الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
«مشكلة الله»... حين يصمت الفيلسوف أمام السرّ
عزيزي الدكتور زكريّا إبراهيم،
أكتب إليك بعد نصف قرنٍ على رحيلك، ولا أدري إن كان يحقّ لي أن أعاتبك لأنّك تركتَ لنا كلّ هذه المشكلات الفلسفيّة من دون أن تساعدنا على حلّها! لقد اقتنيتُ جميع أجزاء سلسلتك الشهيرة «مشكلات فلسفيّة»، وكتابك «دراسات في الفلسفة المعاصرة»، وكم تمنّيتُ لو أطال الله عمرك لتكتب لنا جزءه الثاني.
تعرّفتُ إليك أثناء دراستي الفلسفة في إكليريكيّة الأقباط الكاثوليك. لم تكن سلسلتك تاريخًا نظاميًّا للفلسفة، يتناول الفلاسفة واحدًا فواحدًا وفق ترتيب زمنيّ، كما فعل يوسف كرم، بل اخترتَ أن تنطلق من المشكلة الفلسفيّة نفسها، وتستدعي الفلاسفة من عصورهم المختلفة ليتحاوروا حولها. أعجبتني هذه الطريقة، وتعلّمتُ منها أنّ أسئلة الإنسان أقدم من أسماء الفلاسفة، وأنّنا كنّا نحبّ ونتألّم ونخاف الموت ونسأل عن الله قبل أن نتعلّم الفلسفة.
وبالمناسبة، أتذكّر أنّني رأيتُ في نهاية إحدى طبعات سلسلتك إعلانًا عن كتاب «سيصدر قريبًا» بعنوان «مشكلة الله». بحثتُ عنه طويلًا ولم أجده. وتساءلتُ: هل أدركتْك المنيّة قبل أن تنتهي منه؟ أم أنّ «مشكلة الله» سبّبتْ مشكلةً لبعض البشر، فقرّروا منع الكتاب؟ وربّما تعثّر نشره بسبب الرقابة! يا للمفارقة، يستطيع الفيلسوف أن يناقش وجود الله، لكنّه قد يعجز عن إقناع موظّف بالسماح له بنشر مناقشته!
في مادّة «مسألة الإنسان»، قرأتُ بعناية كتابك «مشكلة الإنسان» ثمّ «مشكلة الحبّ» و«مشكلة الحياة»، وبعدها «مشكلة الفلسفة» و«مشكلة الفنّ» و«مشكلة البنية». لم تكن هذه الموضوعات سهلةً على طالبٍ في بداية دراسته، لكنّك امتلكتَ موهبةً نادرة في الكتابة العربيّة، وأسلوبًا أدبيًّا رشيقًا، ومعرفةً غزيرة بالأدب الفرنسيّ بشكلٍ خاصّ والإنجليزيّ والألمانيّ. وأتذكّر أنّك حين كنتَ تناقش مسألةً فلسفيّة من خلال شخصيّة روائيّة، كنتُ أبحث عن ترجمةٍ عربيّة للرواية لأقرأها بعينٍ فلسفيّة. فقد جئتُ من عالمٍ اعتدتُ فيه قراءة الروايات كما نسمع الحواديت قبل النوم: نفرح للبطل، ونحزن لموت الحبيب، ثمّ نغلق الكتاب وننام! أمّا معك فاكتشفتُ أنّ الرواية قد تكشف عن مأزق الوجود الإنسانيّ أكثر من صفحات طويلة من الشروح النظريّة.
وفي السنة الثانية من دراستي الفلسفة كتبتُ بحثًا بعنوان «الموت عند زكريّا إبراهيم». كان بحثًا متواضعًا، وأظنّ أنّك لو قرأتَه لابتسمتَ لطالبٍ صغير يناقش فيلسوفًا في الموت، وهو لم يزل في بداية اكتشاف الحياة! لكنّني تعلّمتُ منك كثيرًا، خصوصًا أنّ التفكير في الموت قد يكون سبيلًا إلى فهم الحياة نفسها. وعرفتُ لاحقًا أنّك رحلتَ فجأةً في المغرب، في ١٩٧٦، قبل أن تبلغ الثانية والخمسين، بعدما درستَ الفلسفة في القاهرة، ثمّ في السوربون، حيث أنجزتَ أطروحتك عن الفيلسوف الأمريكيّ وليم أرنست هوكنج، ودرّستَ في جامعاتٍ عربيّة عدّة. وكأنّ الموت الذي تأمّلتَه فلسفيًّا جاء ليقطع عليك التفكير فيه قبل أن تقول كلمتك الأخيرة!
ولم أكن أعرف عن حياتك إلّا القليل؛ كان الإنترنت محدود الانتشار، وكنتُ أعرف كتبك أكثر ممّا أعرف صاحبها. ولا أخفيك أنّني اكتشفتُ متأخّرًا أنّك كنتَ مسيحيًّا! والمفارقة أنّني كنتُ أشعر دائمًا في كتاباتك بإيمان رجلٍ يحبّ الحياة والفلسفة والأبديّة، ويتمتّع بأخلاق رفيعة وعمق روحيّ، لكنّني لم أكن أعرف عقيدتك. اعذرني على اعتراف محرج: كنتُ أظنّ أنّ الكاتب المسيحيّ، حين يتناول الحياة والموت والله، لن يقاوم إغراء الوعظ، وسيجد فرصةً ليُلقّن قارئه درسًا في الروحانيّة، وربّما أضاف إليه شيئًا من الدروشة الدينيّة التي تُغلق الأسئلة قبل أن تبدأ! والحمد لله أنّك كنتَ بعيدًا كلّ البعد عن ذلك.
