الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
أذكر أنّني قرأتُ يومًا في أحد الكتب الروحيّة تأمّلًا في شخصٍ مسيحيٍّ صادف فقيرًا جائعًا في الشارع، فقدّم له طعامًا، ثمّ مضى مطمئنّ البال، مرتاح الضمير، لأنّه صنع خيرًا. ومن حينها، وأنا أتأمّل في المسافة الهائلة بين بعض أشكال التقوى الشعبيّة والروحانيّة المسيحيّة الأصيلة.
فالروحانيّة المسيحيّة تدفع هذا الشخص نفسه، بعد أن يُطعم الجائع، إلى أن يعود إلى بيته فلا يعرف النوم. تبدأ الأسئلة في مطاردته: لماذا يوجد إنسانٌ جائعٌ أصلًا؟ ما الهياكل الاقتصاديّة والسياسيّة والاجتماعيّة التي تُنتج الفقر وتحرم البشر من الحماية الاجتماعيّة والرعاية الصحيّة؟ وكيف تُعيد هذه الهياكل إنتاج الفقر جيلًا بعد جيل؟ وما نصيبي أنا من المسؤوليّة عن استمرارها، سواءٌ بمواقفي أو بصمتي أو بطريقة حياتي؟ وماذا ينبغي أن نفعل لتغييرها؟
وهنا أتذكّر المقولة الشهيرة للمطران البرازيليّ هلدر كمارا (١٩٠٩–١٩٩٩)، الذي كرّس حياته للدفاع عن الفقراء والعدالة الاجتماعيّة: «حين أُطعم الفقراء، يدعونني قدّيسًا. وحين أتساءل لماذا هم فقراء، يدعونني شيوعيًّا!» ولعلّ هذه العبارة تختصر المسافة بين تقوى تكتفي بتهدئة الضمير وروحانيّة توقظه وتُقلقه. فإطعام الجائع ضرورةٌ لا تحتمل التأجيل، ولكنّ المحبّة المسيحيّة لا تنتهي عند رغيف الخبز الذي نقدّمه له؛ إنّها تدفعنا أيضًا إلى مساءلة العالم الذي حرمه من هذا الرغيف.
وربّما يبدأ النضج الروحيّ الحقيقيّ حين يكفّ ضميرنا عن الاكتفاء بالارتياح لما فعلناه من خير، ويبدأ في مساءلتنا عمّا تركناه من شرٍّ قائم، وما أسهمنا في استمراره، حتّى بصمتنا.





