هاني لبيب
أعتقد أن المشكلة بدقة ليست فى أن يختلف الناس حول الدين، وليست فى تمسُّك أى إنسان بعقيدته التى يراها المطلق الحقيقى الوحيد، وإنما فى تحويل الاختلاف إلى إهانة وازدراء وكراهية. فى مقالى السابق «كاهن الإكوادور وهانى رمزى.. الدين.. اختبار للكراهية أم للإنسانية؟!» المنشور بجريدة «المصرى اليوم»، فى ٢٣ أكتوبر ٢٠٢٦، تعرّضت لسؤال الدين بوصفه اختبارًا للإنسانية.. وبعد عدة أيام خرج علينا «هيثم طلعت» فى مناظرة أدارها الفنان «عمرو عبدالجليل»، وانتشرت مثل النار فى الهشيم بشكلٍ يبدو موجَّهًا ومنظمًا؛ لما حملته من إساءة لغير الدين الإسلامى، ووصف الأديان الأخرى بكلمات تحضّ على الكراهية والعنصرية والتحريض، سواء للمؤمنين بالأديان السماوية، أو لمن لا يؤمنون بها.

هذه المناظرة تستدعى السؤال: هل نحن مع حق الإنسان فى الاعتقاد، أم نتمسك به فقط لأنفسنا وننكره على غيرنا المختلف معنا؟! لا أدافع نهائيًّا عن إهانة أى عقيدة، ولا أن تتحول مواجهة الإساءة إلى مبرر لإساءة مضادة. وعبورًا فوق ما حدث، أجد أن أخطر ما حدث هو ما حملته التعليقات بشكل جاوز المدى؛ الأزمة هنا انتقلت من الجدل حول عبارات محددة إلى ساحة لتبادل الإهانة والكراهية.. تعليقات ترفض إهانة المسيحية، ولكنها تستخدم كلمات مهينة للشيوخ والدعاة.. وهناك من يدافع عن الإسلام، ولكنه يتعامل باستهتار مع حقوق أصحاب المعتقدات المختلفة فى الاعتراض.. وهناك من يطالب بتطبيق القانون، ولكنه لا يرى مشكلة فى ازدراء مَن يختلف معه دينيًّا وفكريًّا.

بكل تأكيد، لا أصنّف جميع التعليقات تحت اتجاه واحد، فالتعليقات متنوعة بين الدرجات المتباينة فى الكراهية؛ لذا أرفض تجاهلها لدلالاتها الخطيرة؛ لأن مَن يطالب باحترام دينه ثم يبرر إهانة الأديان المختلفة عنه لا يدافع عن مبدأ بقدر ما يحافظ على امتياز شخصى لنفسه، كما نجد مَن يحوّل الاعتراض على الفكر الدينى إلى هجوم على الإسلام، أو يتبنى نقد الشيوخ والدعاة كسبيل للهجوم على المتدينين.

ينص الدستور المصرى فى المادة ٥٣ على المساواة أمام القانون وحظر التمييز، كما يعتبر التمييز والتحريض على الكراهية جريمة. وتقر المادة ٦٤ بحرية الاعتقاد، وهو ما يعنى أن حق أى إنسان فى الاعتقاد لا يقترن بموافقة الأغلبية. وبالتالى، من حق المواطن المسلم المصرى أن يؤمن بأن الإسلام هو الحق، ومن حق المواطن المسيحى المصرى أن يتمسك بإيمانه، ومن حق الملحد أيضًا أن يعبر عن عدم اقتناعه بالأديان من الأصل. لا يوجد ما يلزم أى مؤمن بالتخلى عن قناعاته الدينية، ولكن عليه أن يحترم المختلف دينيًّا معه.

هناك فارق جوهرى بين الدفاع عن صحة العقيدة، واحتقار مَن لا يؤمن بها ويعتنقها. حرية الاعتقاد هنا تعنى أن يتمسك كل منا بما يؤمن به دون أن يملك سلطة الانتقاص ممن لا يؤمن به، مع مراعاة أن حرية التعبير لا تعنى تحصين الأفكار من النقد، أو تبرير إهانة أتباع الأديان أو التحريض ضدهم.. وننبه هنا لأهمية التمييز بين نقد العقائد الدينية، والتحريض على التمييز ضد أتباعها. لا أهتم هنا بإدانة هيثم طلعت، ولكن يهمنى أن تخضع البلاغات المقدمة ضده أو ضد غيره من أتباع أى دين للتحقيق من الجهات المعنية لاتخاذ إجراءات رادعة ضد من يعبث بشكل مخطط فى استقرار هذا الوطن وسلامة مواطنيه.

أكرر ما كتبته كثيرًا: أرفض أى خطاب يحطّ من الكرامة الإنسانية لأصحاب أى دين أو عقيدة أو من غير المؤمنين بالأديان. كما أرفض استخدام هذه الأزمة لإهانة أتباع المسيحية أو الإسلام أو الملحدين فى تعميم مخلّ بالفكرة والمضمون. وأرفض أن تصبح الإهانة والكراهية مقبولتين تحت الشعار المفخخ فى الدفاع عن الدين، أو أن تتحول دعوات التحقيق والتجريم والمحاسبة إلى إدانة سابقة التجهيز، والأهم الذى أرفضه هو استخدام القانون لتصفية الحسابات سواء الشخصية أو غيرها، فضلًا عن الشماتة والتحريض المصاحب لتلك التصفية.

ما أتمناه هو أن يملك مجتمعنا المصرى القدرة على التعامل مع الاختلاف دون خوف أو إكراه أو احتقار، مجتمع لا يطلب أو يجبر أى إنسان على التخلى عن عقيدته الإيمانية، ولا يسمح له فى المقابل باستخدامها سببًا لانتقاص كرامة المختلف معه. الدين هنا ليس رخصة متاحة لإهانة أى إنسان، كما أن حرية التعبير ليست رخصة دون ضوابط للتحريض عليه، ولن يكون القانون أداة لكل مغرض لتصفية الحسابات.

نقطة ومن أول السطر..
فى اعتقادى الشخصى، لا تكمن خطورة أزمة هيثم طلعت فى محتوى تصريحاته فحسب، بل فى استعداد البعض لبث الكراهية ونشرها ما دامت تخدم أهدافهم ومواقفهم، ورفضها فقط فى حالة استهدافهم.

لن تنتهى الأزمة بالسؤال الساذج: مَن انتصر فى المناظرة، ومَن خسر؟ بل بالاختبار الأهم للمواطنة والإنسانية: هل نحترم فعليًّا حق المختلف فى التعبير والاعتقاد، أم أننا نستدعى إعادة إنتاج التطرف والتعصب والطائفية مع تغيير أسماء أطرافها المعنيين؟ أين الاستحقاق الدستورى المعطَّل طبقًا للمادة ٥٣ «مفوضية منع ومكافحة التمييز»؟!.
نقلا عن المصرى اليوم