د.ماجد عزت إسرائيل
ليست الاتهامات الباطلة مجرد كلمات عابرة أو خلافات شخصية، بل هي اعتداء على الحقيقة وكرامة الإنسان وسمعته، وقد تتحول إلى وسيلة للإيذاء والانتقام وتشويه الآخرين، خصوصًا حين تُقدَّم الظنون بوصفها حقائق، أو تُروَّج الادعاءات دون دليل. ومن هذا المنطلق، يتعامل الكتاب المقدس مع الاتهام الباطل باعتباره خطية أخلاقية جسيمة، لا تقف آثارها عند الشخص المتضرر، بل تمتد إلى إفساد العلاقات الإنسانية وتقويض مبادئ العدل والثقة داخل المجتمع. ويؤسس الكتاب المقدس موقفه من هذه الخطية على الوصية الإلهية الصريحة: «لاَ تَشْهَدْ عَلَى قَرِيبِكَ شَهَادَةَ زُورٍ» (خروج 20: 16). ولا يقتصر مضمون هذه الوصية على الشهادة الكاذبة أمام القضاء، بل يتضمن مبدأ أخلاقيًا أوسع يقوم على احترام الحقيقة، وصيانة سمعة الآخرين، والامتناع عن نسبة أقوال أو أفعال إليهم دون تثبت. ويتأكد هذا المبدأ في التحذير: «لاَ تَقْبَلْ خَبَرًا كَاذِبًا» (خروج 23: 1)، وهو نص يحمّل الإنسان مسؤولية لا تقتصر على اختلاق الكذب، بل تشمل كذلك المشاركة في تداوله أو تأييده.
وتكشف التشريعات الواردة في سفر التثنية عن خطورة الشهادة الزور في النظام القضائي للعهد القديم؛ إذ أوجبت التحقق الدقيق من الاتهامات، ونصت على مساءلة الشاهد الذي يتعمد الإضرار بغيره من خلال شهادة كاذبة (تثنية 19: 16–21). وتعكس هذه الأحكام إدراكًا واضحًا للعلاقة بين صدق الشهادة وتحقيق العدالة، وأن الاتهام غير المؤسس قد يتحول إلى أداة لسلب الحقوق وإدانة الأبرياء. ولا ينفصل هذا الموقف التشريعي عن التعليم الأخلاقي في الأسفار الحكمية، حيث يحذر سفر الأمثال: «شَاهِدُ الزُّورِ لاَ يَتَبَرَّأُ، وَالْمُتَكَلِّمُ بِالأَكَاذِيبِ لاَ يَنْجُو» (أمثال 19: 5). ويؤكد هذا التحذير أن المسؤولية عن الكلمة لا تسقط بمجرد انتشارها أو تصديق الآخرين لها، وأن الإفلات من المساءلة البشرية لا يعني انتفاء المسؤولية الأخلاقية أمام الله.
وتقدم الأسفار المقدسة نماذج تكشف النتائج المدمرة للاتهامات الملفقة. ففي سفر الملوك الأول، تعرض نابوت اليزرعي لاتهام كاذب بتجديفه على الله والملك، استُخدمت فيه شهادة زور لانتزاع حياته والاستيلاء على ميراثه (1 ملوك 21: 8–16). وتبرز هذه الواقعة كيف يمكن أن تتحول الشهادة الكاذبة، عندما تقترن بالنفوذ والمصلحة، إلى أداة للظلم المنظم. وقد جاءت إدانة إيليا النبي لهذا الفعل تأكيدًا أن السلطة لا تمنح الكذب شرعية، وأن العدالة الإلهية لا تتجاهل حقوق المظلومين.
وفي العهد الجديد، تبلغ قضية الاتهام الباطل ذروتها في محاكمة السيد المسيح، حين سعى رؤساء الكهنة والشيوخ إلى الحصول على شهادة زور ضده (متى 26: 59–60). وتكشف هذه الواقعة خطورة توظيف الاتهامات لتحقيق أحكام مقررة سلفًا، بدلًا من البحث الموضوعي عن الحقيقة. ومع ذلك، قدم المسيح نموذجًا فريدًا في مواجهة الظلم، إذ لم يقابل الإساءة بالانتقام، بل أعلن على الصليب: «يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ» (لوقا 23: 34)، مؤسسًا لموقف روحي يجمع بين رفض الظلم والدعوة إلى الغفران. وغير أن الغفران المسيحي لا يعني تبرير الاتهام الكاذب أو إلغاء حق المظلوم في الدفاع عن نفسه. فالكتاب المقدس يميز بين الامتناع عن الانتقام الشخصي وبين ضرورة إظهار الحقيقة وإقامة العدل. ولهذا يدعو الرسول بطرس المؤمنين إلى الاحتفاظ بضمير صالح وسيرة مستقيمة في مواجهة الافتراء (1 بطرس 3: 16)، بينما يقدم المزمور صورة الإنسان الذي يتعرض للكذب دون أن يتخلى عن مبادئه: «الْمُتَكَبِّرُونَ قَدْ لَفَّقُوا عَلَيَّ كَذِبًا، أَمَّا أَنَا فَبِكُلِّ قَلْبِي أَحْفَظُ وَصَايَاكَ» (مزمور 119: 69).
ومن الضروري، في هذا السياق، التمييز بين الاتهام المتعمد القائم على الكذب، وبين الشك أو الخطأ في التقدير أو الإبلاغ بحسن نية عن واقعة تستدعي التحقيق. فليس كل اتهام لم تثبت صحته شهادة زور بالضرورة؛ إذ ترتبط المسؤولية الأخلاقية أيضًا بصدق النية، ومدى توافر الأدلة، والاستعداد لتصحيح الخطأ. ولذلك فإن الالتزام بالحق يقتضي تجنب الإدانة المتسرعة، مع عدم تعطيل المساءلة المشروعة عندما توجد أسباب جدية تستوجبها. فإن جوهر التعليم الكتابي في هذه القضية يتجاوز مجرد الامتناع عن الكذب، ليؤسس لأخلاقيات متكاملة للكلمة، تقوم على التثبت والإنصاف واحترام الكرامة الإنسانية. فالاتهام الباطل لا يسيء إلى صاحبه وحده، بل يهدد الثقة بين الناس، وقد يترك آثارًا نفسية واجتماعية يصعب محوها، حتى بعد ظهور الحقيقة.
وهكذا، فإن صيانة سمعة الإنسان ليست مجاملة اجتماعية، بل التزام أخلاقي وروحي أصيل. فالحق لا يُخدم بالكذب، والعدالة لا تتحقق بالافتراء، والإيمان الصادق لا يستقيم مع إدانة الأبرياء. ومن يخشى الله حقًا لا يكتفي بألّا ينطق بالباطل، بل يرفض أن يكون شريكًا في نشره أو وسيلة لترويجه؛ لأن الكلمة، كما تستطيع أن تنصف المظلوم، تستطيع أيضًا أن تصنع ظلمًا لا تمحوه بسهولة كلمات الاعتذار.





