د.ماجد عزت إسرائيل
المقدمة
يُعدّ السامريون إحدى الجماعات الدينية والتاريخية المهمة في دراسة الكتاب المقدس، إذ ارتبط ظهورهم وتطور هويتهم بتاريخ مملكة إسرائيل الشمالية، وبالتحولات السياسية والدينية التي شهدتها المنطقة عقب الغزو الآشوري في القرن الثامن قبل الميلاد. وقد تطورت العلاقة بينهم وبين اليهود عبر قرون من الخلافات العقائدية والصراعات السياسية، حتى أصبحت في زمن السيد المسيح علاقة تتسم بالتوتر والتباعد الاجتماعي والديني.ولم يكن الخلاف بين اليهود والسامريين مجرد خلاف عرقي أو سياسي، بل امتد إلى قضايا لاهوتية جوهرية، أبرزها مفهوم شعب الله المختار، ومكان العبادة الشرعي، وسلطة الأسفار المقدسة، وطبيعة العلاقة بين الشريعة والهوية الدينية. وتكتسب دراسة السامريين أهمية خاصة في العهد الجديد؛ إذ يكشف موقف السيد المسيح منهم عن بُعد لاهوتي عميق يتمثل في تجاوز الحواجز الاجتماعية والعرقية، دون إلغاء الحقيقة الإيمانية، والتأكيد على أن الخلاص لا تحدّه الانتماءات القومية أو الخصومات التاريخية. وتسعى هذه الدراسة إلى تحليل نشأة السامريين وتطورهم الديني، وتفسير أسباب العداء بينهم وبين اليهود، ثم دراسة تعامل السيد المسيح معهم في ضوء النصوص الإنجيلية، وصولًا إلى موقعهم في انتشار الكنيسة الأولى.
أولًا: الأصل التاريخي للسامريين ونشأتهم
1. السامرة في تاريخ مملكة إسرائيل
ترتبط تسمية السامريين بمدينة السامرة، التي أصبحت عاصمة مملكة إسرائيل الشمالية في عهد الملك عمري، الذي اشترى الجبل من شامر وبنى عليه مدينة أطلق عليها اسم السامرة (1 ملوك 16: 24). وبعد انقسام المملكة الموحدة عقب وفاة سليمان، نشأت مملكتان: مملكة إسرائيل في الشمال، ومملكة يهوذا في الجنوب (1 ملوك 12). وقد أدى هذا الانقسام السياسي تدريجيًا إلى تباعد ديني، لا سيما بعدما أقام يربعام بن نباط مركزين للعبادة في بيت إيل ودان، بهدف منع رعاياه من التوجه إلى أورشليم (1 ملوك 12: 26–33).ومن ثم يمكن القول إن جذور الانقسام الديني بين الشمال والجنوب سبقت ظهور الجماعة السامرية بصورتها المعروفة في العهد الجديد.
2. الغزو الآشوري وإعادة تشكيل المجتمع
شهد عام 722/721 ق.م. سقوط السامرة تحت السيطرة الآشورية، في أعقاب الحملات العسكرية التي ارتبطت بشلمنأسر الخامس وسرجون الثاني. ويذكر سفر الملوك الثاني أن ملك آشور نقل سكانًا من مناطق متعددة إلى مدن السامرة: «وأتى ملك أشور بقوم من بابل وكوث وعوا وحماة وسفروايم، وأسكنهم في مدن السامرة عوضًا عن بني إسرائيل» (2 ملوك 17: 24). وقد ترتب على هذه السياسة انتقال جماعات سكانية جديدة إلى المنطقة، إلى جانب من بقي فيها من السكان الإسرائيليين. ويعرض سفر الملوك الثاني واقعًا دينيًا اتسم بالجمع بين عبادة الرب وممارسات وثنية أخرى (2 ملوك 17: 25–41). ومع ذلك، ينبغي التمييز أكاديميًا بين سكان السامرة في العصر الآشوري والجماعة السامرية التي تبلورت هويتها الدينية لاحقًا؛ فليس دقيقًا اعتبار جميع السامريين مجرد نسل للمستوطنين الأجانب. فالسامريون أنفسهم يؤكدون انتسابهم إلى أسباط إسرائيل القديمة، ولا سيما أفرايم ومنسى ولاوي. وتشير الدراسات الحديثة إلى أن نشأتهم كانت عملية تاريخية طويلة، وليست نتيجة حدث واحد.
