من تجربتي البرلمانية: حين تكون نائبًا عن الإنسان، لا عن هويته

بقلم: نادية هنري
كلما استعدت سنوات تجربتي في العمل البرلماني، أدركت أن أهم ما تعلمته لم يكن متعلقًا بإدارة الجلسات، أو صياغة التشريعات، أو خوض المعارك السياسية، بل كان متعلقًا بسؤال أكثر عمقًا:

لمن نمارس السياسة؟ ومن هو الإنسان الذي ينبغي أن تكون السياسة في خدمته؟

دخلت البرلمان وأنا مؤمنة بأن السياسة ليست صراعًا على السلطة، ولا وسيلة لفرض معتقداتنا على الآخرين، وإنما مسؤولية تجاه الإنسان، أي إنسان، بصرف النظر عن دينه أو جنسه أو أفكاره أو موقعه الاجتماعي.

كنت أؤمن أنني، بصفتي نائبة، لا أمثل فقط من انتخبوني، ولا من يتفقون معي في الرأي أو العقيدة. أنا نائبة عن المجتمع، وعن الإنسان الذي قد لا يملك صوتًا، أو نفوذًا، أو قدرة على الدفاع عن نفسه.

وهذا الإيمان لم يكن مجرد فكرة نظرية، بل كان اختبارًا حقيقيًا في مواقف كثيرة.

أنا نائبة عن القاتل أيضًا!

أتذكر موقفًا اعترض فيه أحد الأشخاص على أنني أسلّم على شخص اتهمه بالفساد والسرقة، وقال لي: كيف تفعلين ذلك؟

كان ردي بسيطًا: أنا نائبة عن من؟ أليست مسؤوليتي أن أكون نائبة عن الحرامي، والقاتل، والمجرم، وعن كل إنسان في هذا المجتمع؟

لا يعني ذلك أنني أبرر الجريمة، أو أساوي بين الجاني والضحية، أو أتنازل عن حقي في إدانة الخطأ. بل يعني أنني أفهم أن التمثيل السياسي لا يمنحني حق اختيار من يستحق حقوقه ومن لا يستحقها.

فالحقوق لا تُمنح لمن نحب، ولا تُسحب ممن نكره.

وأتذكر أيضًا أنني تلقيت، خلال عملي البرلماني، خطابًا من راهب مسجون في قضية قتل زميله داخل أحد الأديرة، وكان يشتكي من ظروف سجنه الانفرادي، ويطالب بحقه في المعاملة الكريمة.

حين عرضت الأمر، فوجئت بمن يسألني: كيف تدافعين عن هذا الشخص؟

وكان ردي: أنا لا أدافع عن شخصه، أنا أدافع عن حقه.

هذه الجملة تختصر، في رأيي، جوهر العمل العام.

أن تدافع عن حق إنسان لا يعني أن تتبنى أفكاره، أو تبرر أفعاله، أو تنكر مسؤولية القانون في محاسبته. بل يعني أنك تؤمن بأن العدالة لا تفقد معناها عندما يكون المتهم شخصًا لا تحبه.

فالعدالة التي لا تحمي إلا من نتفق معهم ليست عدالة، بل امتياز.

السياسة ليست دينًا آخر

من أكثر ما يؤلمني في مجتمعاتنا أن تتحول العقيدة الدينية إلى معيار للحكم على أهلية الإنسان للمشاركة في الحياة العامة.

أن يُقال: لا تنتخبوا هذه المرأة لأنها مسيحية، أو لا تثقوا في هذا الرجل لأنه مسلم، أو أن يُرفض شخص بسبب انتمائه الديني قبل أن نعرف برنامجه السياسي.

لماذا؟

هل السياسة حكر على أصحاب عقيدة بعينها؟

لقد كنت دائمًا أؤمن أن من حق المواطن أن يختار من يراه قادرًا على خدمته، وأن من حقه أيضًا أن يحاسب من اختاره إذا أخفق.

إذا جاء حزب يحمل مرجعية دينية، فالمعيار ليس مجرد هويته، وإنما برنامجه، ومدى احترامه للدستور والمواطنة، وقدرته على إدارة الدولة وتحقيق مصالح الناس.

وإذا أخفق، فليُحاسب سياسيًا.

أما أن نرفضه أو نقبله لمجرد دينه، فذلك يعني أننا استبدلنا معيار الكفاءة والمسؤولية بمعيار الهوية.

وقد قلت دائمًا إنني دخلت السياسة لأخدم الإنسان، حتى لو كان ملحدًا، وحتى لو كان مختلفًا معي في كل ما أؤمن به.

لأن حقي في أن أعيش وفق معتقدي لا يمنحني حق فرضه على غيري، كما أن اختلاف الآخر معي لا يمنحه حق إقصائي.

الاختلاف لا يعني الكراهية

عشت في مصر، وعرفت معنى الصداقة الحقيقية بين المسلمين والمسيحيين. دخلنا بيوت بعضنا، وتقاسمنا الأفراح والأحزان، وسافرنا معًا، ونمنا في بيوت بعضنا البعض، ولم يكن الدين يومًا حاجزًا بيننا.

لماذا أصبحنا اليوم نحتاج إلى تبرير هذه العلاقات الإنسانية الطبيعية؟

لماذا أصبح البعض يسعى إلى إقناعنا بأن الاختلاف الديني تهديد، وأن التعايش ضعف، وأن الكراهية دليل على التمسك بالعقيدة؟

أنا أختلف معك، وربما أختلف معك بشدة، لكنني لا أريد أن أجبرك على الاقتناع بفكري، ولا أقبل أن تجبرني على التخلي عن فكري.

أريد أن أسمعك، وأن تسمعني، وأن نحترم حق بعضنا في الاختلاف.

وهذا لا يعني أن نقبل الظلم أو التعصب أو التحريض. بل يعني أن نواجهها بالقانون، وبالفكر، وبالوعي، لا بتعصب مضاد.

فالمجتمع الذي يحارب الكراهية بالكراهية، لا يتخلص منها، بل يعيد إنتاجها.

السياسة فن فعل الخير

أؤمن أن السياسة، في جوهرها، هي فن فعل الخير.

ليس الخير بمعناه العاطفي أو الخيري المحدود، بل بمعناه الإنساني الواسع: أن تضمن للإنسان حقه في التعليم، والعلاج، والعمل، والكرامة، والعدالة، وأن تحميه من التمييز، وأن تتيح له فرصة المشاركة في صنع مستقبله.

السياسة هي أن تسأل: لماذا لا يستطيع الفقير أن يتلقى العلاج؟ لماذا يُحرم طفل من التعليم؟ لماذا تُهدر كرامة إنسان لأنه ضعيف أو مختلف؟ ولماذا تتحول الدولة أحيانًا إلى سلطة تُخيف مواطنيها بدلًا من أن تحميهم؟

السياسة ليست أن نكسب المعركة ضد خصومنا، بل أن نكسب معركة الإنسان ضد الفقر والجهل والمرض والظلم.

وليست أن نثبت أننا على حق طوال الوقت، بل أن نمتلك الشجاعة للاعتراف بالخطأ وتصحيحه.

وليست أن نبحث عن الولاء، بل أن نبني الثقة.

حين لا تكفي الأموال لشراء إرادة الشعوب

ما يحدث في العالم اليوم يعيد طرح سؤال مهم: هل يمكن للمال والنفوذ أن يشتريا إرادة الشعوب إلى الأبد؟

قد تشتري الأموال حملات انتخابية، وقد تؤثر جماعات المصالح في القرار السياسي، وقد تفرض القوة حضورها على المشهد، لكن يبقى للإنسان وعيه، وللشعوب قدرتها على الرفض والمحاسبة.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول الأحزاب من أدوات للتعبير عن إرادة المواطنين إلى أدوات لترويض هذه الإرادة.

وأن يتحول السياسي من ممثل للشعب إلى ممثل لمصالح من يمولونه.

وأن تصبح العقيدة الدينية أو القومية أو السياسية وسيلة لتقسيم المجتمع، بدلًا من أن تكون جزءًا من تنوعه الإنساني.

لهذا، فإن الدفاع عن الديمقراطية لا يقتصر على صندوق الانتخابات، بل يبدأ من حماية حق المواطن في الاختيار الحر، وينتهي بقدرته على محاسبة من اختارهم.

ما الذي أريده من السياسة؟

بعد سنوات من العمل البرلماني، لا أزعم أنني امتلكت كل الإجابات، ولا أنني نجحت في تغيير كل ما أردت تغييره.

لكنني ما زلت أؤمن أن السياسة تستحق أن نتمسك بها، إذا أعدناها إلى معناها الحقيقي.

أن تكون السياسة مساحة لخدمة الإنسان، لا لإذلاله.

أن تكون وسيلة لتحقيق العدالة، لا لتبرير التمييز.

أن تكون طريقًا للتعايش، لا لإشعال الكراهية.

وأن يكون اختلافنا في الرأي أو العقيدة سببًا للحوار، لا سببًا للإقصاء.

لا أريد مجتمعًا يتفق فيه الجميع معي، بل مجتمعًا يستطيع فيه الجميع أن يختلفوا معي دون خوف.

ولا أريد أن أكون نائبة عن الذين يحبونني فقط، بل أريد أن أكون جزءًا من منظومة تحمي حقوق الذين يختلفون معي، وربما يعارضونني.

لأن قيمة الإنسان لا تُقاس بمدى اتفاقه معنا، وقيمة السياسة لا تُقاس بعدد المقاعد التي نحصل عليها، بل بمدى ما نضيفه إلى حياة الناس من عدالة وكرامة وأمل.

السياسة ليست فن الوصول إلى السلطة، بل فن استخدام السلطة من أجل الإنسان.

وإذا فقدت السياسة هذا المعنى، فقدت مبرر وجودها.

أما إذا استعادت هذا المعنى، فإنها تصبح فعلًا من أسمى أفعال الخير.

نادية هنري