بقلم الأب يسطس الأورشليمى
    في الإصحــاح الأول من رسالة فيلبى يحدثنا بولس الرسول عن علامات الحياة المُفرحة، أن كتب من داخل السجن إلى الكنيسة المحبُوبة لديه، وكان الموضُوع: المسيح فرحنا، فهُو مصدر الفرح في كُل الظرُوف، حيثُ يتجلى وسط الآلام، فنشاركه آلامه..

وفي هذا الإصحاح، يُقدم لنا هذه الحياة المتهلّلة بالمسيح..  نظرة مُقدسة للآخرين، يقُول: جميع القدّيسين في المسيح.. عُواطف مُقدسة، وتمتع بشهُوات إلهية بحُب الله والناس.. النمُو في الحُب وفي المعرفة والأعمال الصالحة والبرّ.. تُوجيه كُل الطاقات إلى خلاص الإنسان بفرح وتهليل.. الفرح بعطية الألم من أجــــــــــــــــــــــل الرّب يسُوع المسيح.. فقد وجد جواً من الفرح حتى داخل السجن، ويُخبرنا عن نُصرته على الألم وثقته في المسيح، لذلك ذكر اسم المُخلّص40 مرة..

بُولس وتيمُوثاوس عبدا يسُوع المسيح، إلى جميع القدّيسين في المسيح، الذي في فيلبي مع أساقفةٍ وشمامسةٍ (ف1: 1)..
نلاحظ أن: بُولس لم يُسجل لقبه أنه رسُول، لأن رسُوليته لم تكن موضُوع شك لدى المُرسل إليهُم، ولم يحتاجُوا أن يتذكرُوا سُلطانه الرسُولي كما يدعُو الرسُول نفسه وتلميذه عبدي يسُوع المسيح، فهما لا يطلبان مركزاً ولا تشغلهما السُلطة الكنسية، إنما يفتخران بالرّب..

وذلك لأنه يفتتح الرسالة بما يناسب المُؤمنين الذين وجهها إليهُم..لأنه كان مزمع أن يتحدث عن ابن الله الذي أخذ صُــــــــــــورة عبد..يشعر بملكية الله له، بعد أن اشتراه بدمه الثمين فصار عبداً له..كانت كنيسة فيلبي ثمرة طــــــــــــــاعة بُولس الرسُول لسيده المسيح..

يدعُو نفسه عبداً للمسيح لا رسُولاً، وعبد المسيح هُو إنسان حرٌ من جهة الخطية، أنها سلاسل الحُب التي تهب الحرية ولا تُقيد، وحين نُقيد بواسطته نصير في مجدٍ أعظم عن أن نكُون أحراراً من آخرين، فإن حرّركُم الابن فبالحقيقة تكُونُون أحراراً (يو36:8)..

نعمةٌ لكُم وسلامٌ من الله أبينا، والرّب يسوُع المسيح..

النعمة هي الهبة أو العطية المجانية التي يهبها الله للإنسان، أما السلام فهُو السلام الإلهي الذي يفُوق كُل عقلٍ، ويُقدم في البركة الرسُولية نعمة الله وسلامه، من الله الآب بالابن يسُوع المسيح..

ثُم يقُول: أشكر إلهي عند كُل ذكري إياكُم دائماً في أدعيتي..
لم يغب ذكر أهل فيلبي عن فكره وقلبه، حتى وسط قيُوده في السجن، ومشاغله باهتمامات الكنائس الأخرى، وقد ربط بين الشكر والطلبة، فهُو يشكر الله من أجل إيمانهُم، ومحبتهُم، ونشاطهُم في الخدمة، والكرازة، فالمسيحية هي ديانة القلب الفرح والوجه البشُوش، فهُو إنسان فرح بإيمانه، مسرُور بمسيحه، وسعيد بملكُوته الأبدي..

ونلاحظ أنه لم يشر إلى ما عاناه في فليبي مع رفيقه سيلا حيثُ مزق الولاة ثيابهُم وأمرُوا بضربهما بالعصي (أع16:22)، لكن ما يذكره دُوماً عمل الله معه لقبُول الإيمان، والفرح وسط الآلام..

لسبب مُشاركتكُم في الإنجيل من أول يومٍ إلى الآن..
فمنذ اليوم الأول لحضُوره إليهُم آمنُوا والتصقُوا معاً في شركة جماعية في الرّب، استمرت حتى كتابته الرسالة، هي شركة حُب تدفع إلى العمل والمثابرة معاً ليختبرُوا دوماً الحياة الإنجيلية المُفرحة..

هي شركة في العبادة بحُب، وشركة في العطاء، وشركة الشهادة لإنجيل المسيح، حيثُ يتحقق بالرُوح القُدس..
عندما نعيش في المحّبة المسيحية، ونُصلّي، ونطلب المعُونة الإلهية من أجل الكارزين، يُعتبر كرازة عملية بالإنجيل، وكُل مَن يتعب في إنجيل المسيح لابد أن يشترك في النعمة أيضاً..

واثقاً بهذا عينه أن الذي ابتدأ فيكُم عملاً  صالحاً، يُكمّل إلى يوم يسُوع المسيح (6)..

فسرّ فرحه في خدمته وسلامه الداخلي، هُو إدراكه أن الذي يبدأ العمل في خدامه هُو العامل فيهُم، حيثُ يبدأ ويُكمل الطريق إلى النهاية حتى يوم مجيء الرّب الأخير، وكما عمل الله مع صمُوئيل، وكان الرّب معه ولم يدع شيئاً من جميع كلامه يسقط إلى الأرض (1صم19:3)..

أن الله لا يُحركنا كقطع الشطرنج، بل يعمل فينا حين نكُون جادين في طلب عُونه، كما أن ما يُمارسُونه هُو هبة من الله..
كما يحقّ لي أن أفتكر هذا من جهة جميعكُم، لأني حافظكُم في قلبي، في وثقي، وفي المُحاماة عن الإنجيل وتثبيته..      

لم يكن للقيُود أن تحجب الحُب، بل بالعكس أعطته فرصة أعظم للتفكير فيهُم، وحرصه على حفظهُم في قلبه، والصلاة من أجلهُم والشكر، فالسجن والقيُود لم تسحب قلبه عن مخدُوميه.. أنه حافظهُم جميعاً في فكره وقلبه، يستدفئُون بنار حُبه في الرّب.. كمَن يحفظ لآليء عظيمة، فلا يتجــــــــــــــــــاهل واحدة منها أو ينساها..  وأن كان مقيداً كسجين فهُو يحفظهُم في قلبه ويربطهُم بقيُود الحُب.. فهُم شركـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاء معه في المُحاماة عن الإنجيل وتثبيته..كان جميعهُم شركـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاء معه في النعمة، فيراهم في قلبه..فهُو يحبهُم في أحشاء يسُوع المسيح، وهذا هُو الخادم يحمل الشعب في أحشائه، فيفرح بخلاصهُم ويتُوجع لضعفاتهُم..

كان إرميا يصرخ: أحشائي أحشائي، تُوجعني جُدران قلبي، يئن في قلبي، لا أستطيع السكُوت (إر31:2؛ 19:4)، إذ يُدرك شُوق الله أن يحمل شعبه في أحشائه، ويقُول: في أحشاء يسُوع المسيح، فالحُب الرعُوي ليس إلا حُب المسيح نفسه العامل في قلب الخادم..
وهذا أصليه: أن تزداد محبتكُم أيضاً أكثر فأكثر  في المعرفة..

فهُو يُريد أن يتمتع مخدُوميه بالحُب لله، ولبعضهُم البعض ولكُل البشرية فيكُونُوا أشبه بنهرٍ لا تتوقف أمطاره عن أن تنسكب عليه بفيض، إذ تمتعُوا بالنعمة اشتاق أن تلتهب قلُوبهُم أكثر فأكثر..

المحّبة مُرتبطة بالمعرفة، فعندما يحب مُوضُوعاً ما يبحث فيه حتى يُلم بكُل جوانبه، وعندما يحب شخصاً يحب أن يعرف كُل شيء عنه، هكذا عندما يحب الإنسان الله تزداد معرفته عنه..

يطلب لهُم الحُب المُستنير بالمعرفة، فتكُون لهُم معرفة أسرار الله، وحب المسيح حكمة الله، وعذُوبة الحياة والشركة معه..
حتى تُميزُوا الأمُور المُتخالفة، لكي تكُونُوا مُخلصين (10)..

أي الأمُور التي تسبب نُوعاً من الارتباك، لذا يطلب لهُم رُوح التمييز، فأمُور المسيح سامية، تحتاج إلى التمييز لكي يختبرها المُؤمنُون بإخلاص، فينعمُوا بالإنجيل ويحيُوا في الكمال، وبهذا يُحضرُوا يوم الرّب حاملين برّ المسيح، ويوجدُوا طاهرين بلا عثرة..

المحّبة تمنح الإنسان الذهن المُستنير بالرُوح ليُميز، والمحّبة تُضيء القلب فيُميز صُوت الراعي عن صُوت الغريب..
مملُوئين من ثمر البرّ الذي بيسُوع المسيح لمجد الله وحمده..

الإنسان المسيحي لابد أن يُثمر، ويُثمر في هدُوء وسلام، أما ثمر البرّ فهُو الأعمال الصالحة، إذ نُطعم في المسيح، ولا نعُود بعد أغصان برّية، بل أغصان الكرمة الإلهية الحاملة ثمر الرُوح..

هذه الثمار الفائقة والمُشبعة مُوضع اعتزازنا، إذ هي هبة إلهية لمجد الله وكلمة: البرّ يقصد بها كُل أعمال الرُوح القُدس الذي يهبنا برّ المسيح والشركة في الطبيعة الإلهية، راجع (2بط4:1)..

يقُول: ثمرة البرّ، وليس ثمار البرّ، لأن ثمر الرُوح مع تنوعه من: محّبة وفرح وسلام، وطُول أناة ولطف وصلاح، إيمان وداعة تعفف، في تناغم وتوافق وتآلف معاً، وكأنه ثمرة واحدة..

ثُم أريد أن تعلمُوا أيها الإخوة أن أمُوري قد آلت إلى تقدم الإنجيل..
كان الرسُول مُقيداً ومسجُوناً في رُوما، وقد ظن البعض أن هذا الأمر يقف حجر عثرة أمام حديثي الإيمان، إذ كانُوا يخجلُون مما حدث معه، ولعلهُم خشُوا أن يكُون هذا هُو مصيرهُم أيضاً.. 

وهُو هُنا يحدث أهل فيلبي عن أمُوره وأخباره خُوفاً من وصُول أخبار خاطئة عنه، ويُوضح لهُم إن متاعبه وسجنه، وآلامه كانت بخطة إلهية مقصُودة لانتشار الكرازة بالإنجيل عن طريق السجانين، ونجاة الرجال الذين كانُوا معه في السفينة (276) رجلاً، وكرازته في رُوما عاصمة العالم، حيثُ تحُول السجن إلى كنيسة صغيرة، جمعت اليهُود مع الأمم في شخص واحد يسُوع المسيح، راجع الكتاب (في12:1)..

حتى إن وثُقي صارت ظاهرةً في المسيح، في كُل دار الولاية وفي باقي الأماكن أجمع..

لقد عرف الجميع أنه لم يُسجن من أجل جريمةٍ ارتكبها، وإنما من أجل اسم يسُوع، كما دُعي في دار الولاية المُلحقة بقصر نيرُون، لكي يدافع عن نفسه، فكانت فرصة رائعة للشهادة للمسيح أمام رجال الدُولة، وبذلك صار شاهداً للرّب في السجن، وفي قصر الإمبراطُور..

قدمت قيُوده للإخوة شجاعة للكرازة، فإن كان قد نال من أجل الكلمة كرامة الألم، وأصبح مثالهُم العملي، وكأنه يقُول لهُم: إن كان الآخرُون قد صارُوا أكثر جرأة بقيُودي، كم بالأولى أكُون أنا؟!

أما قومٌ فعن حسدٍ وخصامٍ يكرزُون بالمسيح، وأما قومٌ فعن مسرّةٍ، راجع (في15:1)..
وجد الحاسدُون له فرصتهُم للكرازة، ليس عن حُبٍ وإخلاصٍ، وإنما لكي تتشدد الدُولة وتُضيق الخناق عليه، فلا يخرج من السجن وقد وجدُوا فرصتهُم حتى يكرزُوا ليحتلُوا مكانه في الخدمة..

كانُوا من المُنادين بالتهُود الذين سعُوا إلى تهديد المسيحية رأوا في سجنه فرصة للتحرك، فلا يجدُوا مقاومة لأفكارهُم.. 
وهُو في نظرهُم مقاوم النامُوس والعُوائد اليهُودية..

مقابل هذا تحرك المخلصُون للعمل بكُل قُوة عن حُب للمسيح، ورسُوله الأسير، وبسبب قيُوده ظهر فريقين: فريق ازداد شجاعة للعمل..
والآخر أرادُوا أن يحطمُوه، فصارُوا يكرزُون بالمسيح.. فهُؤلاء عن تحزّبٍ يُنادُون بالمسيح لا عن إخلاصٍ،

ظانّين أنهم يُضيفُون إلى وثُقي ضيقاً، راجع (16)..إنهُم غير مُخلصين في كرازتهُم بالمسيح، بل عن تحزّب..
وكلمة: تحزّب تُشير إلى المنفعة الشخصية والطمُوح الأناني..