ثانيًا: الانقسام الديني بين اليهود والسامريين
1. الخلاف في إعادة بناء الهيكل
بعد العودة من السبي البابلي، بدأت الجماعة اليهودية في أورشليم إعادة بناء الهيكل بقيادة زربابل. ويذكر سفر عزرا أن جماعة من سكان المنطقة طلبت المشاركة في البناء، معلنة عبادتها لإله إسرائيل منذ أيام أسرحدون ملك آشور (عزرا 4: 1–2). إلا أن زربابل ويشوع ورؤساء الآباء رفضوا مشاركتهم، مؤكدين مسؤوليتهم عن بناء بيت الرب (عزرا 4: 3). وقد أعقب ذلك تصاعد المعارضة لأعمال البناء، كما يروي سفر عزرا. ويُظهر هذا الحدث أن النزاع لم يتعلق بالبناء في ذاته فحسب، بل ارتبط بالسؤال عن الشرعية الدينية: من يحق له أن يمثل جماعة إسرائيل وأن يشارك في عبادتها؟ فلكن تجدر الإشارة إلى أن تحديد هوية جميع المعارضين المذكورين في عزرا ونحميا باعتبارهم سامريين بالمعنى الديني اللاحق يحتاج إلى قدر من التحفظ التاريخي.
2. الصراع في عصر نحميا
في القرن الخامس قبل الميلاد، واجه نحميا معارضة أثناء إعادة بناء أسوار أورشليم، وكان من أبرز معارضيه سنبلط الحوروني وطوبيا العموني وجشم العربي (نحميا 2: 19؛ 4: 1–3).كما يذكر سفر نحميا ارتباط أحد أفراد الأسرة الكهنوتية بسنبلط عن طريق المصاهرة (نحميا 13: 28). وتكشف هذه الأحداث عن تداخل الاعتبارات السياسية والاجتماعية والدينية في تشكيل العلاقات بين أورشليم والسامرة. ومن المهم عدم اختزال هذا الصراع في كراهية عرقية، لأنه ارتبط أيضًا بمسائل السلطة الدينية، والهوية الجماعية، والولاء السياسي.
ثالثًا: جبل جرزيم وأزمة المكان المقدس
يمثل جبل جرزيم أحد أهم محاور الخلاف بين اليهود والسامريين. فبينما اعتبر اليهود أورشليم موضع العبادة المركزي، تمسك السامريون بقداسة جبل جرزيم، وعدّوه المكان الذي اختاره الله لعبادته. ويرتبط الجبل في التوراة بإعلان البركة، إذ يذكر سفر التثنية:« وَإِذَا جَاءَ بِكَ الرَّبُّ إِلَهُكَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أَنْتَ دَاخِلٌ إِلَيْهَا لِكِيْ تَمْتَلِكَهَا، فَاجْعَلِ الْبَرَكَةَ عَلَى جَبَلِ جِرِزِّيمَ، وَاللَّعْنَةَ عَلَى جَبَلِ عِيبَالَ.» (تثنية 11: 29).وقد نشأ على جبل جرزيم مركز ديني مهم، وارتبط به موضع مقدس للعبادة وتقديم الذبائح.وتشير الاكتشافات الأثرية إلى وجود نشاط ديني في الموقع خلال العصرين الفارسي والهلنستي، وإن كان التاريخ الدقيق لنشأة المعبد وشكله المعماري لا يزالان موضع نقاش علمي. وقد تعرض المركز الديني على جبل جرزيم للتدمير في عهد الحاكم الحشموني يوحنا هيركانوس في أواخر القرن الثاني قبل الميلاد، وهو ما عمّق القطيعة بين الجماعتين. وتبرز أهمية هذا النزاع في الحوار الذي دار بين السيد المسيح والمرأة السامرية، حين قالت:«آباؤنا سجدوا في هذا الجبل، وأنتم تقولون إن في أورشليم الموضع الذي ينبغي أن يُسجد فيه» (يوحنا 4: 20). فهذا السؤال لم يكن مجرد استفسار عن مكان الصلاة، بل عبّر عن خلاف تاريخي ولاهوتي متجذر حول شرعية العبادة.
