د.ماجد عزت إسرائيل
شهدت مدينة فرانكفورت الألمانية، مساء السبت 31 أكتوبر 2026، أحداثًا مؤسفة ألقت بظلالها على مظاهرات شبابية بدأت بصورة سلمية وحضارية، قبل أن تتحول بعض مناطق وسط المدينة إلى ساحة لأعمال العنف والتخريب، في مشهد يثير القلق ويدعو إلى التأمل في مسؤولية الأفراد والمجتمعات عن حماية الأمن والسلام. فقد خرج المشاركون في المظاهرات التي دعت إليها مبادرة «الجيل زد يتولى زمام الأمور» (Gen Z regelt)، إلى جانب مبادرة «جيل الانطلاقة» (Generation Aufbruch)، للتعبير عن مطالب اجتماعية وسياسية تتعلق بمستقبل الشباب والتعليم والصحة وغيرها من القضايا. وظلت الاحتجاجات سلمية في معظم مراحلها، قبل أن تشهد المدينة، مع حلول المساء، اضطرابات وأعمال شغب، ولا سيما في محيط شارع التسوق الشهير «تسايل» (Zeil).
ووفقًا لما أعلنته السلطات الأمنية، تعرض أفراد من الشرطة لاعتداءات بالحجارة والزجاجات والألعاب النارية، كما تعرضت واجهات بعض المتاجر للتحطيم، وسُجلت أعمال نهب وتخريب استدعت تدخلًا أمنيًا واسعًا، شمل استخدام خراطيم المياه ونشر قوات إضافية للسيطرة على الموقف. وقدّر وزير داخلية ولاية هيسن، رومان بوسيك (Roman Poseck)، عدد المتورطين في الاعتداءات بنحو مئة شخص، مشيرًا إلى وجود عناصر يُشتبه في انتمائها إلى أوساط يسارية متطرفة وعنيفة. ومع ذلك، تبقى المسؤولية الجنائية مسؤولية فردية، لا يجوز تعميمها على جميع المتظاهرين أو على فئة اجتماعية أو جنسية بعينها.
ومن جانبهم، أعلن منظمو الاحتجاجات رفضهم القاطع للعنف، مؤكدين أنهم دعوا منذ البداية إلى مظاهرات سلمية، وأن أعمال التخريب لا تمثل أهداف تحركهم أو مبادئه. وقد أثارت هذه الأحداث ردود فعل سياسية غاضبة؛ إذ أعرب رئيس وزراء ولاية هيسن، بوريس راين (Boris Rhein)، عن صدمته من أعمال العنف التي شهدتها فرانكفورت، مؤكدًا أنها لن تمر دون عواقب، وأن السلطات ستعمل على تقييم الأحداث وتحديد المسؤولين عنها واتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة. كما شدد وزير الداخلية رومان بوسيك على ضرورة التعامل بحزم مع مرتكبي أعمال الشغب، مؤكدًا أن الاعتداء على رجال الشرطة وتخريب الممتلكات لا يمكن التسامح معهما.
ولم تقتصر التوترات على فرانكفورت، إذ شهدت مدن ألمانية أخرى احتجاجات وحوادث متفاوتة الحدة، لكن من الضروري التمييز بين الوقائع في كل مدينة، وعدم تصوير جميع المظاهرات على أنها اتسمت بالعنف، خصوصًا أن الغالبية العظمى من المشاركين مارسوا حقهم المشروع في التعبير السلمي.إن ما حدث يطرح سؤالًا إنسانيًا وأخلاقيًا يتجاوز حدود السياسة: كيف يمكن أن نطالب بمستقبل أفضل، بينما يلجأ البعض إلى تدمير ما بُني من أجل الجميع؟إن ألمانيا، شأنها شأن العديد من الدول الأوروبية، قامت على مبادئ دولة القانون واحترام الحريات والحقوق الإنسانية، ووفرت فرصًا للحياة والعمل والتعليم والحماية لكثيرين من أبناء شعوب مختلفة. ومن المؤلم أن تتحول بعض المساحات التي يفترض أن تكون للتعبير السلمي عن المطالب إلى مشاهد اعتداء وتخريب، تضر بالمجتمع كله، بمن في ذلك أصحاب المطالب المشروعة أنفسهم.
