بقلم: أيمن فايز
أخطر ما في الكتاب المقدس أنه لا يسمح لنا بأن نحب الله الذي اخترعناه لأنفسنا.

نحن نفضّل إلهًا واضح الحدود: يكافئ من يشبهنا، ويعاقب من يختلف عنا، يبارك جماعتنا، ويمنح غضبه للأعداء الذين نحتاج إلى كراهيتهم كي نشعر بأننا على الجانب الصحيح. نحب الإله الذي يمكن وضعه في تعريف، أو حصره في شعار، أو استخدامه شاهدًا على أفكارنا القديمة. لكن الكتاب المقدس، كلما ظننا أننا أحكمنا قبضتنا على الله، أخرج من داخله قصةً أو شخصًا أو صرخةً تفسد علينا هذا الاطمئنان.

نفتح صفحاته بحثًا عن إله يسند صورتنا عن العالم، فنجد إبراهيم يخرج من أرضه دون أن تُعطى له خريطة، ويعقوب يصارع في الليل ويخرج من صراعه حاملًا بركةً وعرجًا معًا، وأيوب يقف أمام الله لا تلميذًا مؤدبًا يحفظ الإجابات، بل إنسانًا مجروحًا يطالب بأن يُسمع صوته. نبحث عن أبطال لا يترددون، فنجد موسى خائفًا من دعوته، وإرميا ساخطًا على يوم ميلاده، وداود شاعرًا يرفع صوته بالمديح ثم يسقط في الخطيئة، وبطرس يعلن استعداده للموت ثم ينكر معرفته بالمسيح أمام جارية.

لم يكتب الكتاب المقدس تاريخ القديسين كما تحب المؤسسات أن تكتب تاريخها. لم يلمّع الذاكرة كي يجعلها صالحة للعرض، ولم يدفن عار أبطاله تحت العبارات المقدسة. ترك الخوف ظاهرًا، والغيرة ظاهرة، والضعف ظاهرًا، كأنه يعرف أن الإنسان لا يصبح جديرًا بالحقيقة حين يخفي عيوبه، بل حين يكف عن تحويل عيوبه إلى فضائل مزيفة.

ومن هنا تبدأ غرابة هذا الكتاب. إنه لا يقدّم الإنسان بوصفه كائنًا شريرًا فحسب، ولا بوصفه مخلوقًا نبيلًا ينتظر فرصةً كي يزهر؛ يقدّمه بوصفه كائنًا ممزقًا، قادرًا على الرحمة والقسوة في اليوم نفسه، وعلى الصلاة والخيانة، وعلى التضحية والرغبة في امتلاك الآخرين. ولذلك لا تأتي مشكلته دائمًا من أنه يجهل الخير، بل من أنه يعرفه ثم يفاوض نفسه على تركه.

قايين، مثلًا، لا يُسأل عن صحة قربانه حين تقع الجريمة، بل عن أخيه. السؤال الذي يطارده ليس: هل حفظت الطقس كما ينبغي؟ بل: «أين هابيل أخوك؟» (تكوين 4:9). في هذه الجملة القصيرة ينكشف عجز التدين الذي يحاول أن يجعل العلاقة بالله شأنًا خاصًا لا علاقة له بحياة الآخر. لقد عرف قايين طريق المذبح، لكنه لم يعرف كيف يكون حارسًا لأخيه.

وليس بعيدًا عن ذلك ما سيقوله الأنبياء حين يواجهون شعبًا يكثر من الذبائح والصلوات بينما ينسى العدل والرحمة. لم تكن المشكلة أن العبادة بلا قيمة، بل أن الإنسان قد يجعلها بديلًا عن المسؤولية التي تفرضها عليه.

ولذلك لا يُقاس صدق الإنسان بما يقوله عن نفسه وحده، بل بما يفعله حين يظهر أمامه شخص أضعف منه. هناك، عند الجريح الواقع على الطريق، أو الغريب الذي لا يملك حماية، أو الفقير الذي لا يستطيع رد الجميل، تسقط الشعارات. ليس السؤال: إلى أي جماعة ينتمي هذا الإنسان؟ ولا: هل يستحق المساعدة؟ السؤال الأشد قسوة هو: هل ستراه أصلًا؟

كان المسيح يعرف أن الإنسان يستطيع أن يتحدث طويلًا عن المحبة دون أن يقترب من إنسان واحد. لذلك لم يترك الرحمة فكرةً معلقة في السماء، بل أعادها إلى الطريق، إلى الجسد المتروك، إلى الدم الذي لا يملك لغةً فصيحة. وحين جعل السامري، لا الكاهن ولا اللاوي، هو الذي اقترب من الجريح، لم يكن يضيف حكاية لطيفة إلى كتاب الأخلاق؛ كان يقلب السؤال الذي بدأ به الحوار كله.