رابعًا: العقيدة السامرية والتوراة السامرية
احتفظ السامريون بالأسفار الخمسة المنسوبة إلى موسى، وعدّوها المرجع الأساسي لعقيدتهم وشريعتهم.وتُعرف نسختهم باسم «التوراة السامرية»، وهي تقليد نصي قديم يرتبط بالنص العبري للتوراة، لكنه يختلف عنه في عدد من القراءات.ومن أبرز الاختلافات ما ورد في تثنية 27: 4، حيث يظهر اسم جبل جرزيم في النص السامري، مقابل جبل عيبال في النص العبري الماسوري. ولا يجوز من الناحية النقدية اعتبار جميع هذه الاختلافات تحريفات متعمدة؛ إذ تتضمن التوراة السامرية قراءات تتفق مع تقاليد نصية قديمة، وبعضها له شواهد في مخطوطات ما قبل العصر المسيحي.وقد أظهرت الدراسات النصية أن العلاقة بين التوراة السامرية والنصوص العبرية القديمة أكثر تعقيدًا من مجرد اختلاف بين نص أصلي وآخر محرّف.
وتتميز العقيدة السامرية بعدة عناصر أساسية:
1. الإيمان بالإله الواحد، إله إسرائيل.
2. الالتزام بالتوراة الموسوية.
3. الإيمان بقداسة جبل جرزيم باعتباره مركز العبادة المختار.
4. انتظار شخصية مخلّصة مرتبطة بالوعد الإلهي، تُعرف في التقليد السامري باسم «التاهب» أو «التاعب»، أي الآتي أو العائد.
5. المحافظة على عدد من الطقوس والأعياد المرتبطة بالشريعة الموسوية.
ومن هنا يتضح أن السامريين لم يكونوا جماعة وثنية بسيطة في زمن السيد المسيح، بل أصحاب تقليد ديني توحيدي مستقل، يجمعه باليهودية أصل كتابي مشترك، ويفصله عنها خلاف عميق حول مركز العبادة والتفسير الديني.
خامسًا: العداء بين اليهود والسامريين في العهد الجديد
عند دراسة الأناجيل، يتضح أن العلاقة بين اليهود والسامريين كانت تتسم بحواجز اجتماعية ودينية واضحة. ويشير إنجيل يوحنا إلى هذا التوتر في حديث المرأة السامرية مع السيد المسيح (يوحنا 4: 9). ويتجلى العداء أيضًا في اتهام بعض اليهود للسيد المسيح بأنه سامري وبه شيطان (يوحنا 8: 48). ويكشف هذا الاتهام عن استخدام الانتماء السامري وسيلةً للازدراء والإساءة، مما يعكس عمق الصورة السلبية المتبادلة في بعض الأوساط آنذاك. كما يذكر إنجيل لوقا أن إحدى قرى السامريين رفضت استقبال السيد المسيح لأنه كان متجهًا نحو أورشليم (لوقا 9: 51–53). وتكشف هذه الحادثة عن استمرار الخلاف حول المركز الديني، حتى أصبح اتجاه المسافر إلى أورشليم عاملًا مؤثرًا في العلاقات الاجتماعية. ومع ذلك، لا ينبغي تعميم هذه المواقف على جميع أفراد الشعبين، إذ تقدم الأناجيل أيضًا نماذج إيجابية من العلاقات بين اليهود والسامريين.
سادسًا: موقف السيد المسيح من السامريين
يُعدّ موقف السيد المسيح من السامريين تحولًا لاهوتيًا وأخلاقيًا مهمًا في سياق العلاقات بين الجماعات الدينية آنذاك.
