د.ماجد عزت إسرائيل
الإسكندرية ليست مجرد مدينة تطل على البحر المتوسط، بل مدينة تختزن بين شوارعها وأعماق أرضها صفحات من تاريخ مصر الديني والحضاري والعمراني، لا يزال الكثير منها مجهولًا حتى اليوم. فمن الإسكندرية، وبحسب التقليد الكنسي، بدأ القديس مرقس الرسول بشارته بالمسيحية في مصر خلال القرن الأول الميلادي، ومنها نشأت الكنيسة الإسكندرية التي أصبحت أحد أهم مراكز المسيحية في العالم القديم، ومنطلقًا لانتشار الإيمان المسيحي في أنحاء مصر، وامتد تأثيرها الروحي واللاهوتي إلى مناطق واسعة من أفريقيا.
وشهدت المدينة قيام مدارس لاهوتية وكنائس وأديرة ومؤسسات دينية عظيمة، وارتبط اسمها بكبار آباء الكنيسة، وفي مقدمتهم القديس أثناسيوس الرسولي والقديس كيرلس الكبير، فكانت الإسكندرية مركزًا للفكر المسيحي والدفاع عن العقيدة طوال قرون.ولكن الإسكندرية التي نعرفها اليوم لا تمثل سوى جزء من صورتها التاريخية القديمة؛ فقد تعرضت عبر العصور لزلازل وتغيرات في مستوى سطح البحر وهبوط بعض المناطق الساحلية، إلى جانب التحولات العمرانية المتلاحقة، ما أدى إلى غمر أجزاء من المدينة القديمة واختفاء أو اندثار الكثير من معالمها، ومنها شواهد مرتبطة بمراحل تاريخها المسيحي.
ولا يعني اختفاء هذه المعالم زوال تاريخها؛ فما زالت المصادر التاريخية والشواهد الأثرية والكتابات الكنسية تحفظ لنا جوانب مهمة من تاريخ المسيحية المبكر في المدينة.
ومن أسرار الإسكندرية المدهشة أيضًا ذلك العالم الهندسي الخفي الذي كان يمتد تحت شوارعها ومنازلها: عالم الصهاريج المائية. فعلى الرغم من وقوع الإسكندرية على ساحل البحر المتوسط، فإن الحصول على المياه العذبة ظل واحدًا من أكبر التحديات التي واجهت سكانها طوال قرون، بسبب بعدها عن المجرى الرئيسي لنهر النيل، وملوحة المياه المحيطة بها. ولهذا اعتمدت المدينة على منظومة هندسية دقيقة لنقل مياه النيل عبر القنوات، ثم توزيعها وتخزينها داخل صهاريج تحت الأرض، لتوفير احتياجات السكان خلال فترات انقطاع الإمدادات أو انخفاض المياه. وعندما وصل علماء ومهندسو الحملة الفرنسية إلى الإسكندرية سنة 1798م، وثقوا في دراساتهم وجود مئات الصهاريج، وأحصوا 308 صهاريج كانت لا تزال مستخدمة آنذاك، بينما تشير التقديرات التاريخية إلى أن عددها كان قد اقترب من 400 صهريج في فترات سابقة.
ولم تكن هذه الصهاريج مجرد خزانات بسيطة، بل منشآت معمارية مدهشة، بعضها يتكون من عدة طوابق تحت الأرض، تحمل أسقفها أعمدة وأقواس متشابكة، واستخدم في بنائها أحيانًا أعمدة جرانيتية وتيجان وقواعد رخامية أُعيد توظيفها من مبانٍ أقدم. ومن أشهر الشواهد الباقية «صهريج النبيه»، الذي يمثل نموذجًا فريدًا للهندسة المائية في الإسكندرية خلال العصور الوسطى. ولم تقتصر الصهاريج على المنشآت العامة؛ فقد كان وجود صهريج لتخزين المياه داخل المنزل أو ملحقًا به من السمات المهمة للحياة السكندرية في مراحل تاريخية مختلفة، حتى أصبحت هذه المنشآت جزءًا أساسيًا من عمارة المدينة واحتياجات سكانها اليومية.
وكانت مشكلة المياه العذبة مرتبطة كذلك بقضايا النظافة والصرف الصحي وسلامة المياه المخزنة، خاصة مع تزايد السكان وتطور المدينة، وهو ما استدعى البحث عن حلول أكثر انتظامًا وأمانًا.ومع حفر ترعة المحمودية في عهد محمد علي باشا خلال القرن التاسع عشر، ثم تطور شبكات تنقية المياه وتوزيعها خلال القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، بدأت الإسكندرية مرحلة جديدة في تاريخ إمداداتها المائية، وتراجع تدريجيًا الاعتماد على الصهاريج القديمة.
وهكذا ارتبط تاريخ الإسكندرية بعنصرين شكّلا جانبًا مهمًا من هويتها عبر القرون: الإيمان الذي انتشر من أرضها، والمياه التي كافح أهلها لتوفيرها وحفظها.إنها مدينة القديس مرقس الرسول، ومدينة العلم واللاهوت، ومدينة الصهاريج والقنوات والعمارة الخفية، التي شهدت تعاقب الحضارات وتغير الأزمنة، لكنها احتفظت بشخصيتها التاريخية الفريدة.
وما زالت الإسكندرية تخفي تحت شوارعها ومبانيها حكايات كثيرة، تنتظر من يبحث عنها ويوثقها ويعيد تقديمها للأجيال الجديدة، قبل أن تضيع شواهد أخرى من ذاكرتها العمرانية والحضارية. فالإسكندرية ليست مدينة نقرأ تاريخها فيما بقي فوق الأرض فحسب، بل مدينة ينبغي أن نبحث عن تاريخها أيضًا فيما اختفى تحت الأرض، وما غمرته مياه البحر، وما احتفظت به الوثائق وذاكرة أهلها.





