«السلام يبدأ بالكرامة».. تنظيم المؤتمر الإقليمي الثالث لمبادرة «ينابيع الأمل» بالقاهرة بمشاركة وفود مصر والأردن وسوريا ولبنان
البطريرك إبراهيم إسحق: «طاليتاكوم» دعوة لاستعادة الكرامة والرجاء.. والأنبا باخوم: الإنسان ليس سلعة يُباع.. والأخت آبي أفيلينو تدعو إلى توحيد الجهود لمواجهة الاتجار بالبشر
نادر شكري
تحت شعار «السلام يبدأ بالكرامة»، نظم يوم 30 أكتوبر ، بدار سيدة السلام بمنطقة مساكن شيراتون بالقاهرة وحتى 3 نوفمبر، المؤتمر الإقليمي الثالث لمبادرة «ينابيع الأمل» بالشرق الأوسط، التابعة لشبكة «طاليتاكوم» الدولية لمناهضة الاتجار بالبشر، بمشاركة واسعة من القيادات الكنسية والدينية والشخصيات العامة وممثلي المؤسسات والهيئات المعنية بقضايا المرأة ومكافحة الاتجار بالبشر، إلى جانب وفود من مصر والأردن وسوريا ولبنان.
وافتتح المؤتمر غبطة البطريرك الأنبا إبراهيم إسحق، بطريرك الإسكندرية وسائر الكرازة المرقسية للأقباط الكاثوليك، ورئيس مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك بمصر، بحضور سيادة رئيس الأساقفة نيقولاس هنري، السفير البابوي بمصر، ونيافة الأنبا باخوم، النائب البطريركي لشؤون الإيبارشية البطريركية، وصاحب السيادة المطران كلاوديو لوراتي، النائب الرسولي للإسكندرية للاتين.
كما شاركت الأخت آبي أفيلينو، المنسقة الدولية لشبكة «طاليتاكوم»، والأخت ماري كلود، المنسقة الإقليمية للشبكة بالشرق الأوسط، والأخت سعاد يوسف، رئيسة اتحاد الرهبانيات النسائية بمصر، والأخت برناديت، الرئيسة العامة للرهبانيات في لبنان، إلى جانب القس يشوع بخيت، الأمين العام لمجلس كنائس مصر، والسفير ميشيل وجيه يعقوب، رئيس مجلس إدارة منظمة «Judgment UN» قضاء الأمم المتحدة لتنمية المهارات، وعدد من ممثلي المؤسسات الكنسية والمجتمعية والراهبات وأعضاء المبادرة من الدول الأربع المشاركة، وبدأ اللقاء بتقديم من السير جانيت فى عرض وتقديم الضيوف
البطريرك إبراهيم إسحق: دعوة للنهوض واستعادة الكرامة
ووجه البطريرك الأنبا إبراهيم إسحق، الذي وجّه تحية إلى المسؤولين والعاملين بشبكة «طاليتاكوم»، مؤكدًا أن رسالة المبادرة تحمل دعوة إنجيلية عميقة تتجاوز العمل المؤسسي إلى إعادة الكرامة والرجاء لكل امرأة وفتاة تعرضت للاستغلال والجراح.
وأوضح أن اسم المبادرة يستند إلى كلمات السيد المسيح «طاليتاكوم»، التي تعني «يا صبية، قومي!» (مرقس 5: 41)، معتبرًا أنها كلمة قادرة على إحياء الرجاء والنهوض بالإنسان من اليأس، وتعلن أن الاستغلال والموت لا تكون لهما الكلمة الأخيرة، وأن كل امرأة أو فتاة تستعيد حريتها وكرامتها تجعل الإنجيل حاضرًا وفاعلًا في واقعنا.
وتناول البطريرك ثلاثة أبعاد أساسية لرسالة المبادرة، أولها «الكلمة التي تُنهض»، من خلال مرافقة النساء والفتيات المجروحات ومساندتهن لاستعادة حريتهن وكرامتهن.
أما البعد الثاني فجاء بعنوان «القرب الذي يشفي»، حيث شدد على أن مواجهة الاستغلال، بوصفه شرًا منظوميًا يرتبط بالحروب والتفاوتات الاجتماعية وتحديات الهجرة وضعف الفئات الأكثر عرضة للخطر، لا تقتصر على إدانته، بل تتطلب الاقتراب من الضحايا والإصغاء إلى قصصهن ومرافقتهن دون أحكام، حتى يدركن أنهن لسن وحدهن، وأنهن أشخاص يتمتعون بكرامة إنسانية أصيلة.