1. المسيح والمرأة السامرية: تجاوز الحواجز الدينية والاجتماعية
يمثل لقاء السيد المسيح بالمرأة السامرية عند بئر يعقوب (يوحنا 4: 1–42) أحد أهم النصوص الإنجيلية التي تكشف طبيعة رسالته تجاه الجماعات التي عانت من التهميش أو الرفض الاجتماعي. فقد بدأ المسيح الحوار بطلب الماء، متجاوزًا في مبادرته الحواجز المرتبطة بالانتماء الديني والجنس والمكانة الاجتماعية. ثم انتقل بالحوار من الاحتياج المادي إلى الحديث عن الماء الحي، ومن النقاش حول المكان المقدس إلى المفهوم الروحي للعبادة. وقد أعلن المسيح: «ولكن تأتي ساعة وهي الآن، حين الساجدون الحقيقيون يسجدون للآب بالروح والحق» (يوحنا 4: 23). ويحمل هذا الإعلان دلالات لاهوتية متعددة. أولًا، لم يجعل المسيح الانتماء الجغرافي أو القومي وحده معيارًا للعلاقة بالله. ثانيًا، لم يتجاهل الخلاف العقائدي، بل أكد أن الخلاص من اليهود (يوحنا 4: 22)، رابطًا الإعلان الخلاصي بتاريخ العهد الإلهي. ثالثًا، نقل الحوار من التنافس بين موضعين مقدسين إلى طبيعة العبادة الحقيقية وعلاقة الإنسان بالله. واللافت أن المرأة السامرية تحولت من طرف في حوار ديني إلى شاهدة للمسيح أمام أهل مدينتها، حتى آمن به كثيرون منهم (يوحنا 4: 39–42). وهكذا يقدم الإنجيل المرأة السامرية نموذجًا لتحول الإنسان من الانغلاق الناتج عن الخصومة التاريخية إلى الانفتاح على حقيقة الخلاص.
٢. مثل السامري الصالح: إعادة تعريف مفهوم القريب
في إنجيل لوقا (10: 25–37)، قدم السيد المسيح مثل السامري الصالح ردًا على سؤال الناموسي: «ومن هو قريبي؟». وتكمن قوة هذا المثل في اختيار المسيح شخصية سامرية لتكون النموذج الأخلاقي الإيجابي، في مقابل شخصيات دينية يهودية مرّت بالمجروح دون أن تقدم له المساعدة. فالسامري، الذي كان يُنظر إليه في بعض الأوساط اليهودية باعتباره غريبًا أو خصمًا دينيًا، هو الذي أظهر الرحمة العملية. وهنا تتجلى عبقرية البناء التعليمي للمثل: لم يقدم المسيح تعريفًا نظريًا للقريب، بل نقل محور السؤال من تحديد هوية من يستحق المحبة إلى مسؤولية الإنسان عن ممارسة المحبة تجاه المحتاج. وبذلك تجاوز المثل الحدود القومية والدينية بوصفها معيارًا لتقديم الرحمة. كما أن اختيار السامري تحديدًا لم يكن تفصيلًا عابرًا، بل عنصرًا أساسيًا في الرسالة الأخلاقية؛ لأن المثال يكتسب قوته من التناقض بين الصورة الاجتماعية السلبية عن السامري وبين سلوكه الإنساني النبيل.
٣. السامري الشاكر: الإيمان يتجاوز الهوية القومية
يذكر إنجيل لوقا شفاء عشرة رجال من البرص، ولم يرجع لتمجيد الله وشكر السيد المسيح إلا واحد منهم، وكان سامريًا (لوقا 17: 11–19). وقد أثنى المسيح على موقفه، مبرزًا قيمة الإيمان والشكر. ويُظهر هذا الحدث أن الاستجابة الروحية الصادقة لا تُقاس بمجرد الانتماء إلى جماعة دينية معينة، بل تتجلى في الإيمان والسلوك.
٤. رفض الانتقام من السامريين
عندما رفضت قرية سامرية استقبال المسيح، طلب يعقوب ويوحنا أن تنزل نار من السماء لإهلاك أهلها، لكن المسيح انتهرهما (لوقا 9: 54–55). ويكشف هذا الموقف عن رفض استخدام القوة الانتقامية وسيلة للرد على الرفض الديني. فالمسيح لم يجعل اختلاف المعتقد أو رفض استقباله مبررًا لإهلاك الآخرين. وتتجلى هنا إحدى السمات الأخلاقية الأساسية في الرسالة الإنجيلية، وهي التمييز بين الاختلاف الديني وبين الاعتداء على كرامة الإنسان أو حياته.
سابعًا: السامريون في رسالة الكنيسة الأولى
تأخذ العلاقة بالسامريين بُعدًا جديدًا بعد قيامة السيد المسيح. ففي سفر أعمال الرسل، يعلن المسيح لتلاميذه: «وتكونون لي شهودًا في أورشليم وفي كل اليهودية والسامرة وإلى أقصى الأرض» (أعمال 1: 8). وتكشف هذه العبارة عن مسار انتشار الإنجيل، الذي يبدأ من أورشليم ويمتد إلى المناطق المجاورة، ثم إلى العالم. وتحتل السامرة موقعًا محوريًا في هذا المسار، إذ تمثل مرحلة انتقالية مهمة في تجاوز الحدود الدينية والاجتماعية التي فصلت بين الجماعات. وفي أعمال الرسل 8، نقرأ عن خدمة فيلبس في السامرة، حيث استجاب كثيرون للكرازة، وقبلوا المعمودية، ثم جاء بطرس ويوحنا من أورشليم وصليا من أجل المؤمنين هناك. وتحمل هذه الأحداث دلالة كنسية عميقة؛ إذ تؤكد أن الجماعة المسيحية الناشئة لم تعد محصورة في إطار أورشليم أو في الانتماء اليهودي وحده. كما يظهر حضور بطرس ويوحنا بوصفه تعبيرًا عن وحدة الكنيسة وامتداد رسالتها، رغم التاريخ الطويل من الانقسام بين اليهود والسامريين. ومن المفيد ملاحظة التطور بين الإرسالية المحدودة للتلاميذ قبل القيامة، حين ورد توجيه بعدم دخول مدن السامريين (متى 10: 5–6)، والإرسالية الشاملة بعد القيامة (أعمال 1: 8). ويُفهم هذا التطور في إطار مراحل الرسالة الخلاصية كما يقدمها العهد الجديد، وليس بوصفه حكمًا دائمًا باستبعاد السامريين.
ثامنًا: الأبعاد اللاهوتية والإنسانية لقضية السامريين
تكشف دراسة السامريين في الكتاب المقدس عن عدة أبعاد مهمة:
1. خطورة تحويل الاختلاف الديني إلى عداء إنساني
فقد أسهمت الخلافات العقائدية والتاريخية في نشوء حواجز اجتماعية، حتى أصبح الانتماء الديني سببًا للازدراء المتبادل.
2. التمييز بين الحقيقة الدينية وكرامة الإنسان فلم يُلغِ السيد المسيح الاختلافات اللاهوتية، لكنه رفض أن تتحول إلى مبرر للاحتقار أو الانتقام أو حرمان الآخرين من الرحمة.
3. أولوية المحبة العملية فيؤكد مثل السامري الصالح أن المعرفة الدينية لا تكتمل دون رحمة تتجسد في الأفعال.
4. شمولية رسالة الخلاص ويُظهر لقاء المرأة السامرية وانتشار الإنجيل في السامرة أن رسالة المسيح تتجاوز الحدود العرقية والجغرافية.
5. المصالحة بوصفها تحولًا روحيًا وأخلاقيًا فلا يقدم العهد الجديد المصالحة بوصفها مجرد إزالة شكلية للخلافات، بل يدعو إلى تغيير نظرة الإنسان إلى الآخر، والاعتراف بإنسانيته، والتعامل معه بالمحبة والحق.
وأخيرًا؛ يتضح من خلال الدراسة التاريخية والكتابية أن السامريين يمثلون جماعة دينية ذات جذور إسرائيلية قديمة، تشكلت هويتها عبر تفاعلات سياسية واجتماعية ولاهوتية امتدت قرونًا طويلة. وقد ساهم سقوط مملكة إسرائيل الشمالية، وسياسات التهجير الآشورية، والصراعات المرتبطة بإعادة بناء الهيكل، والخلاف حول قداسة جبل جرزيم، في تعميق الانفصال بين اليهود والسامريين. غير أن العهد الجديد يقدم منظورًا يتجاوز حدود هذا الصراع التاريخي؛ فالسيد المسيح لم يتعامل مع السامريين باعتبارهم جماعة يُحكم على أفرادها بصورة جماعية، بل تعامل مع الإنسان بوصفه شخصًا قادرًا على الإيمان والتوبة والمحبة والاستجابة للنعمة الإلهية. فالمرأة السامرية أصبحت شاهدة للمسيح، والسامري الصالح صار نموذجًا للرحمة، والسامري الذي شُفي من البرص قدم مثالًا للشكر والإيمان، وأصبحت السامرة نفسها ميدانًا مهمًا للكرازة الرسولية. ومن ثم، فإن القيمة اللاهوتية الكبرى لقضية السامريين لا تكمن في دراسة تاريخ العداء وحده، بل في فهم الكيفية التي واجه بها السيد المسيح هذا العداء، مؤكدًا أن الاختلاف في الانتماء لا يلغي كرامة الإنسان، وأن العبادة الحقيقية لا تنفصل عن الحق والمحبة والرحمة.





