القمص يوحنا نصيف
    يتابع القدّيس كيرلّس تعليقاته على أحداث القيامة كما جاءت في إنجيل القدّيس لوقا (لو24: 34- 53)، وها هي بعض المقتطفات من هذه الكلمات الجميلة:
    + إنّ رواية القيامة قد بَلَغَت الرسل من جهاتٍ مختلفة (يقصد المريمات وتلميذيّ عمواس)، وصارت رغبتهم في رؤية الربّ جامحة. وها هو يأتي بحسب رغبتهم، ويقف مرئيًّا في وسطهم، ويُعلِن نفسه.

    + هو الآن يسمح لهم أن يُبصِروه بوضوح، ويحيّيهم بالتحيّة المُلائمة، ولكن مع ذلك "فإنّهم جزعوا وخافوا، وظنّوا أنّهم نظروا روحًا"، أي ظنّوا أنّه ليس هو نفسه، بل مجرّد شبح وخيال. وللوقتِ فإنّه هَدّأ من روعِهم وقلقهم، بسبب هذه الأفكار التي خطَرَت في قلوبهم، وخاطبهم بتحيّته المعتادة وقال: "سلامٌ لكم".

    + لكي يُقنعهم الربّ بتأكيد لا يدَع مجالًا للشكّ، بأنّه هو نفسه الذي تألّم.. وأنّ الأفكار الثائرة داخلهم لا تَخفَى عن معرفته، لذلك قال لهم: "ما بالكم مضطربين؟" هذا برهان واضح أنّ هذا الذي يرونه أمامهم ليس شخصًا آخَر، بل هو نفسه الذي رأوه يذوق الموت على الصليب، والذي وُضِعَ في القبر، وهو نفسه الذي يفحص القلوب والكُلى، والذي ليس شيء غير مكشوف لعينيه.

    + هذا الأمر يعطيه لهم كعلامة تدلّ على شخصِه، أعنِي معرفته بالأفكار الثائرة داخلهم. ولكي يُبَرهِن لهم بصورة أقوى، وبطريقة أخرى، أنّ الموت قد قُهِرَ، وأنّ الطبيعة البشريّة قد خَلَعَت عنها الفساد في شخصِهِ كباكورة، فإنّه أراهم يديه ورجليه وثقوب المسامير، وسمح لهم بأن يُمسِكوه، لكي يُقنِعهم بكلّ وسيلة أنّ نفس الجسد الذي تألّم هو الذي قام، كما قلتُ لكم.

    + من أجل أن يجعَل فيهم قَدرًا وافِرًا من الإيمان بتأكيد أكثر، فإنّه سألهم عن طعام، فناولوه جزءًا من سمك مشوي، فأخذ وأكل قدّامهم. هذا فعله ليس لأيّ سبب آخَر سوى أن يُبَيِّن أنّ مَن قام من الأموات هو نفسه الذي فيما مضى أكل وشرب معهم طوال فترة خدمته معهم، وهو الذي تكلّم معهم كإنسان، بحسب الصوت النبوي في القديم (باروخ 3: 37).

    + فتح ذهنهم ليفهموا أنّه كان ينبغي له أن يتألّم، وأن يُعَلَّق على خشبة الصليب. هُنا يُعِيدُ الربّ إلى أذهان التلاميذ ما قاله لهم سابقًا، لأنّه سبق أن أخبرهم بخصوص آلامه على الصليب، بحسب ما تكلّم به الأنبياء قبل ذلك بوقت طويل، كما أنّه فتح أيضًا عيون قلوبهم حتّى يفهموا النبوءات القديمة.

    + لقد وَعَدَ المُخَلِّص تلاميذه بحلول الروح القدس، الذي سبق أن أَعلَنَ الله عنه في القديم بيوئيل النبيّ (يؤ2: 28)، والقوّة النازلة من الأعالي، حتّى يصيروا أقوياء لا يُقهَرون، ويكونوا بلا خوفٍ تمامًا، لكي يُعَلِّموا السرّ الإلهي للناس في كلّ مكان.

    + "وفيما هو يباركهم، انفرد عنهم، وأُصعِدَ إلى السماء" إنّه ارتفع إلى السماء، حتّى يشتَرِك في عرش الآب بالجسد الذي هو متّحد به. هذا الطريق الجديد قد صنعه الكلمة لنا، بعد أن ظهر في الطبيعة البشريّة. وبعد ذلك، وفي الوقت المناسب، سوف يأتي ثانيةً في مجد أبيه مع الملائكة، فيأخذنا إليه لنكون دائمًا معه.

    + لذلك دعنا نمجّده، هذا الذي وهو الإله الكلمة صار إنسانًا لأجلِنا؛ هذا الذي تألّم بإرادته في الجسد، وقام من الأموات وأبطَلَ الفساد. هذا الذي ارتفع إلى السماء، وسوف يأتي بمجد عظيم ليدين الأحياء والأموات، وليعطي كلّ واحد بحسب أعماله. هذا الذي به ومعه لله الآب يليق المجد والقوّة، مع الروح القدس، إلى دهر الدهور. آمين.

 [عن تفسير إنجيل لوقا للقدّيس كيرلّس السكندري (عظة 154) - إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائيّة - ترجمة الدكتور نصحي عبد الشهيد]
    كانت هذه هي الحلقة الأخيرة في هذه السلسلة من المقالات، التي قدّمْتُ فيها بنعمة المسيح -على مدى عِدّة سنوات- مقتطفات من شرح القدّيس كيرلّس الكبير، بابا الإسكندريّة الرابع والعشرين، لإنجيل القدّيس لوقا، راجيًا أنّها كانت سبب فهم واستنارة وفرح لقُرّاء كثيرين.

القمص يوحنا نصيف