يقُول: ظانين، لقد ظنُوا بالحقيقة أن يحزنُونني بهذا العمل، لكنني فرحت إذ أمتد الإنجيل، رأوه في القيُود مُلقى في السجن، ومع هذا كانُوا يحسدُونه وأرادُوا أن يزيدُوا من الكوارث والضيقات التي تحل عليه..

أني موضُوعٌ لحماية الإنجيل (17).. 

تعني إني مُعين من قبل العناية الإلهية لنشر نُور الإنجيل بين الشعُوب، وأن يُقدم حساباً ويُجيب عن العمل المُوكل عليه، ألا ترُون أن مَن يُثير حرباً ضد الحقّ ليس له قُوة، بل بالحري يجرح نفسه كمن يرفس مناخس؟! 

ثم يُضيف: بطلبتكُم ومؤازرة رُوح يسُوع المسيح، وكأنه يقُول: إن حُسبت أهلاً لصلواتكُم فأنال نعمة أعظم وأكثر.. لأن لي الحياة هي المسيح والموت هُو ربحٌ..

الحياة هُنا بالنسبة للرسُول فرصة للكرازة بفرح وسط الآلام، والموت فرصة للانطلاق للقاء مع السيد المسيح وجهاً لوجه، فالموت بالنسبة للجسدانيين خسارة وتحطيم، أما بالنسبة للإنسان الرُوحي فهُو مكسب له، حيثُ الانطلاق من العالم بكُل شرُوره إلى الحياة الأخرى بأمجادها، والاتحاد بخبز الحياة المُشبع للنفس، العريس السماوي..

النظرة المسيحية للحياة أنها بركة، وتستحق أن تُعاش في المسيح يسُوع كما أن الموت ربح عظيم مادام في رّب المجد..
ولكن إن كانت الحياة في الجسد هي لي ثمر عملي فماذا أختار؟! لستُ أدري! (21-24)..

في جهاده على الأرض ثمرته هُو اقتناء المسيح، هكذا يحسب تعبه منحة إلهية صالحة، قُدمت له لنمُو ملكُوت الله في العالم، لمجد الله وبنيان كنيسة المسيح، ولكنه يحتار أيهما أفضل له:
الحياة حيثُ تمتليء حياته بالعمل الصالح والثمر المُتكاثر..

هل يُفضل الحياة لبشارة البعيدين ورد الضالين، ومشاركة المتألمين، أم الموت الذي يُريحه من أتعابه وينقله إلى الأمجاد السماوية؟!
فإني محصُورٌ من الاثنين: لي اشتهاءٌ أن أنطلق وأكُون مع المسيح، ذاك أفضل جداً، راجع (23)..

واضح أنه كان يميل بشوقٍ مُلتهبٍ نحُو اختيار الموت استشهاداً لأجل المسيح، فالأفضل له هُو الرحيل ليبقى مع المسيح في الفردُوس، لا ليودع العالم بكُل شرُوره وتجاربه وضيقاته، بل لينعم بالحياة مع المسيح في أرُوع صُورة، حتى يُدرك هذا الجمال غير المنظُور، ومع كُل هذا الحنين، فإنه يحسب رحيله مكسباً له، وبقاءه مُجاهداً مكسباً وبهذا كان القرار فيه اختيار البقاء من أجل الحُب الأخُوي في الرّب..

يتمتع باليقين الذي فيه عمل الله ورعايته وما هُو لبنيان الكنيسة، وهذا يبحث فيه رُوح الفرح في المسيح يسُوع..
فقط عيشُوا كما يحقّ لإنجيل المسيح (27)..

أولاً: الثبات في الرُوح الواحد، فيحثهُم ليحيُوا كمُواطنين سماويين..
ثانياً: الجهاد بنفس واحدة لإيمان الإنجيل، إذ لهُم شركة الرُوح القُدس الجهاد ضد الخطية، وللحفاظ على الإيمان الواحد في المسيح يسُوع، والجهاد في الكرازة، والإيمان بصدق مواعيد الإنجيل..

لأنه قد وُهب لكُم لأجل المسيح لا أن تُؤمنُوا به فقط
بل أيضاً أن تتألمُوا لأجله، راجع الكتاب (29:1)..

فالثبات في رُوح واحد، والجهاد بنفسٍ واحدةٍ، والشجاعة في مواجهة المقاومين لابد أن يترتب عليها الاضطهاد والألم..