فالناموسي سأله: «ومن هو قريبي؟»، لكن المسيح أنهى المثل بسؤال مختلف: «فأي هؤلاء الثلاثة ترى صار قريبًا للذي وقع بين اللصوص؟» (لوقا 10:29، 36).

لم يعد السؤال عن حدود الأشخاص الذين يجب أن نحبهم، بل عن استعدادنا نحن لأن نصبح أقرباء لمن يحتاج إلينا.

لهذا لم يكن الكتاب المقدس كتابًا أخلاقيًا بالمعنى المدرسي. إنه لا يمنحنا قائمةً مرتبة بما ينبغي أن نفعله، ثم يتركنا نعود إلى حياتنا مطمئنين إلى صلاحنا. إنه يضعنا داخل المأزق نفسه. قد نقرأ قصة الابن الضال ونحن واثقون من أننا الابن الذي عاد، ثم نكتشف أن فينا شيئًا من الأخ الأكبر الذي لا يستطيع احتمال رحمة الأب. وقد نقرأ قصة السامري الصالح ونحن نرى أنفسنا في صورة المنقذ، ثم نكتشف أننا كثيرًا ما نعرف كيف نعبر الطريق دون أن نتوقف. وقد نسمع دعوة الغفران فنظنها فضيلة سهلة، إلى أن ندرك أن الغفران لا يسلبنا غضبنا فقط، بل يسلبنا أحيانًا السلطة التي بنيناها فوق جرحنا.

ولعل هذه القدرة على زعزعة يقين الإنسان بنفسه هي ما جعل الكتاب المقدس حاضرًا في أسئلة الفلاسفة والروائيين والنقاد، حتى حين اختلفت قراءاتهم له.

في كتاب «الخوف والارتعاد» (Frygt og Bæven، 1843)، المنشور باسم Johannes de silentio، يتأمل الفيلسوف الدنماركي سورن كيركغارد (Søren Kierkegaard) مأزق إبراهيم، لا بوصفه مثالًا سهلًا للطاعة، بل بوصفه تجربةً تكشف حدود ما يستطيع الإنسان تفسيره أو تبريره أمام الآخرين. وفي رواية «الإخوة كارامازوف» (Братья Карамазовы، 1880)، يضع الروائي الروسي فيودور دوستويفسكي (Фёдор Михайлович Достоевский) على لسان «المفتش الأكبر» اتهامًا للمسيح بأنه حمّل الإنسان حريةً أثقل مما يحتمل، كاشفًا من خلال هذا الصراع الروائي عن إغراء الاستسلام لسلطة تمنح الطمأنينة مقابل الحرية. أما الناقد الألماني إريش أورباخ (Erich Auerbach)، ففي كتابه «المحاكاة» (Mimesis، 1946)، فقد التقط في السرد الكتابي شيئًا بالغ الأهمية: شخصياته لا تُشرح لنا بالكامل، ولا تُغلق داخل أوصاف نهائية؛ تظل فيها مناطق صامتة، ودوافع لا تُكشف، وفراغات تجعل القارئ شريكًا في البحث عن المعنى.

وهنا يكمن أحد أسرار استمرار الكتاب في الفن والأدب. لم يجد رامبرانت (Rembrandt van Rijn) في الابن الضال قصةً عن فضيلة العودة وحسب، بل وجد في انحناءة الابن ويدي الأب ولغة الضوء مشهدًا تتكلم فيه الأجساد بما لا تستطيع الكلمات استنفاده. ولم يتعامل الفنانون مع صلب المسيح بوصفه حادثةً تاريخية مكتملة الدلالة، بل عادوا إليه عبر العصور لأن الجسد المصلوب يطرح سؤالًا لا ينتهي عن البراءة والعنف والسلطة والألم.

وفي الرواية الحديثة، عاد الكتاب المقدس لا لأنه يقدّم أجوبة جاهزة، بل لأنه يملك الشخصيات التي لا تنتهي عند حدود قصتها الأولى: أيوب يعود كلما سأل إنسان يتألم عن معنى الشر، ويونان يعود كلما اكتشف الإنسان أنه يريد عدالةً لا رحمة فيها، والابن الأكبر يعود كلما تحولت الفضيلة إلى غيرة من نعمة الآخرين.

