منظمة التضامن المسيحي العالمي: طائرات حربية ألقت أكثر من 10 قنابل أعقبها هجوم بطائرات مسيّرة.. ومطالب دولية بمحاسبة المسؤولين ووقف استهداف المؤسسات الدينية
نادر شكري
في واقعة جديدة تسلط الضوء على المخاطر التي تواجه المجتمعات المسيحية في ميانمار، قُتلت ثلاث طالبات وأصيبت ست أخريات، إثر هجوم جوي شنّه الجيش الميانماري على مدرسة مسيحية لتعليم الكتاب المقدس في ولاية كارين، يوم 3 نوفمبر الجاري، بحسب تقرير منظمة التضامن المسيحي العالمي (Christian Solidarity Worldwide – CSW)، الصادر في 5 نوفمبر 2026.
وذكرت المنظمة أن الهجوم وقع في قرية داي بو نو، بمنطقة هبابون في ولاية كارين، قرابة الثالثة عصرًا، حيث ألقت طائرات حربية أكثر من عشر قنابل على المنطقة، أعقبها هجوم استمر نحو ساعة باستخدام طائرات مسيّرة مسلحة.
وأضاف التقرير أن إحدى الطائرات المسيّرة فجّرت عبوة مباشرة فوق مدرسة مسيحية لتعليم الكتاب المقدس، في منطقة تقطنها غالبية من أبناء شعب كارين المسيحي، ما أسفر عن سقوط قتلى ومصابين بين الطالبات.
وأوضحت المنظمة أن طالبتين قُتلتا على الفور، بينما أُصيبت سبع طالبات، وتوفيت إحداهن في اليوم التالي أثناء نقلها إلى تايلاند لتلقي العلاج الطارئ، لترتفع حصيلة القتلى إلى ثلاث طالبات، مقابل ست مصابات.
من جانبه، وصف سكوت باور، الرئيس التنفيذي لمنظمة التضامن المسيحي العالمي، الهجوم بأنه اعتداء مروع على مؤسسة دينية مسيحية، مؤكدًا أن استهداف المؤسسات الدينية والشباب المدنيين يمثل انتهاكًا خطيرًا للقانون الدولي الإنساني، مطالبًا المجتمع الدولي باتخاذ إجراءات منسقة لمحاسبة المسؤولين عن الهجمات.
استهداف متكرر للكنائس والمؤسسات المسيحية
ولا تأتي واقعة مدرسة الكتاب المقدس بمعزل عن سلسلة من الهجمات التي طالت مؤسسات دينية ومجتمعات مسيحية في ميانمار خلال الفترة الأخيرة.
ففي 9 أكتوبر 2026، تعرضت بلدة ميندات بولاية تشين الجنوبية لقصف جوي نفذته طائرتان عسكريتان، أُلقيت خلاله أربع قنابل على موقعين مختلفين، وأصابت إحدى القنابل مجمعًا تابعًا لكنيسة مشيخية، ما أدى إلى تدمير مبنى الكنيسة.
وبعد ثلاثة أيام، أُحرقت كنيسة هتينان المعمدانية في ولاية كاشين، إلى جانب منازل محيطة بها، خلال عملية نسبت إلى قوات الجيش الميانماري، وفقًا لما أوردته منظمة التضامن المسيحي العالمي.
وتأتي هذه الوقائع في سياق تصاعد العمليات العسكرية بالمناطق التي تقطنها أقليات عرقية، من بينها المجتمعات الكارينية والتشينية والكاشينية، التي تضم تجمعات مسيحية كبيرة، الأمر الذي يثير مخاوف بشأن سلامة المدنيين واستمرار وجود المؤسسات الدينية والتعليمية.
312 واقعة قصف جوي طالت مواقع دينية خلال عامين
وفي مؤشر على اتساع نطاق الأضرار التي لحقت بالمؤسسات الدينية في ميانمار، كشف تحقيق نشرته منظمة «Myanmar Witness» في 2 أبريل 2026، عن توثيق 312 واقعة قصف جوي أثرت في مواقع دينية خلال الفترة من يناير 2024 حتى ديسمبر 2025.
وشملت المواقع المتضررة 261 ديرًا بوذيًا و44 كنيسة، إلى جانب مواقع دينية أخرى، بينها مساجد ومعابد.
وأشار التحقيق إلى أن القوات الجوية الميانمارية نُسبت إليها 277 واقعة من إجمالي الحوادث الموثقة، مع التأكيد أن المنظمة لم تتمكن من التحقق بصورة مستقلة من المسؤول عن جميع الوقائع.
وتكشف هذه الأرقام حجم الأضرار التي لحقت بالمواقع الدينية في ظل استمرار الصراع المسلح، وأن الاعتداءات لم تقتصر على جماعة دينية بعينها، بل امتدت إلى مؤسسات دينية متعددة، من بينها الكنائس المسيحية.
البرلمان البريطاني يحذر من تدهور أوضاع المسيحيين
وفي تقرير صادر في يناير 2026، تناولت مكتبة مجلس العموم البريطاني أوضاع الأقليات الدينية في ميانمار، مستندة إلى تقارير لجنة الولايات المتحدة للحرية الدينية الدولية ومنظمة «الأبواب المفتوحة».
