي، بل قدمت 300 مليون دولار نعونة فورية من خزانتها. وقارن هذا بمبلغ يبلغ إجماليه 131.4 مليون دولار قدمته الدول الإسلامية العربية الثلاث الأغنى في المنطقة (وهو المبلغ نفسه الذي قدمته الولايات المتحدة وانتُقدت به على بُخلها). وفوق هذا مضت أنقرة لتنتزع وعدًا من «منظمة التعاون الإسلامي» (57 دولة) بتوفير 350 مليون دولار أخرى.

كارثة يمكن تفاديها

لوضع كل هذا في منظوره الصحيح، فلنذكر أن الأمم المتحدة أعلنت حاجتها إلى ما لا يقل عن مليار دولار عاجلة، وذلك للإيفاء بمتلطبات الأزمة الصومالية الأساسية فقط. وتحذر الهيئة الدولية من أن ثلاثة أرباع المليون شخص سيهلكون جوعًا خلال الأشهر القليلة المقبلة.

وبرغم هذا، وبرغم التقارير الإعلامية اليومية التي تنقل لنا عبر شاشات التلفزيون الجوع في أبشع حالاته، فقد ظل رد الفعل الدولي لا يتناسب وحجم أحد المآسي الإنسانية الهائلة التي يمكن تفاديها بقليل من العزم والعطاء. وبلغ غياب الاهتمام بهذا الوضع حد أن التغطية الإعلامية الأميركية نفسها أصيبت بعدوى الفتور.


عذر قاتل

ربما كان فتور الأسرة الدولية (والعالم الإسلامي الثري) هو العين السلبية التي ينظر بها الى الصومال كدولة يتفشى فيها الإرهاب والقرصنة والفوضى. لكن هذا الأمر نشاز تاريخي وسياسي وثقافي لا يمكن تعميمه على الحالة الصومالية، ومن الخطأ القاتل أن تجد فيه الجهات القادرة على المنح العذر في قصر يدها.

ومن الخطأ أيضًا أن توصف الصومال بأنها «دولة فاشلة» لأن تاريخها، على مدى الألف سنة الأخيرة على الأقل، لم يأت بمقومات الدولة تبعًا للتعريف الحديث. وكل ما في الأمر أنها أرض ذات نظام قبلي، يحمل داخله مقوماته الخاصة للحكم، وحتى ديمقراطية الشورى. ولهذا فقد فشل نظام محمد سياد بري العسكري الدكتاتوري في إخضاع كياناتها القبلية لحكم مركزي على غرار أنظمة أفريقيا لفترة ما بعد الاستعمار الأوروبي.

في موازاة النظام القبلي تجد القوانين الإسلامية التي سادت في عدد من المناطق الساحلية، لكنها غابت تقريبًا عن الداخلية. وربما كانت حركة «الشباب» الأصولية هي أفضل مثال لما يمكن ان يحدث ردًا على محاولة زعزعة هذا النظام. فقد تشكلت في أعقاب الحرب الأميركية – الاثيوبية في 2006 و2007 بحثًا عن ثلاثة فقط من عناصر «القاعدة».

وفي تأويلها الخاص لما تسميه «العدالة السلامية» صارت هذه الحركة تتسم بعنف غير مسبوق، وأكبر عامل مساعد على فقد الناس أمنهم وأرواحهم وحلول الخراب في بلادهم. والنتيجة الآن مجاعة لا تهدد بإفناء مئات الآلاف فقط، وإنما بهتك النسيج الذي تتخذ منه الصومال كينونتها وهويتها الخاصة.


حركة «الشباب».. نشاز في تاريخ الصومال
المطلوب الآن...

المطلوب الآن قيادة لا تهاب الحلول الصعبة من أجل التعامل مع كارثة اجتماعية بهذا المستوى. وعلى العالم الإسلامي أن يغيّر نظرته وفهمه لخصوصية الوضع الصومالي، وأن يستجيب لدعوة رئيس الوزراء التركي الى تقديم عون عاجل يتناسب وحجم المصيبة الواقعة.

وبالمثل فإن على الأسرة الدولية مضاعفة جهودها الغذائية، وعلى الولايات المتحدة إعلان هدنة في «الحرب على الإرهاب» ووقف هجمات طائرات الدرون، التي تقوم بها بين الفينة والأخرى، وكل هذا الى حين الوصول الى مخرج من هذا الوضع المأساوي.

وصحيح أن الكارثة الإنسانية التي تعصف بالصوماليين الآن مسؤولية كل الدول القادرة. لكنها تشكل تحديّا خاصًا للعالم الإسلامي قبل غيره. ولطالما سمعنا الكثير عن رفع المعاناة عن أسرة المسلمين الدولية و«الجهاد» من أجل «الأمّة». فهذه فرصة إذن لإعادة اكتشاف قيم التعاضد والتآلف والرحمة التي بشّر بها الإسلام.

موت بالحركة البطيئة

الواقع هو أن أعمدة الأسرة الدولية، غير الإسلامية، منهكة بأعبائها الاقتصادية وغيرها. ولبلاد مثل الولايات المتحدة تحفظاتها الأخرى في حربها على الإرهاب. وهذا كله يضيف الكثير الى أهمية أن يتنبّه المسلمون الى أن ما يحدث في الصومال «موت شعب مسلم بكامله بالحركة البطيئة». فكيف يتسنى لهم أن يقفوا متفرجين على شيء كهذا؟.

وليتذكّر الحكام المسلمون خصوصًا الأمّ الصومالية الجائعة التي تساءلت وهي تحتضن طفلها المحتضر: «أين الدول الإسلامية الغنيّة؟ أين المسلمون»؟ هل يقوى أحد هؤلاء على النوم قرير العين ومثل هذه الكلمات ترن في أذنيه؟.

 

المقال الموضوع يعبر فقط عن رأي صاحبه وليس بالضرورة عن رأي أو اتجاه الموقع

جميع الحقوق محفوظة للأقباط متحدون © 2004 - 2011 www.copts-united.com