لكن أكثر ما يزعجنا في الكتاب المقدس أنه لا يساوي بين الإيمان وامتلاك تفسير كامل للحياة. هناك دائمًا شيء لا يُحسم بسهولة: صمت، وتأخر، وانتظار، ووعد لا يتحقق في الوقت الذي نريده. إبراهيم يمضي قبل أن يعرف نهاية الرحلة، ومريم تحفظ في قلبها أشياء لا تدرك معناها كاملًا، والتلاميذ لا يفهمون كثيرًا مما يحدث إلا بعد أن يعبروا الفشل والإنكار والخوف. حتى خبر القيامة لا يصل إلى جماعة منتصرة تنتظر مكافأتها، بل إلى أناس خائفين، مرتبكين، لا يملكون الشجاعة الكافية كي يصدقوا من المرة الأولى.

وهذه نقطة لا يحبها الخطاب الديني المريح: الكتاب لا يعدنا بأن الحياة ستصبح مفهومة. لا يقول إن كل ألم يحمل تفسيرًا سريعًا، ولا إن الصالحين ينجون دائمًا، ولا إن التاريخ يسير في خط مستقيم نحو العدالة.

سفر أيوب يقاوم بشدة تلك الرغبة في تفسير مصيبة الإنسان قبل الإصغاء إلى صوته. كان أصدقاء أيوب في حاجة إلى الدفاع عن تصورهم للعدالة الإلهية أكثر من حاجتهم إلى مواساة الرجل، ولذلك صاروا، من حيث لا يشعرون، قساة باسم العقيدة. أما أيوب فرفض أن يعترف بخطيئة لم يرتكبها لمجرد أن تفسيرهم يحتاج إليها.

والمفارقة أن الله، في خاتمة السفر، يوبخ أصحاب أيوب لأنهم لم يتكلموا عنه بالصواب كما تكلم عبده أيوب (أيوب 42:7). لا يعني ذلك أن كل احتجاج لأيوب كان صحيحًا، فقد واجهه الله هو أيضًا بحدود معرفته، لكن النص يترك أمامنا سؤالًا أشد إزعاجًا: هل يمكن أن يتحول دفاع الإنسان عن الله إلى كلام غير صحيح عنه؟

ليست عظمة الكتاب في أنه يمنع الإنسان من الاحتجاج، بل في أنه حفظ احتجاجه داخل النص المقدس. ترك المظلوم يتكلم، وترك النبي يعترض، وترك المزمور يخرج من الخوف، وترك المسيح نفسه يصرخ على الصليب: «إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟» (متى 27:46؛ مرقس 15:34).

إنها صرخة تستدعي مطلع المزمور 22، فلا يجوز فصلها عن أفقه الكتابي، كما لا يجوز إفراغها من ألمها الحقيقي. فقد دخلت لغة الإنسان المتألم إلى قلب رواية الآلام، دون أن تُمحى قسوتها بعبارة مطمئنة.

ومن هنا كان الصليب أكثر من نهاية مأساوية لحياة رجل صالح. إنه فضيحة لكل تصور يجعل القوة دليل الحقيقة. العالم يعرف كيف يحتفل بالمنتصرين، أما الصليب فيضع أمامه جسدًا مرفوضًا، محكومًا عليه بالموت، ثم يعلن الإيمان المسيحي أن الخلاص قد ظهر حيث لم يكن العالم يتوقعه.

لم يعد السؤال: من انتصر وفق مقاييس القوة؟ بل: ماذا رأينا في هذا الجسد الذي حُكم عليه بالموت؟ وهل يمكن أن تكون الحقيقة أقرب إلى المصلوب منها إلى الذين امتلكوا سلطة الحكم عليه؟

ولعل هنا تكمن المفارقة الأعمق في الكتاب الذي رفض أن يترك الله في السماء.

فهو لا يكتفي بأن يحدثنا عن الله من بعيد، ولا يترك الإنسان يبحث عنه خارج التاريخ. في قلب الإنجيل إعلان لا يمكن تجاوزه: «والكلمة صار جسدًا وحل بيننا» (يوحنا 1:14).

إنها ليست استعارة عن اقتراب الله من الإنسان، بل إعلان التجسد الذي يقوم عليه الإيمان المسيحي. فالكلمة لم يصبح فكرةً أكثر وضوحًا، بل صار إنسانًا يعيش في التاريخ، ويُرى ويُسمع ويُلمس، ويعرف الجوع والتعب والألم والموت.

ولذلك لم يكن الجسد تفصيلًا ثانويًا في المسيحية، ولا مجرد وعاء مؤقت للحقيقة. إنه يدخل إلى صميم إعلانها عن المسيح.

حتى الفن المسيحي، حين دافع عن إمكان تصوير المسيح، لم يكن يدافع عن مجرد حرية الرسام في صناعة الصور. فقد ارتبط الدفاع اللاهوتي عن الإِيقونة بحقيقة أن الكلمة غير المنظور صار منظورًا في الجسد، كما بيّن يوحنا الدمشقي (Ἰωάννης ὁ Δαμασκηνός) في كتاباته الدفاعية عن الصور المقدسة.

