القمص منقريوس المحرقي
تحتفل الكنيسة الأرثوذكسية في عيد الغطاس المجيد، أو عيد الظهور الإلهي، بسرّ عظيم أُعلن فيه خلاص الإنسان، حين نزل ربنا وإلهنا ومخلّصنا يسوع المسيح إلى مياه نهر الأردن، لا ليُغتسل، بل ليُقدّس المياه، ولا ليُستَنار، بل ليُنير الخليقة كلها بنوره الإلهي. في هذا العيد لا نعاين حدثًا تاريخيًا فقط، بل ندخل إلى عمق التدبير الإلهي، حيث يُعلَن الثالوث القدوس علانية لأول مرة بعد التجسد:
الآب يشهد للابن، والابن يقف في الماء متجسّدًا، والروح القدس يحلّ في هيئة حمامة، مؤكّدًا ملء الزمان.«فلما اعتمد يسوع صعد للوقت من الماء، وإذا السماوات قد انفتحت له، ورأى روح الله نازلًا مثل حمامة وآتيًا عليه، وصوت من السماوات قائلًا: هذا هو ابني الحبيب الذي به سُررت» (متى 3: 16–17)
المسيح في الأردن: اتضاع الخالق وشفاء الخليقة
بحسب الإيمان الأرثوذكسي، فإن نزول المسيح إلى الأردن هو امتداد مباشر لسرّ التجسد. فالذي أخذ جسدنا من العذراء، هو نفسه الذي نزل بهذا الجسد إلى المياه، ليشفي طبيعتنا من الداخل. لم يدخل المسيح الماء ليأخذ منه شيئًا، بل ليعطيه قوة التقديس، فيتحوّل الماء، الذي كان رمزًا للفوضى والموت، إلى أداة ولادة جديدة.
القديس كيرلس الكبير يقول:«حين نزل المسيح إلى المياه، لم يُقدَّس هو بها، بل قدّسها هو، لكي تصير قادرة أن تلد الذين يؤمنون به ولادة جديدة».ولهذا تسبّح الكنيسة قائلة في لحن العيد:«اليوم تقدّست طبيعة المياه، وانشقّ الأردن، وردّ مجاريه، إذ رأى الرب يُعتمد».
لماذا اعتمد المسيح وهو بلا خطية؟
المسيح هو «القدوس الذي بلا خطية» (1 يوحنا 3: 5)، لكنه وقف في صف الخطاة، لأن رسالته لم تكن إدانة الإنسان بل خلاصه. لقد حمل طبيعتنا الساقطة، لا ليبرّر سقوطها، بل ليقيمها من موتها.عندما قال ليوحنا المعمدان:«دع الآن، لأنه هكذا يليق بنا أن نكمّل كل بر»(متى 3: 15)كان يعلن قبوله الكامل لمشيئة الآب، وبداية مسيرة الصليب. ففي الأردن نرى صورة مسبقة للصليب: نزول، موت رمزي، ثم صعود، وفتح للسموات التي أُغلقت أمام الإنسان منذ سقوط آدم.
القديس غريغوريوس النزينزي يقول:«المسيح يُعمَّد لا لأنه محتاج إلى تطهير، بل ليغمر المياه بطهارته، ويصعد الإنسان معه إلى الأعالي».
رموز الغطاس في العهد القديم في ضوء التقليد الأرثوذكسي
ترى الكنيسة الأرثوذكسية أن كل تاريخ الخلاص كان إعدادًا لهذا اليوم:
– البحر الأحمر: حيث عبر الشعب من العبودية إلى الحرية، وهو رمز للمعمودية التي تنقل الإنسان من سلطان الخطية إلى حياة البنوة.
– طوفان نوح: حيث مات العالم القديم وبدأ عهد جديد، كما يقول الرسول:«الذي مثاله يخلّصنا نحن أيضًا أي المعمودية»(1 بطرس 3: 20–21)
– عبور الأردن مع يشوع: دخول أرض الموعد، وهو رمز للدخول إلى ملكوت الله، لأن اسم يشوع هو ذاته اسم يسوع، المخلّص الحقيقي.
عيد الغطاس، سرّ المعمودية، وتجديد الحياة بالتوبة والاعتراف
لا تفصل الكنيسة الأرثوذكسية بين المعمودية والتوبة، لأن التوبة هي استعادة دائمة لنعمة المعمودية. فالمعمودية تُعطى مرة واحدة، أمّا التوبة فهي معمودية دموع متكررة، بها يُغسل الإنسان كلما تعثّر في الطريق.
في عيد الغطاس، تضعنا الكنيسة أمام سؤال روحي صريح:هل ما زلنا نحيا أمانة المعمودية؟هل ما زال الإنسان العتيق مصلوبًا، أم عاد ليملك القلب؟
سرّ التوبة والاعتراف ليس مجرد اعتراف بالكلمات، بل هو وقوف صادق أمام الله، وعودة الابن الضال إلى حضن الآب. فيه ينزل الإنسان إلى أعماق نفسه كما نزل المسيح إلى الأردن، لكي يخرج مجددًا وقد انفتحت له السماوات.
يعلّمنا الآباء أن التوبة هي عمل الروح القدس في القلب، وهي ثمرة الغطاس المستمرة. يقول القديس يوحنا ذهبي الفم:
«التوبة باب مفتوح، مهما كثرت الخطايا، لا يُغلق أبدًا أمام الراجع».وفي سرّ الاعتراف، لا نقف أمام كاهن فقط، بل أمام المسيح نفسه، الطبيب الحقيقي، الذي يشفي جراح النفس، ويعيد للإنسان سلامه الداخلي، ويمنحه قوة ليستمر في الجهاد الروحي.لذلك، فالتوبة ليست خوفًا من العقاب، بل شوقًا إلى الشركة مع الله، وحنينًا إلى النقاء الأول الذي نلناه في المعمودية.
عيد الغطاس وحياة المؤمن الأرثوذكسي
في عيد الغطاس، لا تحتفل الكنيسة بذكرى بعيدة، بل تعيد الإنسان إلى سرّ معموديته، وتدعوه أن يحيا ما ناله بالنعمة.
فالمعمودية، بحسب تعليم الكنيسة، هي:
– موت وقيامة مع المسيح
– خلع الإنسان العتيق ولبس الجديد
– دخول فعلي في جسد المسيح السري
«دُفنّا معه بالمعمودية للموت… حتى نسلك في جدة الحياة»(رومية 6: 4)
ومن يحيا المعمودية، يحيا التوبة، ومن يحيا التوبة، يحيا في نور الغطاس كل أيامه.
عيد الغطاس هو عيد تقديس الخليقة،
وعيد استعلان الثالوث،
وعيد إعادة الإنسان إلى مجده الأول.
هو دعوة لكل نفس أن تنزل مع المسيح إلى الأردن،
لكي تصعد معه وقد انفتحت لها السماوات.
«هذا هو ابني الحبيب الذي به سُررت»كلمات لا تخص المسيح وحده بل يعطي من يعود ويتوب ويثبت فيه، ويحفظ نعمة معمودية الي النفس الاخير .
كل عام وانتم بخير