ولا شك أن مشاهد العنف التي شهدتها بعض الدول الأوروبية خلال السنوات الماضية، وكذلك ما عرفته بلدان عربية في فترات الاضطراب، تذكرنا بخطورة الانزلاق من الاحتجاج المشروع إلى الفوضى. ومع ذلك، فإن لكل مجتمع ظروفه وأسبابه وتجاربه، ولا يجوز اختزال هذه الأحداث المختلفة في تفسير واحد أو تحميل جيل كامل مسؤولية تصرفات أقلية.
ومن منظورنا الإنساني والمسيحي، يبقى السؤال الأهم: أين نحن من رسالة المحبة والسلام وصنع الخير التي علمنا إياها السيد المسيح؟
لقد علمنا السيد المسيح قائلًا:«طُوبَى لِصَانِعِي السَّلَامِ، لِأَنَّهُمْ أَبْنَاءَ اللهِ يُدْعَوْنَ» (متى 5: 9). كما أوصانا الكتاب المقدس:
«لاَ يَغْلِبَنَّكَ الشَّرُّ، بَلِ اغْلِبِ الشَّرَّ بِالْخَيْرِ» (رومية 12: 21). فإن هذه التعاليم لا تعني السكوت عن الظلم أو التهاون مع الاعتداءات، بل تدعونا إلى مواجهة الشر بالحق والعدل والحكمة، وإلى إدراك أن الحرية لا تنفصل عن المسؤولية، وأن المطالبة بالحقوق لا تمنح أحدًا الحق في الاعتداء على الآخرين أو تدمير ممتلكاتهم. ونحن إذ ندين أعمال العنف والتخريب بكل وضوح، فإننا نؤكد في الوقت نفسه ضرورة حماية الحق في التظاهر السلمي، وعدم الخلط بين من يعبر عن رأيه بصورة حضارية وبين من يستغل التجمعات العامة لارتكاب الجرائم. فإن تطبيق القانون بحزم وعدالة على كل من تثبت مسؤوليته عن أعمال العنف ضرورة لحماية المجتمع، على أن يتم ذلك دون تمييز بسبب الأصل أو الجنسية أو الدين أو الانتماء السياسي، وفي إطار الإجراءات القضائية والضمانات القانونية. كما أن الحديث عن الترحيل أو تشديد إجراءات الحدود يجب أن يظل مرتبطًا بالقانون والوقائع الثابتة والقرارات المختصة، لا بالغضب أو الأحكام المسبقة. فدولة القانون تثبت قوتها حين تحاسب المخطئ بعدل، وتحمي البريء، وتصون كرامة الإنسان في جميع الأحوال.
إننا لا نريد أن تتحول أوروبا، أو أي بقعة من عالمنا، إلى ساحة للخوف والصدام والكراهية. ولا نريد أن يصبح العنف لغة للحوار، أو أن تتحول الاختلافات السياسية والثقافية إلى أسباب للعداء بين البشر.
ما نحتاج إليه اليوم هو المزيد من الوعي والمسؤولية، واحترام القانون، وتربية الأجيال الجديدة على قيم المواطنة والتعايش، والتأكيد على أن بناء المجتمعات يحتاج إلى سنوات طويلة من العمل والتعاون، بينما قد تؤدي لحظات من الغضب غير المسؤول إلى خسائر يصعب تعويضها. وفي النهاية، فإن حب الوطن الذي نعيش فيه لا يُقاس بالكلمات والشعارات، بل باحترام قوانينه، وصون أمنه، والمحافظة على ممتلكاته، والمساهمة في خير مجتمعه، دون أن نتخلى عن حقنا في التعبير عن آرائنا ومطالبنا بصورة سلمية.