لم يكن المقصود أن الخشب واللون يستطيعان احتواء الله، بل أن التجسد جعل تصوير شخص المسيح ممكنًا دون الادعاء بتصوير طبيعته الإلهية غير المنظورة.

وهكذا لم يعد حضور الله في التاريخ مجرد فكرة تُقال، بل حقيقة صار للجسد فيها مكان لا يمكن إلغاؤه.

ولعل أكثر ما يزعج الإنسان في هذا الإعلان أن المسيح لا يترك العلاقة بالله منفصلةً عن علاقته بالبشر. ففي مشهد الدينونة في إنجيل متى، لا يسأل الملك عن الشعارات التي رفعها الناس، بل يضع أمامهم الجائع والعطشان والغريب والمريض والمسجون، ثم يقول: «بما أنكم فعلتموه بأحد إخوتي هؤلاء الأصاغر، فبي فعلتم» (متى 25:40).

هنا تبلغ المفارقة ذروتها: الإنسان الذي يريد أن يجد الله بعيدًا عن آلام البشر، يجد نفسه أمام إله يربط لقاءه به بما فعله للإنسان المحتاج.

ليس معنى ذلك أن الإيمان يتحول إلى عمل اجتماعي مجرد، أو أن العبادة تفقد معناها، بل أن العلاقة بالله لا تستطيع أن تتنصل من مسؤوليتها عن الإنسان.

لهذا ظل الكتاب المقدس يزعج كل عصر يحاول امتلاكه. السلطة تقرؤه بحثًا عن شرعيتها، فيخرج لها ناثان النبي ليقول لداود: «أنت هو الرجل» (2 صموئيل 12:7). والجماعة تقرؤه لتطمئن إلى تفوقها، فيظهر لها الغريب. والمتدين يقرأه ليؤكد صلاحه، فيجد أخًا أكبر يقف خارج الوليمة. واليائس يفتحه طلبًا لنهاية سعيدة، فيجد أولًا رجلًا على الصليب، وامرأةً تبكي، وتلاميذ لا يفهمون، وقبرًا ظن الجميع أن الموت قال فيه كلمته الأخيرة.

ثم، من وسط هذا العجز كله، يبدأ شيء لا يشبه الانتصار المعتاد.

لا تعود القيامة مجرد خاتمة مبهجة لقصة مؤلمة، بل تصبح انقلابًا في طريقة رؤية العالم: ما حسبناه هامشًا قد يكون مركز المعنى، وما ظنناه فشلًا قد يفتح إمكانًا جديدًا، وما دفناه باعتباره منتهيًا قد يعود على نحو لم نكن نتوقعه.

وحتى المسيح القائم، في رواية إنجيل يوحنا، لا يمحو من جسده آثار الصلب حين يدعو توما إلى النظر إلى موضع المسامير والطعن (يوحنا 20:27). فالقيامة لا تجعل المصلوب شخصًا آخر، ولا تلغي حقيقة ما جرى له.

ربما لهذا لا ينبغي أن نسأل الكتاب المقدس أولًا: ماذا يقول لي؟ فالسؤال بهذه الصيغة قد يجعلنا نبحث عن منفعة شخصية، أو اقتباس مناسب، أو إجابة سريعة. السؤال الأصعب هو: ماذا يفعل بي هذا الكتاب حين لا يسمح لي أن أبقى الشخص الذي كنت أظنه؟

إنه يأخذ الإله الذي صنعناه على صورتنا، ويدفعه بعيدًا. يأخذ الإنسان الذي زيّنّاه بالأعذار، ويضعه أمام أخيه. يأخذ الألم الذي أردنا تفسيره، ويطلب منا قبل ذلك أن نصغي إليه. يأخذ الموت الذي حسبناه نهاية الكلام، ويترك في قلب الصمت احتمالًا لا يشبه أي احتمال آخر.

لهذا بقي الكتاب المقدس حيًا؛ لا لأنه كتاب سهل، ولا لأنه يحمينا من الأسئلة، ولا لأنه يقدّم لنا عالمًا مرتبًا لا يتعثر فيه الأبرياء. بقي لأنه يعرف أن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى كتاب يجيبه، بل إلى كتاب يمنعه من الكذب على نفسه.

وكلما أغلقناه، ظننا أننا انتهينا منه، ثم اكتشفنا أن صفحةً واحدة بقيت مفتوحة في داخلنا: صفحة تسألنا، من دون أن ترفع صوتها:
أين أخوك؟