روبير الفارس
لم أكن أتوقع أن يثير مقالي الأسبوع الماضي «قبطي في الكونجرس» كل هذه الحالة النقاشية المهمة، والتي جعلت التفاعلات مع المقال، ما بين قراءات ومشاهدات، تصل إلى نحو ربع مليون تفاعل على مواقع التواصل الاجتماعي، وما زالت الردود والتفاعلات تتوالى.
فالسؤال ما زال مطروحًا: لماذا لم نجد، بين الأجيال المتعاقبة من أقباط أمريكا وأوروبا، من يقدم نموذجًا سياسيًا متفاعلًا مع الجماهير، على طريقة أوباما وممداني وعبدول، وليس فقط في مجالات العمل العام أو التعيينات أو الجامعات؟
جاءت التعليقات ثرية ومتنوعة، وإن بدت أحيانًا متخبطة، وأشارت الأستاذة دولا أندراوس إلى غياب التنظيم والتمويل، وغياب الاتجاه الأيديولوجي، بينما تحدث آخرون عن غياب التربية السياسية بصفة عامة.
بل إن بعضهم ذكّرني بالتأثير الكبير للثقافة الروحية التي تغذي وجدان الأقباط منذ طفولتهم في فصول مدارس الأحد، من خلال قصص أبناء الملوك والقياصرة الرومان الذين رفضوا طريق الحكم والملك، وذهبوا إلى الصحراء رهبانًا، ومن أشهر هذه القصص قصة القديسين مكسيموس ودماديوس، ابني فالنتيانوس القيصر الروماني (364–375).
وهناك مؤرخون يعتقدون أن انتشار هذا الفكر الأخروي، ومفهوم أن «مملكتنا ليست من هذا العالم»، كان، بشكل أو بآخر، أحد العوامل الثقافية التي أثرت في رؤية المسيحيين الأوائل للسلطة والدولة والإمبراطورية. وهي زاوية تستحق بالتأكيد مزيدًا من البحث، بعيدًا عن التبسيط الذي يربط سقوط الإمبراطورية الرومانية بها.
وكان من الغريب أن يبرر البعض ابتعاد الأقباط عن السياسة من خلال نظرة مثالية ساذجة، باعتبار أن السياسة تتطلب الأكاذيب والكواليس والدهاء والمكر، وأن «السياسة نجاسة»، بينما هم «أبرار وملائكة» في الوقت نفسه قال آخرون إن الأقباط «بيكرهوا بعض في الغربة، وبيحاربوا بعض»، فتتعجب: هل هم ملائكة أم كارهون لبعضهم؟
تعليقات عديدة أثارت الجدل أكثر مما قدمت إجابات، وخاصة تلك التي خلطت بين الأسباب والتبريرات. والتي أكدت أن نجاح النماذج الشهيرة سببها تمويل وتبرعات جماعات ودول ومنظمات
لها أهداف خفية
ومن بين التعليقات اللافتة ما كتبته الأستاذة تريزا سمير جبران، التي قالت:
«الأسباب كثيرة، بس أعتقد إنه عشان تشتغل في السياسة لازم تكون حاجة من 3 حاجات:
1- إنك تمتلك عقلية إدارية أو اقتصادية أو سياسية جبارة، بحيث إنك تتخطف خطف ويتمنوا يستعينوا بيك، وتكون دخلت دهاليز السياسة باعتبارك رجل طموح ومالكش في المشاغبة.
2- إنك تكون منافق ومرائي، زي نماذج سياسية حالية في أمريكا ودول تانية، ومنهم كثير، وبالتالي أي قبطي لن يتميز في هذه النقطة ولا حاجة إليه مهما كوّن من علاقات.
3- إن تكون عندك رؤية وعايز تغيير حقيقي، ومستعد تخوض من أجله عش الدبابير، ودي مش العقلية القبطية للأسف. بنتكلم عن نماذج تكاد تكون استثنائية فقط.
فأنت مثلًا دائمًا هتلاقي القبطي مع اليمين، ونادرًا ما تلاقيه مع اليسار، أو تلاقي ليبرالي.
عشان كده الأقباط في أمريكا تحديدًا، ويمكن أكثر من كندا، كبيرهم يبقوا رقم 1، وأكثرهم رقم 2. فعشان كده مفيش حد فيهم اسم مميز في الدهاليز الأمريكية. قد يكون منهم مميزون بالنسبة لنا في المجتمع المصري، وخاصة على السوشيال ميديا، لكن ما لهمش قامة.
أنا كمان أعتقد إن الثقافة القبطية السلبية المتجنبة لها دور. أنت عارف حتى الكنيسة في أمريكا قليل قوي لما تلاقيهم خرجوا مثلًا عشان يخدموا الـ homeless أو غيرهم. بيحصل أحيانًا، آه، لكن أكثر الخدمة منهم فيهم وليهم.
عكس الرجل اليهودي، ثقافته مختلفة. واثق، مش منحني، عنده قناعة إنه ممكن يبقى قائد. إنما القبطي كبيره يبقى حامل سر الملك، إنما مش الملك نفسه».
انتهى تعليق الأستاذة تريزا، وبدأت الأسئلة من جديد.
فهل نحن أمام مشكلة في الثقافة؟ أم في التربية السياسية؟ أم في طبيعة المجتمع القبطي في المهجر؟ أم أن المسألة، ببساطة، تتعلق بغياب أدوات السياسة: التنظيم والتمويل وبناء الشبكات والقدرة على خوض الانتخابات؟
وربما تكون الإجابة مزيجًا من كل ذلك.
المهم أننا بحاجة إلى إعادة التفكير في الصورة النمطية التي رسمناها لأنفسنا: القبطي الناجح هو الطبيب أو المهندس أو رجل الأعمال أو الأستاذ الجامعي، أما السياسة فـ«وجع دماغ»، ودروبها مليئة بالمطبات.
وهنا أريد أن أشكر الجميع، وكل المتفاعلين مع المقال، فقد كانت التعليقات ثرية إلى درجة أنني كنت أتمنى أن أذكرها كلها، لكن مقالًا واحدًا لن يتسع لها.
نحن نحتاج إلى إعادة التفكير، والغربلة، ومزيد من الفحص لهذه القضية، بعيدًا عن جلد الذات أو تمجيد الذات أيضًا.
وأخيرًا، كنت أظن أن كلامي في المقال السابق كان واضحًا كالشمس فيما يخص رفضي لأي ممارسة سياسية للكنيسة، أو تحويل المؤسسة الكنسية إلى لاعب حزبي أو انتخابي.
أنا أتحدث عن الإنسان القبطي كمواطن، له كامل الحق في العمل العام والسياسي، وليس عن الكنيسة كمؤسسة دينية.
وما أشرت إليه هو فقط تأثير بعض عناصر الثقافة الكنسية والمجتمعية في تكريس السلبية أو العزوف عن المجال السياسي، وهي فرضية للنقاش وليست حكمًا نهائيًا.
وفي النهاية، ربما لم أفعل أكثر من أنني ألقيت حجرًا في الماء الراكد...
والآن علينا أن نرى: هل ستظل الدوائر تتسع، أم سيعود الماء إلى سكونه من جديد؟
أفيه قبل الوداع
«يا بخت من بكّاني... أحسن من اللي مدحني وضحّك الناس عليّا!»
نقلا عن البوابة نيوز





