د.ماجد عزت إسرائيل
من اضطهادات القرن الرابع الميلادي إلى اكتشاف رفاتهم وإحياء ذكراهم في مدينة إسنا
ارتبط تاريخ مدينة إسنا، الواقعة في صعيد مصر، بصفحات مشرقة من تاريخ الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، إذ كانت من المدن التي شهدت موجات عنيفة من الاضطهادات التي تعرض لها المسيحيون في أواخر القرن الثالث وأوائل القرن الرابع الميلادي. وقد حفظ التراث الكنسي أسماء عدد كبير من أبنائها الذين ثبتوا على إيمانهم، وقدموا حياتهم شهداء للمسيح، حتى أصبحت إسنا تُعرف في الذاكرة القبطية بأنها إحدى مدن الشهداء.ومن بين هؤلاء تبرز سيرة ثلاثة من الفلاحين البسطاء، هم القديسون سوروس وأنطوكيون ومشهوري، الذين لم يكونوا من رجال السلطة أو أصحاب المناصب، بل كانوا من أبناء الأرض، يعملون في الزراعة ويعيشون من كد أيديهم. غير أن أسماءهم بقيت حاضرة في السنكسار والتراث الشعبي والكنسي، بعد أن ارتبطت قصتهم بموقف استثنائي من الثبات على الإيمان في مواجهة الوالي الروماني أريانوس وجنوده. وتحتفل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بتذكار استشهادهم في اليوم الحادي عشر من شهر توت من كل عام، كما تحتفظ مدينة إسنا بمزار يضم رفاتهم، ويظل شاهدًا على استمرار تكريمهم عبر الأجيال.
إسنا في عصر الاضطهاد الروماني
شهدت الكنيسة المسيحية في مطلع القرن الرابع الميلادي واحدة من أشد مراحل الاضطهاد في تاريخها، خلال حكم الإمبراطور الروماني دقلديانوس (284–305م). وقد بلغت هذه الاضطهادات ذروتها مع صدور المراسيم الإمبراطورية ابتداءً من سنة 303م، التي استهدفت الوجود المسيحي ومؤسساته، وفرضت على المؤمنين الامتثال للممارسات الدينية الرسمية للدولة الرومانية. وفي مصر، ارتبط تنفيذ هذه الاضطهادات بأسماء عدد من الولاة والحكام المحليين، وكان من أبرزهم أريانوس، والي أنصنا، الذي تصفه الروايات القبطية بأنه من أشد المضطهدين للمسيحيين. وتذكر التقاليد الكنسية أنه تنقل بين مدن الصعيد، وأشرف على محاكمة أعداد كبيرة من المؤمنين وتعذيبهم وقتلهم، قبل أن يتحول هو نفسه إلى المسيحية وينال إكليل الشهادة، بحسب سيرته المحفوظة في التراث الكنسي.
وكانت مدينة إسنا من أبرز المدن التي ارتبط اسمها بهذه الأحداث. فقد سجلت السير القبطية موجات متعاقبة من الاستشهاد، شملت رجالًا ونساءً وأطفالًا من مختلف فئات المجتمع. ومن أشهر شهدائها القديسة الأم دولاجي وأولادها الأربعة، والأراخنة الأربعة، إلى جانب أعداد كبيرة من أبناء المدينة الذين ارتبط استشهادهم بمنطقة جبل أغاثون. وتحتل شخصية الأنبا أمونيوس، أسقف إسنا، مكانة محورية في هذه الروايات، إذ تقترن سيرته برعاية شعب المدينة وتثبيته في الإيمان خلال فترة الاضطهاد. وتصور المصادر الكنسية ما تعرضت له إسنا باعتباره مأساة جماعية تركت أثرًا عميقًا في تاريخها الديني والاجتماعي، وأصبحت ذكراها جزءًا لا ينفصل عن هويتها المسيحية.
