القمص يوحنا نصيف
يَذكُر القدّيس لوقا الإنجيلي (لو22: 7-13) أنّ الربّ يسوع أرسل بطرس ويوحنّا إلى أورشليم للإعداد للفصح، وأعطاهما علامةً أن يتبعًا رجلاً حامل جرّة ماء إلى بيته، وهناك توجَد عُلِّيَّة كبيرة مفروشة. فانطلقا وأعدّا الفصح في ذلك المكان.
يُعَلِّق القدّيس كيرلّس الكبير على هذه الفقرة بعظة جميلة، ويوصِي أيضًا -مثل العظة السابقة- بأنْ تُقرَأ عظته هذه يوم "خميس العهد" من "أسبوع السرّ"، وهنا هو يَسمّي "أسبوع البصخة" "أسبوع السِّر"، ولعلّه يقصد الأسبوع الذي تمّ فيه سِرّ الخلاص بالصليب والقيامة. ها هي بعض فقرات من هذه العظة:
+ إنّ الناموس بظلاله سبق فأشار منذ القديم إلى سِرّ المسيح.. ففي كلّ موضِع تُوَضِّح الظلال والمثالات لنا المسيحَ مذبوحًا لأجلِنا كالحَمَل الذي بلا عيبٍ حقًّا، كما توضِّحه مُقَدِّسًا إيّانا بواسِطة دمه المُعطي الحياة.. إنّه قدّم نفسه ذبيحةً لأجلِنا، مثل الحَمَل الذي بلا عيبٍ حقًّا، في اليوم الرابع عشر من الشهر الأوّل. وهذا العيد كان يُدعَى "الفصح" (بصخه Pascha)، وهي كلمة باللغة العِبريّة وتُعني "العبور"، لأنّهم هكذا يفسّرونها، ويقولون أنّ هذا هو معناها.
+ إذن يجب أن نشرح ما هو هذا الشيء الذي نَعْبُرُ منه؟ وما هو البلد الذي نسير نحوه؟ وبأيّ طريقةٍ نُحَقِّق مسيرتنا؟ فإنّه كما أنّ إسرائيل قد أُنقِذَ من طغيان المصريّين، وفُكَّ عنقه من نير العبوديّة وصار حُرًّا، وإذ هرب من عُنف الطاغية فإنّه عَبَرَ بأقدامٍ جافّة -بطريقة عجيبة يعجز اللسان عن وصفها- وسط البحر، وارتحل تجاه الأرض الموعود بها؛ هكذا نحن أيضًا الذين قبلنا الخلاص الذي في المسيح، يجب علينا ألاّ نَرضَى بالبقاء بعد في أخطائنا السابقة، وألاّ نستمرّ في طرقنا الشريرة، بل بشجاعة نَعبُر بحر اضطراب هذا العالم الباطل وعواصفه.
+ هكذا فإنّنا نَعبُر من محبّة الجسد إلى التعفُّف، ومن جهلنا السابق إلى معرفة الله الحقيقيّة، ومن الشرّ إلى الفضيلة، ونعبُر بالرجاء من لوم الخطيّة إلى أمجاد البِرّ، ومن الموت إلى عدم الفساد. لذلك فإنّ العيد الذي حَمَلَ فيه عمّانوئيل صليب الخلاص لأجلنا يُسَمَّى الفصح.
+ لماذا لم يذكر لهما (المسيح) اسم الرجل الذي أرسلهما إليه.. لكن فقط أعطاهما علامةً، إنسان حامل جرّة ماء؟ بماذا نجيب على هذا الكلام؟
(يُقدِّم هنا القدّيس كيرلّس تفسيرين:)
+ انظروا! فإنّ يهوذا الخائن كان قد سبق فوَعَدَ اليهود أنّ يُسلِّمه لهم، وكان مستمرًّا في صُحبتِهِ (للمسيح) يَرقُبُ فرصةً ليسلّمه. وبينما كان لا يزال يُعلِن الحُبّ الواجب من التلميذ لمعلّمه، فإنّه سَمَحَ للشيطان أن يَدخُلَ قلبه، وكان يتمخَّض بجريمة القتل ضدّ المسيح مخلّصنا جميعًا. لذلك أعطى المسيح (للتلميذَين مُجرَّد) عَلامة، لكي يمنعه من معرفة مَن هو ذلك الشخص، فيُسرِع يهوذا ليُخبِر الذين استأجروه.
+ أو ربّما يتكلّم المسيح هكذا ليُشير بهذا إلى سِرّ مُهِمّ، لأنّه حيث تَدخُل المياة -أي المعموديّة المقدّسة- فهناك يسكن المسيح.. ذلك لأنّها تُحَرِّرنا من كلّ نجاسة، ونُغسَل بواسطتها من أدناس الخطيّة، ولكي نصير أيضًا هيكلاً مُقَدِّسًا لله، وشركاء في طبيعته الإلهيّة بشركة الروح القدس. لذلك فلكي يستريح المسيح ويُقيم فينا، فلنقبَل المياه الخلاصيّة مُعتَرِفين أيضًا بالإيمان الذي يبرّر الأثيم. ولكي يرفعنا عاليًا لكي ما نُحسَب "عُلِّيّةً"؛ لأنّ أولئك الذين يسكن فيهم المسيح بالإيمان، لهم ذهن مرتفع عاليًا، يُبغِض الزحف على التراب، ويرفض الالتصاق بالأرض، وفي كلّ شيء يطلُب ما هو سامٍ في الفضيلة، لأنّه مكتوب: "لأنّ أعزّاء الله قد ارتفعوا عاليًا (فوق الأرض)" (مز46: 9س)، لأنّ ليس لهم هنا مدينة باقية لكنّهم يطلبون العتيدة (عب13: 14)، وبينما هم يسيرون على الأرض فإنّهم يفكِّرون في تلك الأمور التي فوق، ومدينتهم هي في السماء (في3: 20).. لذلك لا يُخطئ مَن يقول أنّ نفس كلّ قدّيس هي "عُلِّيَّة"!
[عن تفسير إنجيل لوقا للقدّيس كيرلّس السكندري (عظة 141) - إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائيّة - ترجمة الدكتور نصحي عبد الشهيد]
القمص يوحنا نصيف