وأوضح التقرير أن المسيحيين واجهوا منذ الانقلاب العسكري في فبراير 2021 مستويات متزايدة من العنف والقيود المفروضة على ممارسة شعائرهم الدينية، خصوصًا في الولايات ذات الأغلبية المسيحية، مثل تشين وكاشين وكايا.
ونقل التقرير عن منظمة «الأبواب المفتوحة» أن الكنائس التاريخية لم تعد بمنأى عن الهجمات، وأن أعدادًا متزايدة من المسيحيين اضطروا إلى مغادرة منازلهم واللجوء إلى مخيمات النازحين أو الاحتماء داخل الكنائس، فيما اضطر آخرون إلى الفرار نحو الغابات، في ظروف تفتقر إلى الغذاء والرعاية الصحية.
وأشار التقرير إلى أن استمرار العمليات العسكرية أدى إلى تفاقم معاناة المجتمعات المحلية، وزيادة المخاطر التي تواجه المؤسسات الدينية والمدنيين في المناطق المتضررة من النزاع.
العفو الدولية: مقتل 17 مدنيًا بينهم 9 أطفال في قصف قرب كنيسة
وسبق أن وثقت منظمة العفو الدولية، في تحقيق نشرته في فبراير 2024، هجومًا جويًا استهدف منطقة قريبة من كنيسة القديس بطرس المعمدانية بقرية كانان، وأسفر عن مقتل 17 مدنيًا، بينهم تسعة أطفال، وإصابة أكثر من 20 آخرين.
وقالت المنظمة إنها حللت شهادات شهود عيان وصورًا ومقاطع فيديو وأدلة متعلقة بالهجوم، وخلصت إلى أن الضربات أصابت مناطق مدنية، وطالبت بالتحقيق فيها باعتبارها جرائم حرب محتملة ومحاسبة المسؤولين عنها.
وأكدت المنظمة أن الضحايا كانوا من المدنيين، وأن بعضهم كانوا متجهين إلى الكنيسة، في واقعة أثارت مخاوف بشأن حماية التجمعات السكانية ودور العبادة أثناء العمليات العسكرية.
الأمم المتحدة: هجمات جوية تطال المدارس والمستشفيات والمباني الدينية
وفي تطور يعزز خطورة المشهد، أعلنت الآلية الدولية المستقلة للتحقيق في ميانمار التابعة للأمم المتحدة، في أغسطس 2026، نتائج تحقيقاتها بشأن الانتهاكات المرتكبة خلال الفترة من يوليو 2025 حتى يونيو 2026.
وقالت الآلية إن تحقيقاتها كشفت عن نمط من الهجمات الجوية التي استهدفت المدنيين، إلى جانب انتهاكات أخرى شملت الاحتجاز التعسفي والتعذيب والعنف الجنسي.
وأوضح التقرير أن الضربات العسكرية طالت منازل ومدارس ومنشآت طبية ومباني دينية ومخيمات للنازحين، وأسفرت عن سقوط قتلى وجرحى وتدمير ممتلكات مدنية.
وحذرت الآلية من أن الاعتماد المتزايد على الطائرات المسيّرة ووسائل الهجوم الجوي يجعل اكتشاف الضربات أكثر صعوبة أمام المدنيين، ويحد من قدرتهم على الفرار والبحث عن أماكن آمنة.
مطالب دولية بوقف الهجمات ومحاسبة المسؤولين
وتعيد واقعة قصف مدرسة الكتاب المقدس فتح ملف حماية الأقليات الدينية والمدنيين في ميانمار، في ظل استمرار الحرب الأهلية وتزايد الهجمات الجوية على المناطق السكنية والمؤسسات المدنية.
وتطالب منظمات حقوقية بضرورة اتخاذ إجراءات دولية أكثر فاعلية لوقف تدفق وقود الطائرات إلى الجيش الميانماري، وتشديد الرقابة على مصادر تسليحه، وضمان حماية المدنيين والمؤسسات الدينية والتعليمية، والتحقيق في الهجمات التي تطالها ومحاسبة المسؤولين عنها.
كما دعت منظمة التضامن المسيحي العالمي المجتمع الدولي إلى فرض حظر منسق على وقود الطيران المستخدم في العمليات العسكرية، واتخاذ خطوات عملية تحول دون استمرار الهجمات على المدنيين والمؤسسات الدينية.
وبينما تتواصل المواجهات المسلحة في ميانمار، يجد المدنيون، ومن بينهم الأطفال والطالبات، أنفسهم في مواجهة مخاطر لا تقتصر على منازلهم وقراهم، بل تمتد إلى المدارس والكنائس والمؤسسات التي تمثل مراكز للتعليم والحياة الروحية والاجتماعية، لتبقى حماية الحق في الحياة وحرية العبادة والتعليم الآمن اختبارًا حقيقيًا لمدى التزام المجتمع الدولي بحماية حقوق الإنسان.




