د. نادية هنرى
ليس السؤال عن قيمة الجنيه المصري أمام الدولار مجرد سؤال عن سعر الصرف، بل هو سؤال أعمق عن قيمة ما يتقاضاه المواطن، وعن قدرته على أن يعيش حياة كريمة.
حين يقترب سعر الدولار من 56 جنيهًا، يصبح الجنيه الواحد مساويًا لنحو 1.8 سنت أمريكي. لكن هذه المقارنة، على أهميتها، لا تحكي وحدها قصة الاقتصاد المصري. فالقصة الحقيقية تبدأ عندما يدخل المواطن السوق، ويحاول أن يوازن بين دخله واحتياجات أسرته.
قد تعلن المؤشرات تراجع معدلات التضخم، وقد تسجل بعض القطاعات نموًا اقتصاديًا، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الأسرة أصبحت أفضل حالًا. فتراجع معدل التضخم يعني أن الأسعار ترتفع بوتيرة أبطأ، وليس أنها عادت إلى مستوياتها السابقة. والأسرة التي تآكلت قدرتها الشرائية لا تستعيد ما فقدته لمجرد أن معدل ارتفاع الأسعار انخفض.
هنا تظهر الفجوة بين اقتصاد تقيسه الأرقام، واقتصاد يعيشه الناس كل يوم.
الأب الذي يحاول تدبير نفقات البيت، والأم التي تعيد ترتيب أولوياتها، والطالب الذي تتزايد تكلفة تعليمه، والمريض الذي يواجه أعباء العلاج… هؤلاء هم الاختبار الحقيقي لأي سياسة اقتصادية.
ولا يمكن إنكار أن مصر تواجه ضغوطًا خارجية قاسية، من ارتفاع تكلفة الاستيراد والطاقة والشحن، إلى أعباء الديون وتراجع بعض مصادر النقد الأجنبي. لكن الاعتراف بهذه الضغوط لا يعفينا من مناقشة الأسئلة الأصعب: لماذا يظل الاقتصاد شديد التأثر بالصدمات الخارجية؟ ولماذا لم تنعكس إمكانات مصر البشرية والسوق الكبير والموارد المتاحة بصورة أقوى على الإنتاج والتشغيل والتصدير؟ وكيف يمكن توزيع تكلفة الإصلاح بعدالة، بدلًا من أن تتحمل الأسر الأقل قدرة النصيب الأكبر منها؟
النمو الاقتصادي لا يُقاس فقط بما تضيفه الأرقام إلى الناتج المحلي، بل بما يضيفه إلى حياة المواطنين.
فنجاح الاقتصاد ليس أن يستقر سعر العملة وحده، بل أن يستقر دخل الأسرة أيضًا، وأن يجد الشباب عملًا منتجًا، وأن يستطيع المواطن شراء احتياجاته الأساسية دون أن يستدين، وأن يشعر بأن المستقبل يحمل فرصة أفضل من الحاضر.
في النهاية، لا تكمن القضية في أن نعرف كم يساوي الجنيه بالدولار فقط، بل في أن نسأل: كم بقي من قدرة الجنيه على حماية كرامة الأسرة المصرية؟
لأن قيمة العملة ليست رقمًا على شاشة… إنها جزء من قيمة الحياة التي يستطيع الناس أن يعيشوها.