كانت لغتك لغة الفيلسوف الذي يحترم عقل قارئه وحرّيّته؛ لا يفرض رأيًا، ولا يعرض إيمانه بطرائق رخيصة، ولا يستغلّ قلق الإنسان ليقدّم له إجابات جاهزة. كنتَ تروي وتناقش وتتساءل، وتترك قارئك يحمل همّ التفكير ومسؤوليّته، من دون أن يعرف بالضرورة ما عقيدتك. وبعد سنوات، حين انتميتُ إلى الرهبنة الدومنيكانيّة، وجدتُ لدى إخوتي ما ساعدني على فهم الدرس الذي كنتَ قد علّمتنيه من غير أن أدري: الحقيقة قادرة على أن تشهد لذاتها، واحترام عقل الإنسان وحرّيّته جزء من احترام الحقيقة نفسها.
لكنّني فوجئتُ، حين قرأتُ مؤخرًا عن حياتك، بأنّ الفيلسوف الذي عرفتُه من كتب «المشكلات» كان قد كتب في شبابه مقالاتٍ لاهوتيّةً وروحيّة في مجلّة «اليقظة»، منها «مشكلة الجبر والاختيار في المسيحيّة» عام ١٩٤١، ومقال بعنوان «الله» عام ١٩٤٢. ثمّ شاركتَ في مجلّة «مدارس الأحد» منذ تأسيسها عام ١٩٤٧، وكتبتَ عن أغوسطينوس، وقدسيّة الزواج، والإصلاح الكنسيّ، وأصنام العصر الحديث، وحاجتنا إلى ثقافة روحيّة. وعرفتُ أنّك كنتَ من تلاميذ حبيب جرجس، وأنّك زاملتَ في دراستك الجامعيّة وهيب عطا الله جرجس، الذي صار فيما بعد الأنبا غريغوريوس. يا للمفاجأة! يبدو أنّني كنتُ أقرأ للفيلسوف، ولم أكن أعرف اللاهوتيّ الذي يسكنه!
وأتذكر أنّي وجدتُ مصادفةً مقالك «حاجتنا إلى ثقافة روحيّة»، المنشور عام ١٩٤٩، حين دعوتَ إلى نهضة في النشر الدينيّ تجمع بين قوّة الإقناع وجمال الأسلوب، وتساعد الشباب على فهم المسيحيّة. وأتمنّى أن أجد باقي مقالاتك، وما كتبتَه في «مذكّرات قبطيّ في باريس» عام ١٩٥١ عن فتور صلاتك، وعن بحث فلسفيّ أعاد إليك التفكير في معناها، وعن رجائك في صلاة الآخرين من أجلك.
وقرأتُ ذات يومٍ للدكتور محمد الجوادي مقالًا عنك بعنوان «الأستاذ الذي كسبته الفلسفة وخسرته الكنيسة». وأعجبني العنوان، لكنّني لم أتّفق معه تمامًا. فالكنيسة لم تخسرك بالضرورة حين ربحتك الفلسفة؛ لعلّك خدمتَ الإيمان بطريقتك، حين أريتَ القارئ أنّ المسيحيّ يستطيع أن يفكّر بحرّيّة، وأن يحاور الآخرين من دون أن يجعل من عقيدته وصايةً على عقولهم. ومع ذلك، يحزنني أنّ مقالاتك الكنسيّة بقيت متناثرةً في مجلّات قديمة، وأنّ كثيرين ممّن قرأوا كتبك، مثلي، لا يعرفون هذا الوجه من حياتك. ألا تستحقّ هذه الكتابات أن تُجمع وتُنشر من جديد؟
ومع مرور السنوات، أدركتُ أنّك كنتَ من الذين جعلوا الفلسفة جزءًا من الثقافة العربيّة العامّة. كتبتَ أكثر من خمسة وثلاثين عملًا، وانتقلتَ بين الفلسفة وعلم النفس والفنّ والأدب، بل خصّصتَ كتابًا للفكاهة والضحك. ولعلّ هذا ما أحببتُه فيك: لم تكن فيلسوفًا متجهّمًا يخاصم الحياة، بل إنسانًا يحاول فهمها بكلّ ما فيها من حبّ وقلق وجمال وموت وضحك. وإن كان لي أن أعاتبك قليلًا، فلأنّك كنتَ بارعًا في عرض آراء الفلاسفة، حتى إنّني كنتُ أحيانًا أنتهي من القراءة وأسأل: وأنت يا دكتور زكريّا، ماذا تقول أنت؟ ربّما كنتَ تريد أن تترك لي حرّيّة تكوين موقفي، لكنّني كنتُ أحبّ أحيانًا أن أسمع صوتك بعد كلّ تلك الأصوات.
عزيزي الدكتور زكريّا،
لطالما تمنّيتُ أن أعرف ماذا كنتَ ستكتب في كتابك الغائب «مشكلة الله». لكنّني أفكّر اليوم في أنّني، إذا التقيتُ بك يومًا في الأبديّة، فلعلّني لن أسألك عن المخطوط ولا عن أسباب اختفائه. سأجلس إلى جوارك، كما يجلس التلميذ إلى أستاذه، وأسألك سؤالًا واحدًا: حدّثني عن الله يا دكتور زكريّا، بعدما انتقلتَ من معرفته بوصفه سؤالًا للعقل إلى حضرته بوصفه سرًّا للوجود، ماذا كشفت لك المحبّة عن الله ممّا عجزت الفلسفة عن بلوغه؟
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ





