محرر الأقباط متحدون
مع اقتراب زيارة البابا لاوُن الرابع عشر إلى أميركا اللاتينية، من ٦ إلى ١٧ تشرين الثاني الجاري، يتحدث رئيس أساقفة كوسكو الجديد، المطران ليزاردو إسترادا هيريرا، عن واقع البيرو بما يحمله من تحديات وآمال، وعن محبة الشعب للبابا الذي يعتبره "واحدًا منهم"، لأنه يعرف طرقهم وثقافتهم ومعاناتهم. كما تذكر سلفه المطران ريتشارد دانيال ألاركون أوروتيا، الذي توفي في ٣٠ تشرين الأول، مشيدًا بخدمته الراعوية وقربه من الناس واهتمامه بالفقراء والشباب والمسيرة السينودسية.
في حديث إلى وسائل الإعلام الفاتيكانية، استعاد المطران إسترادا هيريرا، الذي عيّنه البابا رئيس أساقفة معاونًا لكوسكو في ٢٩ آب الماضي، مسيرة سلفه الراحل، مشيرًا إلى أنه واصل خدمته الراعوية بحماسة رغم مرضه. ووصفه بأنه راعٍ متواضع وقريب من الناس، اهتمّ بالتبشير المتكامل، وبالفقراء والأشخاص الأكثر ضعفًا، وسعى إلى تعزيز العدالة والسلام وحماية الخليقة. كما عمل على تنشئة الكهنة وتقوية الإكليروس، وأولى اهتمامًا خاصًا بالشباب والتقوى الشعبية، ودعم عمل كاريتاس والمسيرة السينودسية على المستويين المحلي والوطني. ولفت إلى أن المطران الراحل كان قد انشغل، خلال أيامه الأخيرة، بتنسيق الاستعدادات لزيارة البابا إلى كوسكو، بالتعاون مع الوفد الفاتيكاني والسلطات الحكومية. وأكد رئيس الأساقفة الجديد عزمه على مواصلة الإرث الذي تركه سلفه، من خلال تنفيذ الخطة الراعوية للأبرشية، مع التركيز على الإنسان بكل أبعاده، وتعزيز المسيرة السينودسية التي دعمها المطران ألاركون بقوة.
وعن واقع البلاد التي سيزورها البابا، أشار المطران إسترادا هيريرا إلى استمرار الفقر، ولا سيما في المناطق الأنديزية والأمازونية، وهشاشة الديمقراطية، ونقص الخدمات التعليمية والصحية في المناطق النائية، فضلًا عن الفساد والاستقطاب السياسي والحاجة إلى تعزيز العناية ببيتنا المشترك. لكن هذا الواقع، بحسب قوله، لا يلغي ما يتحلى به الشعب البيروفي من إيمان وتقوى شعبية وتضامن وصمود. فالبيروفيون لا يستسلمون أمام الصعوبات، بل يسعون إلى بناء مستقبل أفضل من خلال التعاون والتكافل. وأضاف أن زيارة البابا ولّدت الفرح والرجاء في مختلف أنحاء البلاد، ووحّدت أبناءها، الذين ينتظرونه كأخ يعرف واقعهم، وفي الوقت نفسه كنائب المسيح. ويرغب الجميع في الإصغاء إلى تعاليمه ونيل بركته لعائلاتهم وعملهم ومستقبلهم.
وتحدث المطران إسترادا هيريرا عن حضور الكنيسة في الضواحي الجغرافية والإنسانية، ومرافقتها للمتألمين وإعطائها صوتًا لمن لا صوت لهم، مشيرًا إلى جهودها لتعزيز الإصغاء والحوار وإفساح المجال أمام العلمانيين والشباب، إلى جانب نشر التعليم الاجتماعي للكنيسة. وأعرب عن أمله في أن تمنح زيارة البابا الكنيسة دفعًا جديدًا لتطوير برنامج إرسالي وراعوي يستجيب لتحديات الهجرة والفقر والفساد، ويعزز التضامن والسلام والعدالة، ويسهم في تنشئة الكهنة والأساقفة والعلمانيين، لكي تكون الكنيسة قريبة من الجميع، وفقيرة من أجل الفقراء، ومهتمة بالخليقة.
وفي حديثه عن علاقة العلمانيين بالكنيسة، لفت إلى أن التقوى الشعبية تشكّل عنصرًا يوحّد الشعب البيروفي، وتتجلى في التطوافات والحج والاحتفالات الدينية، التي يشارك فيها كثيرون حتى وإن لم يواظبوا على القداس كل أحد. وأوضح أن الناس ينظرون إلى الكنيسة بوصفها مؤسسة جديرة بالثقة، ويقدّرون قربها منهم وخدماتها الاجتماعية، خصوصًا في مجالي التعليم والصحة، كما يجدون فيها مكانًا للإصغاء والرجاء والصلاة والانتماء إلى الجماعة. وأشار المطران إسترادا هيريرا إلى أن كثيرين يشاركون في الاحتفالات الدينية مرتدين الأزياء التقليدية، وهم ينشدون ويرقصون، وأن هناك حضورًا للإيمان والعمل التطوعي، لكنه شدّد على ضرورة تعميق حياة الصلاة، وترسيخ الالتزام بالخيار التفضيلي للفقراء والتضامن معهم، والعناية بالبيت المشترك.
