د.ماجد عزت إسرائيل
تشهد ألمانيا اليوم السبت، 31 أكتوبر 2026م، تحركات احتجاجية واسعة دعا إليها شباب من الجيل المعروف باسم «الجيل زد» (Gen Z)، تحت شعار «الجيل زد يتولى زمام الأمور» (Gen Z regelt). ومن المقرر تنظيم مظاهرات في أكثر من ثلاثين مدينة ألمانية، في مقدمتها برلين وكولونيا وفرانكفورت وميونيخ، وسط استعدادات أمنية مكثفة ومخاوف من محاولة جماعات متطرفة استغلال الاحتجاجات وإخراجها عن طابعها السلمي. وبحسب البيانات المنشورة على الموقع الإلكتروني للمبادرة، أعلن أكثر من 160 ألف شخص نيتهم المشاركة في الاحتجاجات، وهو رقم يعكس حجم الاهتمام بالحراك، لكنه لا يمثل إحصاءً للحضور الفعلي. وتستعد مدينة كولونيا لاستقبال نحو 15 ألف متظاهر، فيما تتوقع السلطات اضطرابات مرورية وإجراءات أمنية مشددة في عدد من المدن الكبرى.
وتأتي هذه الاحتجاجات تعبيرًا عن تزايد شعور قطاعات من الشباب الألماني بالقلق تجاه مستقبلهم الاقتصادي والاجتماعي، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة، وأزمة السكن، وتحديات النظام التعليمي، وضعف الاستثمارات في المدارس والخدمات العامة، فضلًا عن المخاوف المتعلقة بالتغير المناخي والتوجهات الحكومية بشأن الإنفاق العسكري وإمكانية إعادة العمل بالخدمة العسكرية الإلزامية. ويرى منظمو الاحتجاجات أن الحكومات المتعاقبة لم تمنح قضايا الشباب الاهتمام الكافي، مطالبين بزيادة الإنفاق على التعليم، وتحديث المدارس، وتقليص كثافة الفصول الدراسية، وتحسين فرص الحصول على الخدمات الصحية والنفسية، وضمان حياة كريمة للأجيال الجديدة. كما ينتقدون تخصيص موارد مالية ضخمة للتسلح في الوقت الذي تواجه فيه قطاعات خدمية واجتماعية احتياجات متزايدة. غير أن هذه المطالب، التي تندرج ضمن الحقوق الديمقراطية المشروعة، تتزامن مع تحديات أمنية دفعت السلطات الألمانية إلى رفع مستوى الاستعداد.
فقد أعلنت وزارة الداخلية الاتحادية أن الأجهزة الأمنية تتابع الدعوات المنتشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مشيرة إلى رصد اهتمام بعض الأوساط اليسارية المتطرفة، إلى جانب مجموعات محدودة مرتبطة بالتطرف ذي الصلة بالخارج، بالمشاركة في التعبئة للاحتجاجات. ومع ذلك، أكدت السلطات عدم امتلاكها معلومات محددة تشير إلى التخطيط لأعمال شغب واسعة النطاق، وشددت على ضرورة التمييز بين المتظاهرين السلميين وأي عناصر قد تسعى إلى استغلال التجمعات لممارسة العنف. وتزداد هذه المخاوف في ضوء أحداث العنف والتخريب التي شهدتها احتجاجات في فرنسا وإيطاليا، وما صاحبها من اعتداءات وإحراق ممتلكات، الأمر الذي دفع السلطات الألمانية إلى التنسيق مع الأجهزة الأمنية في البلدين، مع الاستعداد لمنع دخول أشخاص معروفين بنزعتهم إلى العنف عند الحدود إذا استدعت الضرورة ذلك.
وفي ولاية شمال الراين-وستفاليا، حذر وزير الداخلية هربرت رويل، المنتمي إلى حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU)، من محاولة استغلال المظاهرات لنشر الفوضى، مؤكدًا أن الاحتجاج حق مشروع، لكن السلطات لن تتسامح مع أعمال الشغب أو الاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة. وفي برلين، أعلنت الشرطة تعزيز انتشارها بنحو 1500 عنصر إضافي، في إطار الاستعداد للمظاهرات وتزامنها مع احتفالات الهالوين. أما في دورتموند، فأوضحت الشرطة، في بيان أصدرته يوم 30 أكتوبر، أنها لم تتلق حتى ظهر ذلك اليوم إخطارًا رسميًا بتنظيم تجمع في وسط المدينة، لكنها أكدت استمرار مراقبة التطورات واستعداد قواتها للتعامل مع مختلف السيناريوهات.
