سامي سمعان
حذر الدكتور سامح فوزي، كبير الباحثين بمكتبة الإسكندرية، من تصاعد السجالات الدينية والعقائدية على مواقع التواصل الاجتماعي، مؤكدًا أن الخطابات التي تتضمن استعلاءً على معتقدات الآخرين أو سخرية منها تمثل خطرًا على التماسك المجتمعي، وتفتح الباب أمام الانقسامات والكراهية بين المواطنين.
وقال فوزي، خلال حديثه ببرنامج «آخر الأسبوع» المذاع على قناة «مي سات»، إن المجتمع يشهد حالة من الاحتقان والغضب بسبب بعض النقاشات العقائدية الملتهبة بين مسلمين ومسيحيين على مواقع التواصل الاجتماعي، مشيرًا إلى أن موجة الجدل الأخيرة جاءت عقب تصريحات الداعية الإسلامي هيثم طلعت غضبا واسعا، بعد وصفه الديانات الأخرى بـ"الزبالات"، خلال مناظرة مع شخص ملحد أدارها الفنان عمرو عبد الجليل، حيث قال طلعت:" الإسلام هو الدين الوحيد في الأرض والباقي شوية "زبالات" وشرك ووثنيات وإلحاد، اتسمت بالاستعلاء والاستهزاء بالأديان والمعتقدات السابقة للإسلام، والتأكيد على أن الإسلام هو الدين الوحيد الصحيح.
وأوضح أن هذه التصريحات أثارت غضب قطاعات واسعة من الرأي العام، من المسلمين والمسيحيين على حد سواء، لافتًا إلى أنه قرأ تعليقات كثيرة لمسلمين انتقدوا هذا الطرح وأسلوب مخاطبة أصحاب المعتقدات الأخرى.
وشدد كبير الباحثين بمكتبة الإسكندرية على أن من حق كل إنسان الدفاع عن معتقده والإيمان بأنه الأفضل، لكن ليس من حقه الطعن في معتقدات الآخرين أو السخرية منها أو التقليل من شأنها، مؤكدًا أن احترام المعتقدات يجب أن يشمل الجميع، دون تمييز بين دين وآخر.
وأضاف أن مثل هذه الخطابات لا تتناسب مع طبيعة المجتمعات التي تقوم على التعددية والتنوع، وتضم مواطنين عاشوا معًا قرونًا طويلة في إطار من الانسجام والتفاعل والتعاون، محذرًا من أن تداول هذه التصريحات على مواقع التواصل يجعلها وكأنها نموذج يُحتذى به، ويشجع بعض المتابعين على الإساءة إلى عقائد الآخرين.
وأشار فوزي إلى أن خطورة الأمر لا تتوقف عند حدود مواقع التواصل الاجتماعي، باعتبارها مجرد مساحة للتعبير عن المشاعر، وإنما تمتد آثارها إلى الواقع العملي والعلاقات الإنسانية بين الناس، وقد تؤدي إلى إحداث شروخ وانقسامات يصعب احتواؤها.
واستشهد بنماذج من العلاقات الإنسانية التي تعكس الاحترام المتبادل بين أصحاب المعتقدات المختلفة، موضحًا أنه يحرص على تهنئة أصدقائه عند عودتهم من الحج أو العمرة، كما أعرب عن سعادته وتقديره لزميلته الدكتورة الشيماء الدمرداش العقالي، بعدما أرسلت إليه مقطع فيديو من الأراضي المقدسة تخبره فيه بأنها تذكرته في دعائها.
وأكد أن هذه المواقف تعبر عن المعنى الحقيقي للعلاقات الإنسانية، موضحًا أن احترام معتقدات الآخرين لا يعني بالضرورة الموافقة عليها أو تبنيها، وإنما يعني احترام حق كل إنسان في ممارسة شعائره والتمسك بإيمانه دون تعرض للإهانة أو السخرية.
وانتقد فوزي تدخل البعض في المناسبات الدينية الخاصة بالآخرين، مثل تهنئة أسرة مسيحية بتعميد طفلها، معتبرًا أن من لا تعنيه المناسبة يمكنه ببساطة عدم التعليق عليها، بدلًا من توجيه عبارات مسيئة أو مهاجمة معتقدات الأسرة.
وتساءل: هل تكون نصرة الدين بإهانة الآخرين؟، مشددًا على أن الإساءة إلى معتقدات الغير لا تحقق أي هدف ديني، بل تسهم في نشر التعصب والكراهية، وتدفع المواطنين إلى تبني مشاعر سلبية تجاه جيرانهم وأصدقائهم المختلفين معهم في العقيدة.
ولفت إلى أن بعض التيارات الدينية ذات الأهداف السياسية تسعى إلى استغلال التعصب الديني وتكوين جماعات اجتماعية متشددة، بهدف توظيفها لتحقيق مكاسب سياسية، مشيرًا إلى أن ضحايا هذه المشروعات هم في النهاية عامة الناس الذين تتأثر علاقاتهم الإنسانية والاجتماعية بخطابات التحريض والطائفية.
ودعا فوزي إلى ضرورة مواجهة هذه الظاهرة من خلال ضبط الخطاب الديني والإعلامي، واحترام المصطلحات، وتطبيق القانون على كل من يعتدي على معتقدات الآخرين أو يحرض على الكراهية، مؤكدًا أهمية تحمل المؤسسات الدينية، بمختلف توجهاتها، مسؤوليتها في تصحيح الخطابات المتطرفة ومواجهة الإساءة إلى الأديان والمعتقدات.
كما طالب الهيئات الإعلامية المسؤولة بمنع توظيف المنابر والبرامج الإعلامية والصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي في نشر الكراهية الدينية أو النيل من معتقدات الآخرين.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن مصر تحتاج في هذه المرحلة إلى تعزيز التماسك الوطني والتكاتف والعمل من أجل التنمية، بدلًا من إهدار الجهد في المساجلات الدينية والعقائدية، مشددًا على أن التاريخ الطويل من العلاقات الإسلامية المسيحية في مصر يستحق خطابًا أكثر احترامًا ووعيًا، وأن المجتمع في حاجة إلى الالتقاء والتعاون والتفاعل بين جميع المواطنين لمواجهة التحديات.