وتوقف المطران إسترادا هيريرا، المنحدر من مقاطعة كوتابامباس في منطقة أبوريماك، عند الدور الذي أدّاه المرسلون الأوغسطينيون الإيطاليون منذ أواخر ستينيات القرن الماضي في المناطق الجبلية، على ارتفاع يتراوح بين ثلاثة آلاف وثلاثة آلاف وخمسمئة متر. فقد عملوا في ظروف صعبة اتسمت بالعنف والإرهاب، وكرّسوا جهودهم للفقراء وتعليم الأطفال وتوفير الرعاية الصحية وتعزيز التنمية الإنسانية المتكاملة. وأوضح أن المنطقة شهدت بعض التقدم، ولا سيما على مستوى الطرق، غير أنها لا تزال تعاني نقص الخدمات الصحية والتعليمية، وضعف برامج دعم المسنين، والتفاوت الاجتماعي وقلة فرص العمل. كما أشار إلى أن انتقال الشباب إلى المدن يترك كثيرًا من المسنين وحيدين. وحذّر من أن التقدم التكنولوجي، على أهميته، لا ينبغي أن يكون على حساب الإنسانية وروح الجماعة والتضامن، متذكرًا ما أكده البابا لاوُن الرابع عشر في رسالته "Magnifica humanitas" بشأن مخاطر التقنيات عندما تؤدي إلى إبعاد الناس بعضهم عن بعض. واستعاد المطران إسترادا هيريرا بدايات دعوته الأوغسطينية، موضحًا أن إيمانه نشأ في عائلة كاثوليكية، وأن مثال المرسلين الأوغسطينيين الذين رآهم يخدمون الفقراء ويعلنون الإنجيل كان له أثر حاسم في اختياره الحياة الرهبانية. كما أشار إلى أن البابا لاوُن الرابع عشر ساعده كثيرًا في مسيرة التمييز الروحي.
وعن ذكرياته مع الأب روبرت بريفوست، الذي عرفه في ترخيّو خلال دراسته اللاهوتية في العامين ١٩٩٦ و١٩٩٧، قال إنه كان مسؤولًا عن التنشئة، وأستاذه ومدير دراساته، كما كان راعيًا لإحدى الرعايا. ووصفه بأنه كان بالنسبة إليه أخًا وصديقًا ومرشدًا، يتميز بقدرته على الإصغاء وصبره واهتمامه بالطلاب الإكليريكيين وتشجيعهم على الصلاة والدراسة والعمل الراعوي. أما الدرس الأهم الذي تلقاه منه، فيتمثل في الروحانية الأوغسطينية التي تشجع على تنمية الحياة الداخلية والصلاة، واكتشاف الله ليس فقط في المسيرة الشخصية، بل أيضًا في الفقراء والمرضى والمسنين والسجناء. وتذكر إحدى نصائحه المتكررة: "أينما ذهبتم في رسالتكم، لا تحملوا الله إليهم، بل اكتشفوا الله في الأشخاص الأكثر فقرًا". وأشار المطران إسترادا هيريرا إلى أن العائلة الأوغسطينية، بشقَّيها الرجالي والنسائي، حاضرة في مناطق عديدة من البيرو، من كوسكو وأبوريماك وليما إلى ترخيّو وشيكلايو وإيكيتوس ومناطق الأمازون. وتعمل الراهبات الأوغسطينيات بصورة خاصة في مجال التعليم، إلى جانب خدمة الفقراء والأيتام والمشاركة في العمل الراعوي والمشاريع الاجتماعية.
وبصفته الأمين العام لمجلس أساقفة أميركا اللاتينية والكاريبي، تحدث المطران إسترادا هيريرا عن أجواء الاستعداد للزيارة في الأوروغواي والأرجنتين والبيرو، مؤكدًا أن الناس يعيشون حالة من الفرح والتأثر والرجاء، ويستعدون بالصلاة والإيمان والمبادرات الاجتماعية. وقال إن زيارة البابا هي خير للجميع، مؤمنين وغير مؤمنين، مشيرًا إلى أن شعوب أميركا اللاتينية تشعر بقرب خاص من لاوُن الرابع عشر، الذي عاش بينهم وعرف واقعهم وثقافتهم. وأضاف: "بالنسبة إلى أبناء أميركا اللاتينية، البابا هو واحد منهم؛ إنه شخص سلك طرقهم، حتى في المناطق الأكثر صعوبة، ويعرف واقعهم وثقافتهم، ويقدّر مطبخهم المحلي ويتذوق أطباقه". وأوضح أن الكنيسة في البيرو شكّلت لجنة وطنية تضم أساقفة وعلمانيين ولجانًا أبرشية، تولّت تنسيق الجوانب الليتورجية واللوجستية والتنظيمية للزيارة. وإلى جانب الاستعدادات العملية، يجري التحضير روحيًا من خلال التعمق في بعض خطابات البابا وإرشاده الرسولي "Dilexi te" ورسـالته العامة "Magnifica humanitas"، كما أصدرت رابطة الأساقفة البيروفيين مواد تساعد المؤمنين على التأمل والاستعداد.
وختم المطران إسترادا هيريرا معبّرًا عن تأثره العميق بعودة البابا إلى الشعب الذي خدمه، قائلًا إنه يشعر وكأن الحبر الأعظم "يعود إلى بيته، إلى شعبه"، معربًا عن سعادته بلقائه مجددًا والإصغاء إلى صوته الذي يساعد كنيسة أميركا اللاتينية على مواجهة تحديات اليوم، والإصغاء إلى صرخة الأرض والفقراء والاستجابة لها، وتعزيز الوحدة على مختلف المستويات، والعمل على بناء السلام والتنمية الإنسانية المتكاملة.