ومن جانبهم، أعلن القائمون على مبادرة «Gen Z regelt» رفضهم القاطع للعنف والتخريب والعنصرية والتحريض والرموز المناهضة للدستور، مؤكدين أن الاحتجاجات تهدف إلى إيصال صوت الشباب بوسائل سلمية وديمقراطية. كما دعوا المشاركين إلى تجنب الاستفزازات والتعاون مع فرق التنظيم والشرطة. وتطرح هذه التطورات قضية بالغة الأهمية تتجاوز المطالب الاقتصادية والاجتماعية، وتتعلق بمستقبل التعايش والاستقرار داخل المجتمع الألماني، وبقدرة الدولة على حماية حرية التعبير دون السماح باستغلالها من جانب الجماعات المتطرفة.
فألمانيا، التي استقبلت على مدار عقود أعدادًا كبيرة من المهاجرين واللاجئين، ووفرت لكثيرين فرص الأمن والتعليم والعمل والحماية القانونية، تواجه تحديًا مستمرًا يتمثل في تعزيز الاندماج واحترام النظام الدستوري والقيم الديمقراطية المشتركة. ولا يمكن فصل هذا النقاش عن مسؤولية جميع المقيمين على الأراضي الألمانية، سواء كانوا مواطنين أو مهاجرين أو لاجئين، في احترام القانون والحفاظ على الأمن العام والممتلكات العامة والخاصة. فالحريات التي يكفلها الدستور الألماني تمثل ضمانة للجميع، لكنها لا تمنح أي فرد أو جماعة الحق في ممارسة العنف أو فرض الأفكار بالقوة أو تهديد سلامة الآخرين.
وفي الوقت نفسه، تقتضي الأمانة والعدالة عدم تحميل المهاجرين مسؤولية أي اضطرابات محتملة دون أدلة واضحة. فالمشاركة في الاحتجاجات السلمية حق ديمقراطي، كما أن التطرف لا يرتبط بجنسية أو أصل أو ديانة بعينها. والمشكلة الحقيقية تكمن في السلوك المتطرف نفسه، سواء صدر عن جماعات يمينية أو يسارية أو دينية أو غيرها. ومن المهم كذلك التمييز بين اختلاف الثقافات، وهو أمر طبيعي في مجتمع متنوع، وبين رفض القوانين أو تبني أفكار متطرفة تسعى إلى تقويض النظام الديمقراطي. فالتعدد الثقافي لا يمثل بحد ذاته تهديدًا لألمانيا، وإنما ينشأ الخطر عندما تتحول الاختلافات الفكرية إلى ممارسات تقوم على الكراهية أو التحريض أو العنف. إن حماية ألمانيا، باعتبارها دولة ديمقراطية وفرت لملايين البشر فرصًا للحياة الآمنة والكريمة، مسؤولية مشتركة لا تقع على عاتق المؤسسات الأمنية وحدها، بل تشمل جميع أفراد المجتمع. ومن حق الشباب المطالبة بتحسين مستقبلهم، ومن واجب الحكومة الاستماع إلى مطالبهم ومناقشتها بجدية، لكن من واجب الجميع أيضًا حماية السلم الأهلي وعدم السماح بتحويل المطالب المشروعة إلى وسيلة لإشاعة الفوضى.
وستكون المظاهرات اختبارًا مزدوجًا: لقدرة الشباب على التعبير السلمي والمنظم عن مطالبهم، وقدرة الدولة الألمانية على ضمان الحريات الدستورية والتصدي لأي محاولات لاستغلالها في العنف والتخريب.
ويبقى السؤال الأهم: هل تنجح هذه الاحتجاجات في فتح حوار جاد حول مستقبل الشباب والإصلاحات المطلوبة، أم تتمكن بعض الجماعات المتطرفة من حرف مسارها وإضعاف رسالتها؟
إن قوة ألمانيا لا تكمن في اقتصادها ومؤسساتها فحسب، وإنما في سيادة القانون، وحماية الحقوق والحريات، وقدرتها على الجمع بين التنوع المجتمعي والمسؤولية المشتركة. والحفاظ على هذه المقومات هو الضمان الحقيقي لاستمرار أمن البلاد واستقرارها ومستقبل أجيالها القادمة.




