أحمد الخميسي 

في يوم الكتاب العالمي أتذكر الكتب التي غيرت حياتي، والمكتبات الصغيرة والكبيرة التي كونتها وتفرقت وضاعت مثل وجه عزيز تهدمت ملامحه. وما زلت أذكر إلى الآن صالة شقتنا في العباسية عام 1953وأنا واقف بين قدمي والدي، وبجواره أحد الضباط يقلب في المكتبة ويسحب منها الكتب ويتفحص عناوينها، وحين ألقى بأحد الكتب إلى مخبر وراءه، تقدمت خطوة وصرخت فيه : هذا كتاب أبي. لماذا تأخذه؟ ابتسم  الضابط وجرني والدي إلى خلف ظهره. في حينه سكنت شعوري فكرة أن الكتاب شيء خطر، ومقلق، ومهم حتى أنه أدى إلى اعتقال أبي لاحقا. إنه الكتاب الذي يحتفل به العالم أجمع في 23 أبريل كل سنة بعد قرار اليونسكو في 1995 الاحتفاء بالكتب ومؤلفيها وحقوقهم التي لم يكن لها وجود قط منذ ظهور أول مؤلف في التاريخ.
 
المكتبة الثانية التي ظهرت في حياتي كانت مكتبة جدي لأمي حين انتقلنا للعيش معه ولم تزد عن رفين اثنين كان عليهما عشرة كتب فقط، كلها من تأليف عباس العقاد. كنت أنظر إلى الكتب فتفزعني وأنا في الثامنة من عمري عناوينها الصارمة الجهمة، فلا أمد يدي إلي أي منها. ومع ذلك فإن وجود المكتبة بحد ذاته غرس في نفسي مبكرا انتباها إلى أهمية الكتاب، وإلا فلماذا يعتني به جدي ويضعه على رف مخصوص أعلى السرير؟  
 
عشنا سنوات في بيت جدي ثم انتقلنا إلى مسكن مستقل في شارع مصر والسودان، وهناك مع ظهور والدي في حياتنا وجدت مكتبة أخرى عبارة عن صوان من ضلفتين ممتلئ بكتب لا أعرف أسماء كتابها، ومع ذلك رحت أشد كتابا بعد الآخر، وكان معظمها روايات روسية مترجمة، أذكر منها رواية دوستويفسكي " نيتوتشكا" ووقوعي بالكامل في أسر شخصية الموسيقار التعس وابنته. لكن المكتبة كانت صغيرة، فرحت أبحث عن الكتب في أماكن  أخرى، وكان بجوار عمارتنا فيلا مهجورة موضوع  على سورها مختلف الكتب، صاحبها عم حجازي، فاتفقت معه أن أعطيه قرشا يوميا على أن أجلس بجواره على الرصيف وأقرأ ما أشاء طول النهار من دون أن أخذ كتابا معي إلى البيت.
 
وخلال عدة شهور قرأت مكتبة الرصيف تلك كاملة، روايات أرسين لوبين، وأجاثا كريستي، والسباعي، ولكن رواية واحدة تأليف ويلكي كولينز هي " ذات الرداء الأبيض" نبهتني مثل ضربة على الرأس إلى أن هناك أدبا حقيقيا ليس مجرد رص كلمات وقد توقفت عندها بالشعور والفكر طويلا. انتقلنا بعد ذلك إلى شارع نوبار، وبدأ وعيي يتشكل، فرحت أكون مكتبتي باختياري، وكان في مقدمة كتبها أعمال سلامة موسى، وأدباء كبار عرب وأجانب، وعندما انتقلنا إلى شارع عدلي، كانت هناك حجرات منفردة ملحقة بكل شقة على السطح فجعلت الحجرة الخاصة بنا مكتبة كاملة اشتريت كل كتاب منها من مصروفي.
 
وكانت الكتب في كل ذلك تفسح المجال لخيالي، ولعوالم وتجارب أخرى تشعرني أني مئات الأشخاص بآلاف المشاعر والخواطر. وعندما اعتقلت عام 1968 اضطرت الأسرة لترك شقة شارع عدلي، تحت تهديد قانوني بالاستيلاء على الشقة وكل ما فيها، فقامت أمي في الليل بنقل كل شيء إلى شارع نوبار، وفي أثناء اللخمة والربكة والسرعة نسوا أن هناك على السطح حجرة كاملة جدرانها كلها رفوف كتبي، وعندما تذكرت أمي المكتبة كان الوقت قد فات. وهكذا شهدت حياتي ست مكتبات متوالية تفرقت وتبددت مثلما تتهدم واجهات المعابد أمام عينيك، ولم يبق سوى مكتبة السنوات الأخيرة التي خلافا لكل المكتبات السابقة تضم عددا ضخما من الكتب باللغة الروسية.
 
والآن في يوم الكتاب العالمي، وأنا أفكر في كل ذلك أجدني منجرفا للإعراب عن شكري لكل أولئك الكتاب، الذين أثق أن أحدا منهم لم يحصل على حقوقه مؤلفا، وأخص بالشكر عم حجازي صاحب مكتبة الرصيف على سور الفيلا المهجورة.