وجاء البعد الثالث تحت عنوان «كونوا بالفعل ينابيع»، مستلهمًا شهادة القديسة جوزيفين بخيتة، التي عاشت خبرة العبودية والعنف والإذلال، لكنها استطاعت بنعمة الله أن تتحرر وتصبح رسولة للرجاء.
وأكد البطريرك أن رسالة المبادرة لا تتوقف عند إنقاذ الضحايا، بل تمتد إلى مساعدتهن على استعادة كرامتهن، ليصبحن بدورهن مصدر رجاء ومساندة لغيرهن، إلى جانب بناء جماعات مؤمنة توفر بيئات آمنة وتواجه الاستغلال في مجتمعات الشرق الأوسط.
وفي ختام كلمته، أعرب عن امتنان كنيسة الشرق لما يقدمه العاملون بالمبادرة، داعيًا إياهم إلى مواصلة حمل الكلمة التي تنهض، والاقتراب من المجروحين، وإحياء الرجاء حيث يبدو أنه غاب، مؤكدًا أن الله يقيم الإنسان بنعمته وقوته من خلال أيدي وقلوب من يضعهم في خدمته.
الأخت آبي أفيلينو: السلام يبدأ بالكرامة
من جانبها، أكدت الأخت آبي أفيلينو، المنسقة الدولية لشبكة «طاليتاكوم»، أن شعار الشبكة «يا صبية أقول لك قومي» لا يقتصر على فئة بعينها، وإنما يحمل رسالة موجهة إلى كل إنسان يحتاج إلى من يسانده ويعيد إليه كرامته.
وشددت على أهمية التعاون بين الرهبانيات والكنائس والعلمانيين والمنظمات المدنية والمؤسسات المختلفة، من أجل بناء شبكات عمل مشتركة تتبادل الخبرات والإمكانات، وتعمل على الحد من ظاهرة الاتجار بالبشر، وألا يُترك أي إنسان يعاني الألم والاستغلال بمفرده.
واستعرضت نشأة شبكة «طاليتاكوم» عام 2009، موضحة أن رسالتها تقوم على مد يد المساندة لكل إنسان، ومساعدته على النهوض والحفاظ على كرامته، مشيرة إلى أن التحدي الحقيقي يتمثل في العمل مع الأشخاص الذين يتعرضون للاستغلال في مختلف أنحاء العالم، وتوفير سبل الحماية والمساندة لهم.
وطرحت الأخت آبي مجموعة من التوجيهات والاستراتيجيات للفترة من 2025 إلى 2030، ركزت على تحديد الأولويات الرئيسية للعمل، وقياس الأثر الفعلي للأنشطة الميدانية، بحيث لا يقتصر النجاح على تنفيذ المبادرات، وإنما يمتد إلى معرفة مدى تأثيرها المباشر في حياة الأشخاص المستهدفين.
كما تناولت أهمية وضع أهداف استراتيجية واضحة للتعامل مع ملف الأطفال المستغلين، وتعزيز حمايتهم ورفع الوعي بحقوقهم، إلى جانب تطوير آليات التواصل المستدام بين أعضاء الشبكة في الدول المختلفة، والاستفادة من وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام في نشر رسالتها والتعريف بقضايا الاتجار بالبشر.
وتطرقت التوجيهات أيضًا إلى أهمية الرعاية الذاتية للعاملين في هذا المجال، والاهتمام بصحتهم النفسية والجسدية، خاصة في ظل تعاملهم المستمر مع قصص الصدمات والاستغلال، انطلاقًا من أهمية أن يعتني العاملون بأنفسهم حتى يتمكنوا من مواصلة تقديم الدعم للآخرين، وفق مبدأ أنهم يقدمون العطاء بينما يتعافون هم أنفسهم من آثار الصدمات.
وأكدت أن «السلام يبدأ بالكرامة»، باعتبارها أساسًا لا يمكن تحقيق السلام الإنساني والاجتماعي بدونه.
المطران كلاوديو لوراتي: التكنولوجيا لخدمة الإنسان لا لاستعباده
وفي كلمته، تناول المطران كلاوديو لوراتي، النائب الرسولي للإسكندرية للاتين، التحديات الجديدة المرتبطة بالتكنولوجيا والبيئة الاقتصادية، مستندًا إلى ما تطرحه الرسالة البابوية من أهمية حماية الإنسان وكرامته.
ونبّه إلى ضرورة توخي الحذر عند مشاركة البيانات الشخصية، والعمل على توظيفها بما يخدم الخير العام، مع اتخاذ الاحتياطات اللازمة لمواجهة أشكال العنف والاستغلال الجديدة المرتبطة بالتطور التكنولوجي والاقتصادي.
وشدد على أهمية تحويل المنصات التكنولوجية إلى أدوات لمساعدة البشر وخدمتهم، لا وسائل لاستعبادهم أو استغلالهم.