اللقاء الأخير بين الفلاحين الثلاثة والوالي أريانوس
في أعقاب المذابح التي شهدتها إسنا، تذكر الرواية الكنسية أن الوالي أريانوس توجه بجنوده إلى أسوان، ثم عاد مرة أخرى إلى إسنا. وكانت المدينة، بحسب وصف السيرة، قد خلت من معظم سكانها المسيحيين بعد موجات الاستشهاد المتعاقبة. وأثناء مروره بالناحية الشمالية من المدينة، التقى بثلاثة رجال من الفلاحين، هم سوروس وأنطوكيون ومشهوري، كانوا يسيرون على جسر المدينة حاملين فؤوسهم وأدوات عملهم الزراعية. فلم يكن هؤلاء الرجال من الجنود أو المحاربين، ولم يحملوا سلاحًا لمواجهة السلطة الرومانية؛ وإنما كانت الفؤوس التي على أعناقهم أدواتهم اليومية التي يستخدمونها في فلاحة الأرض. ومع ذلك، فإن اللقاء الذي جمعهم بالوالي وجنوده تحول، بحسب التقليد الكنسي، إلى شهادة علنية لإيمانهم.
فما إن اقتربوا من الموكب حتى أعلنوا بصوت مرتفع: «نحن مسيحيون مؤمنون بالسيد المسيح».
كان هذا الإعلان كافيًا لجذب انتباه الجنود، الذين أشاروا إلى الوالي بما يقوله الرجال الثلاثة. غير أن أريانوس، وقد أنهكته مشاهد القتل التي شهدتها المدينة، أجاب بأنه أعاد سيوفه إلى أغمادها بعد كثرة ما أُريق من الدماء. وعندما سمع الفلاحون الثلاثة جوابه، لم يتراجعوا عن إعلان إيمانهم، بل طلبوا أن يكون استشهادهم بالفؤوس التي يحملونها. وتروي السيرة أن الوالي استجاب لطلبهم، فأمر جنوده بقتلهم، فوضع الثلاثة أعناقهم على حجر كبير في موضع اللقاء، وضرب الجنود رؤوسهم بالفؤوس حتى نالوا إكليل الشهادة. وتحدد الرواية الكنسية يوم استشهادهم بالحادي عشر من شهر توت، وهو اليوم الذي لا تزال الكنيسة تحتفل فيه بذكراهم.
وتكشف هذه الرواية، في بعدها الروحي، عن المكانة التي احتلها الثبات على الإيمان في الوجدان المسيحي القبطي. فالفلاحون الثلاثة، الذين لم تُعرف عنهم مناصب كنسية أو مكانة اجتماعية بارزة، أصبحوا مثالًا للشهادة التي لا ترتبط بالغنى أو السلطة أو العلم، وإنما بالإيمان والاستعداد لتحمل تبعاته. وقد اكتسبت الفؤوس، وهي أدوات حياتهم اليومية، دلالة رمزية خاصة في سيرتهم؛ إذ تحولت من أدوات للعمل في الأرض إلى علامة مرتبطة باستشهادهم، لتبقى قصتهم حاضرة في ذاكرة المدينة وتقاليدها الدينية.
من الاستشهاد إلى إقامة المقبرة
لم تنتهِ سيرة الفلاحين الثلاثة باستشهادهم، بل امتدت إلى تاريخ تكريم رفاتهم وحفظ ذكراهم في مدينة إسنا. فبحسب الرواية المتداولة في المصادر الكنسية، أُقيمت لهم مقبرة عقب انتهاء الاضطهادات، وظلت مرتبطة بذكراهم خلال فترة من الزمن. غير أن آثارها اندثرت تدريجيًا بفعل مرور القرون والتغيرات التي طرأت على العمران المحلي، حتى غاب موضعها عن المعرفة المباشرة للسكان.
وفي أواخر القرن التاسع عشر، تذكر التقاليد المحلية والكنسية أن أحد أبناء إسنا، ويدعى ميخائيل الرشيدي، رأى رؤيا أثناء نومه، أُرشد فيها إلى موضع يقع في الناحية الشمالية من المدينة، وطُلب منه أن يحفر في مكان محدد بعلامات من الجير، حيث توجد رفات الشهداء الثلاثة، وأن يقيم لهم مقبرة جديدة.
وتتابع الرواية أن ميخائيل الرشيدي توجه إلى الحاكم المحلي طالبًا الإذن بالبناء، إلا أن طلبه قوبل بالرفض في البداية. ثم تغير موقف الحاكم، وفقًا للتقليد المتوارث، بعد أن رأى هو الآخر رؤيا تتعلق بالشهداء، فأصدر التصريح اللازم لإقامة المقبرة.وبعد الحصول على الإذن، جرى الحفر في الموضع المشار إليه، وتذكر الرواية أنه عُثر على رفات الشهداء الثلاثة، فأُقيمت لهم مقبرة أصبحت مقصدًا للتبرك والصلاة وإحياء ذكراهم.
