طارق الشناوى

كل المواقف والأفعال يجب أن تصبح لها قواعد ومحددات ونواهٍ، وفى الحروب مثلًا حقوق لا تمس للأسرى، رغم أن الأسير ربما قبل ثوانٍ، كان ممسكًا ببندقيته وأصبعه على الزناد يريد قتلك.

 

«السوشيال ميديا» دفعت قطاعًا عريضًا من البشر لإدمان العنف اللفظى والحركى، وكأنهم يتابعون صراع الديوك، تلك المعركة التى تنتهى غالبًا والدماء تسيل على الأرض، ونرى أحد الديكين فاقدًا للحياة، بعد أن أدمت رأسه الضربات من منقار الديك الآخر، هكذا من الممكن أن ترى مثلًا ما يجرى أمامنا بأن يتهم رجل طليقته - أم أولاده - بأنها جمعت بين زوجين، لم يفكر لحظة واحدة أن أولاده سيتحملون طول العمر وزر هذا الاتهام، اليوم وغدًا ستظل ظلال الجريمة تلاحقهم، حتى مع سقوط الادعاء. فى مجتمعنا لا تموت أبدًا الجريمة الأخلاقية. ليس كل ما تكسب به من حقك أن تلعب به، هناك ألعاب محرمة، وبينها الأعراض، حتى لو تمتعت ظاهريًا بحماية القانون.

 

المعركة صار أحد أطرافها اليوم الجمهور الذى يبحث عن الإثارة مهما كان الثمن، فهو ينحاز لا شعوريًا للأطول لسانًا والأكثر انفلاتًا والأشد تطرفًا وهتكًا للأعراض.

أغلبنا مثلًا غير راضٍ عن حال الفن، صارت هناك إجابات جاهزة تتناقلها الأغلبية من جيل إلى جيل، عليك أن تعلن على الملأ أن مصر التى نراها فى الأعمال الدرامية ليست هى مصر الحقيقية، وأن ما تقدمه الشاشات الغرض الوحيد منه التعريض بسمعة مصر، وأن هناك مؤامرة كونية لتشويهنا، ولا بأس أن توجه نداءً لملاحقة هذا الخطر الداهم، الذى يقف على الأبواب، ولا بأس أيضًا من إضافة «الشىء لزوم الشىء» وتُسمع الجميع صوتك الملىء بالدموع،

 

وتقاوم تنهيدات الدموع وأنت تقول «هذه الصورة التى تقدم بها المرأة المصرية تسىء إلى كل المصريات»، ويأتى بعدها صوت نافذ مطالبًا البرامج والدراما بتقديم الإنجازات، ويكتشف المسؤول طبعًا أن الناس أدارت المؤشر بالريموت كونترول بعيدًا عن الحدث الدرامى الذى ملأته وأنت مطمئن بكل تلك الإيجابيات، الناس سيكولوجيًّا تعتبر أن الإنجاز حق لهم، لا تُشكر عليه الحكومة لأنها تؤدى واجبها «لا شكر على واجب»، بينما الإخفاق هو ما يجب على الدراما والإعلام تقديمه.

 

لو سألتنى مثلًا ما هو أسوأ أفلام كبير المخرجين العرب والمصريين يوسف شاهين، سأقول لك بضمير مستريح «الناس والنيل» عن «السد العالى» بنسختيه المصرية والروسية، حيث لعب «الاتحاد السوفيتى» الدور الأهم مع مصر فى إنشائه، الشريط السينمائى أعتبره مجرد فيلم «سبوبة» دعائية خالية من الإبداع، استفاد منها فقط كل من شارك فيه من الجانبين المصرى والروسى.

 

يومًا ما مطلع الستينيات وجه الرئيس جمال عبد الناصر لومًا شديد اللهجة إلى الصحافة التى تقدم وجهًا واحدًا لمصر وهم رواد نادى الجزيرة، ووجه انتقاده أيضًا فى حضور إحسان عبد القدوس (رئيس تحرير روزاليوسف) بسبب الكاريكاتير الذى كان يرسمه أحد العباقرة المظلومين «حجازى»، يتناول خيانة المرأة، وتساءل أين المصرية المخلصة متناسيًا أن «الكاريكاتير» بطبعه ينتقد السلبيات، من المؤكد بعدها تقلصت روح السخرية.

 

 

التطرف فى المشاعر، وفى السنوات العشرين الأخيرة نضيف له أيضًا انتظار رد فعل «السوشيال ميديا»، جعلا أحكامنا خاضعة لمؤثرات متعددة وبطبعها متناقضة، تغتال -أول ما تغتال- الحقيقة.

نقلا عن المصرى اليوم