الأنبا باخوم: الإنسان ليس سلعة يُباع
من جانبه، أشار الأنبا باخوم، معاون البطريرك إبراهيم إسحق وممثل مركز «إيمان ونور»، إلى استمرار شبكة «طاليتاكوم» في العمل منذ 17 عامًا من أجل الاهتمام بالإنسان المهمش ومواجهة أنماط العنف والاستغلال المتعددة، من خلال المبادرات والجهود المجتمعية والمؤسسية.
وأكد أن الأسرة تمثل الخلية الأولى في بناء الإنسان وحمايته، وأن المدارس والتربية تمثلان نقطة الانطلاق الأساسية لنشر الوعي، مشددًا على أن تربية القلب وغرس معنى العدالة فيه يمثلان أساس كل تربية.
وقال إن العالم أصبح يتعامل مع أشياء كثيرة باعتبارها سلعًا، لكن الإنسان لا يمكن أن يتحول إلى سلعة، مؤكدًا أن «الإنسان ليس سلعة يُباع».
كلمات ومداخلات
والقي القس يشوع بخيت، الأمين العام لمجلس كنائس مصر، كلمة تناولت «العمل الاجتماعي»، وأهميته من أجل حماية الإنسان وصون كرامته ومساندة الفئات الأكثر احتياجًا.
كما شهد المؤتمر كلمات ومداخلات لكل من رئيس الأساقفة نيقولاس هنري، والسفير ميشيل وجيه ، والأب شنودة شفيق، ممثل البعثة البابوية، ومسؤول مكتب التعليم المسيحي، الأخت برناديت، الرئيسة العامة للرهبانيات في لبنان، وهي من الداعمات لمبادرة «ينابيع الأمل» في لبنان إلى جانب عدد من المشاركين.
وتناولت المداخلات دور الكنيسة والمؤسسات الدينية والمجتمعية في الوصول إلى المهمشين، ومساندة ضحايا الاستغلال، والدفاع عن كرامة الإنسان، والمساهمة في صناعة السلام ومواجهة مختلف صور الاتجار بالبشر.
مشاركة وعروض لخبرات الدول الأربع
وشهدت الفترة المسائية تنظيم عروض تقديمية للدول المشاركة، وهي مصر والأردن وسوريا ولبنان، استعرضت خلالها الوفود أبرز الأنشطة والبرامج والمبادرات التي تنفذها في مجال مكافحة الاتجار بالبشر وحماية الكرامة الإنسانية.
كما عكست مشاركة الوفود الأربعة أهمية تبادل الخبرات والتجارب بين دول المنطقة، وتوحيد الجهود لمواجهة الظاهرة من خلال التنسيق بين المؤسسات الكنسية والمدنية والمجتمعية.
كما ناقشت الجلسة تطوير برنامج «سفراء السلام والأمل»، والعمل على توسيع نطاقه دوليًا، وإعداد كوادر شابة قادرة على الدفاع عن حقوق الإنسان والتعبير عن رسالة الشبكة، لتكون أصواتًا معبرة عنها، مع التأكيد على استيفاء الموافقات الأسرية المطلوبة للفئات العمرية من 18 إلى 30 عامًا وفق التوجيهات المطروحة لاعتمادهم سفراء للأمل.
وشهدت الجلسة إشادة بالتقارير والجهود التنظيمية التي قدمتها الدول المشاركة، والتأكيد على ضرورة مواصلة التخطيط الاستراتيجي والعمل بروح الفريق الواحد، تحت شعار «نحن مع بعض نحو مستقبل أفضل».
تعاون إقليمي لحماية الإنسان وصون كرامته
ويأتي انعقاد المؤتمر الإقليمي الثالث لمبادرة «ينابيع الأمل» بالشرق الأوسط في إطار دعم التعاون وتبادل الخبرات بين الجهات الكنسية والمجتمعية في مصر والأردن وسوريا ولبنان، وتعزيز الجهود المشتركة لمواجهة الاتجار بالبشر، وحماية النساء والأطفال والفئات الأكثر ضعفًا من مختلف صور الاستغلال.
ويؤكد شعار المؤتمر «السلام يبدأ بالكرامة» أن حماية الإنسان وصون حقوقه واستعادة حريته وكرامته تمثل أساسًا لبناء مجتمعات أكثر عدالة وسلامًا، وأن مواجهة الاتجار بالبشر لا تقتصر على إنقاذ الضحايا، بل تشمل مرافقتهم وإعادة دمجهم ومساعدتهم على استعادة الثقة بأنفسهم، ليصبحوا بدورهم مصدر رجاء وأمل للآخرين.