وتشير السيرة أيضًا إلى أن المقبرة كانت تجاورها مساحة مزروعة بالنخيل، وأن امتداد المباني السكنية في المنطقة أدى مع مرور الزمن إلى تقلص هذه المساحة الزراعية، حتى لم يبقَ منها سوى عدد محدود من أشجار النخيل.وقد ارتبطت رعاية المقبرة بعائلة الرشايدة في إسنا، التي حفظ التقليد المحلي اسمها في سياق الاهتمام بالمزار والعناية به. كما تتناقل الروايات الكنسية أخبارًا عن انبعاث رائحة بخور عطرة من المقبرة، ولا سيما في عشية يوم الأحد، وهي أخبار تندرج في إطار الخبرة الروحية والتقليد التعبدي المرتبط بتكريم رفات القديسين.
وهكذا أصبحت المقبرة حلقة وصل بين الذاكرة الكنسية القديمة والتاريخ المحلي الحديث، وجسدت استمرار حضور هؤلاء الشهداء في وجدان أبناء إسنا، على الرغم من مرور قرون طويلة على الأحداث التي تنسب إليها سيرتهم.
مزار الشهداء واستمرار تكريمهم في الكنيسة القبطية
يمثل مزار الشهداء الفلاحين الثلاثة في إسنا أحد المعالم المرتبطة بالذاكرة الدينية للمدينة، إذ لم يقتصر حضوره على حفظ الرفات، بل أصبح موضعًا لإقامة الصلوات والاحتفال بالتذكار السنوي لاستشهادهم.
وتحتفل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بعيدهم في الحادي عشر من شهر توت، حيث تقام الصلوات والتسابيح والقداسات الإلهية، ويُطيَّب رفاتهم بالأطياب تكريمًا لذكراهم. وقد شهد المزار احتفالات كنسية ترأسها نيافة الأنبا يواقيم، أسقف إسنا وأرمنت، بمشاركة الآباء الكهنة والشمامسة والشعب القبطي. وتضمنت هذه الاحتفالات تسبحة نصف الليل، وتطييب الرفات، وإقامة القداس الإلهي، في تعبير عن استمرار ارتباط الكنيسة المحلية بسيرة هؤلاء الشهداء.
ولا تقتصر أهمية هذا المزار على وظيفته الدينية، بل تمتد إلى قيمته التاريخية بوصفه أحد المواضع التي تحتفظ من خلالها مدينة إسنا بذاكرتها القبطية. فاستمرار العناية بالمقبرة وإحياء تذكار أصحابها يعكس انتقال الرواية من جيل إلى آخر، وارتباط التاريخ الكنسي بالمكان والمجتمع المحلي.
الدلالة الروحية والتاريخية لاستشهاد الفلاحين الثلاثة
تتميز سيرة سوروس وأنطوكيون ومشهوري بمكانة خاصة بين سير شهداء إسنا، لأنها تسلط الضوء على حضور الفلاحين والبسطاء في تاريخ الاستشهاد المسيحي. فقد حفظت المصادر الكنسية أسماء عدد من الأساقفة والكهنة والأراخنة الذين استشهدوا خلال الاضطهادات الرومانية، إلا أن سيرة هؤلاء الرجال الثلاثة تبرز جانبًا آخر من تاريخ الكنيسة، يتمثل في مشاركة عامة المؤمنين في تحمل الاضطهاد والمحافظة على هويتهم الدينية. ومن هذا المنظور، لا تقتصر أهمية قصتهم على ظروف استشهادهم، بل تمتد إلى ما تمثله من ارتباط بين الإيمان والحياة اليومية. فقد كانوا يعملون في الأرض ويحملون أدوات الزراعة، ولم تكن لهم، بحسب الروايات المتاحة، أدوار سياسية أو كنسية بارزة، ومع ذلك احتفظت الكنيسة بأسمائهم وأدرجت تذكارهم ضمن أعياد شهدائها. وتحمل هذه السيرة أيضًا دلالة ترتبط بطبيعة المجتمع القبطي في صعيد مصر خلال العصر الروماني، حيث لم تكن المسيحية مقتصرة على المراكز الحضرية أو الفئات المتعلمة، بل امتدت إلى قطاعات من السكان العاملين في الزراعة والحرف والمهن المختلفة.
أما من الناحية الروحية، فقد رأت الكنيسة في موقفهم تجسيدًا للثبات على الإيمان، وفي بساطة حياتهم تعبيرًا عن أن القداسة ليست حكرًا على أصحاب المناصب أو المكانة الاجتماعية. ولذلك ظلت سيرتهم حاضرة في الوجدان الكنسي، وأصبح ذكرهم مرتبطًا بمعاني الشجاعة والأمانة والتضحية، وهي المعاني التي تستحضرها الكنيسة في احتفالاتها السنوية بالشهداء.
بين الرواية الكنسية والذاكرة التاريخية
تستند قصة الشهداء الفلاحين الثلاثة، في صورتها المتداولة، إلى التراث الكنسي القبطي، ولا سيما السنكسار وسير القديسين، فضلًا عن الروايات المحلية التي حفظت أخبار مقبرتهم وإعادة اكتشاف رفاتهم.
ومن المهم عند تناول هذه السيرة تاريخيًا التمييز بين الإطار العام للاضطهادات الرومانية، الذي تؤكده المصادر التاريخية عن تلك المرحلة، وبين التفاصيل الخاصة بلقاء الشهداء بالوالي أريانوس، والحوار الذي دار بينهم، وظروف استشهادهم الدقيقة، وهي تفاصيل وصلت إلينا في إطار الرواية الكنسية.
وينطبق الأمر نفسه على قصة إعادة اكتشاف الرفات في أواخر القرن التاسع عشر، إذ تحتفظ التقاليد المحلية باسم ميخائيل الرشيدي وتروي ما ارتبط به من رؤى وأحداث، دون أن يعني ذلك بالضرورة توافر توثيق تاريخي مستقل لجميع تفاصيل الرواية. ولا ينتقص هذا التمييز من القيمة الروحية للسيرة أو مكانتها في التراث القبطي، بل يساعد على فهم طبيعة المصادر التي حفظتها، وكيف أسهمت في تشكيل الذاكرة الدينية لمدينة إسنا عبر القرون.
فالسير الكنسية ليست مجرد تسجيل للأحداث، وإنما تؤدي أيضًا وظيفة روحية وتذكارية، تحفظ أسماء الشهداء وتقدم سيرتهم للأجيال المتعاقبة باعتبارها نماذج للثبات والإيمان.
خاتمة: ثلاثة فلاحين بقيت أسماؤهم في ذاكرة إسنا
بعد ما يقرب من سبعة عشر قرنًا على العصر الذي تنتمي إليه سيرة الشهداء الفلاحين الثلاثة، لا تزال أسماء سوروس وأنطوكيون ومشهوري حاضرة في ذاكرة الكنيسة القبطية ووجدان أبناء مدينة إسنا. فلقد كانوا، بحسب ما حفظه التقليد الكنسي، ثلاثة رجال بسطاء خرجوا من حياتهم اليومية حاملين أدوات عملهم، فوجدوا أنفسهم أمام سلطة رومانية ارتبط اسمها باضطهاد المسيحيين. وفي تلك اللحظة، اختاروا إعلان إيمانهم، لتتحول قصتهم إلى واحدة من السير التي تناقلتها الأجيال باعتبارها مثالًا للشجاعة والثبات. ومع مرور الزمن، اندثرت معالم مقبرتهم الأولى، لكن ذكراهم بقيت حية، ثم ارتبطت بإقامة مزار جديد في أواخر القرن التاسع عشر، استمر حتى العصر الحديث موضعًا للصلاة والتكريم وإحياء تذكارهم.
وهكذا لم تعد قصة الشهداء الثلاثة مجرد حادثة ترويها كتب السير والسنكسار، بل أصبحت جزءًا من التاريخ الديني والاجتماعي لمدينة إسنا، وشاهدًا على الدور الذي أداه أبناء المجتمع البسطاء في تشكيل الذاكرة المسيحية المصرية. وفي إسنا، حيث ارتبطت الأرض بعرق الفلاحين ودماء الشهداء، بقيت أسماء سوروس وأنطوكيون ومشهوري شاهدة على إيمان لم تطوه القرون، وذكرى لم تمحها الأيام.
بركة صلواتهم وشفاعتهم فلتكن مع جميعنا. آمين.





