محرر الأقباط متحدون
في مداخلة افتتاحية لمؤتمر دولي استعرض الكاردينال بارولين موقف الكرسي الرسولي من أنظمة القرن العشرين الشمولية، وذلك خلال حبريات البابوات من بيوس الحادي عشر حتى يوحنا بولس الثاني.

افتتح أمين سر دولة حاضرة الفاتيكان الكاردينال بييترو بارولين صباح الأربعاء ٢٨ تشرين الأول أكتوبر في جامعة غريغوريانا الحبرية مؤتمرا دوليا بعنوان "الكرسي الرسولي أمام الأنظمة الشمولية في القرن العشرين. نظرات وأفاق بحث جديدة". وأشار في بداية كلمته إلى أنظمة مثل تلك الشيوعية أو الفاشية أصبحت تنتمي اليوم إلى الماضي، إلا أن هذا لا ينطبق على الظاهرة في حد ذاتها والتي تنطلق من الميل البشري إلى الرغبة في الكون مثل الله حسبما ذكر، أي رغبة البعض في أن يتحكموا في أسلوب عيش وتفكير الإنسانية وفرض قناعاتهم الإيديولوجية.

وتابع أن هذه النزعة والتي يرمز إليها الكتاب المقدس في برج بابل قد تحدث عنها البابا لاوُن الرابع عشر في الرسالة العامة "الإنسانية الرائعة" مشيرا إلى أن الحرية والديمقراطية لا يعيشان على القواعد والإجراءات فقط بل من خلال علاقة أمينة للتوجه نحو خير الأشخاص والمجتمع، أي في أمانة للحقيقة.

هذا واستعرض أمين السر في مداخلته مواقف الكرسي الر سولي إزاء أنظمة القرن العشرين الشمولية خلال حبريات البابوات من بيوس الحادي عشر حتى يوحنا بولس الثاني. وعاد إلى نشأة هذه الأنظمة التي كانت تَعد بتحقيق يوتوبيا اجتماعية في العالم تغذيها علمنة استبعدت الدين من المجال العام ولم تعد تحترم الله باعتباره مركز التاريخ وسلطتها الأعلى، واستبدلت الله بالإنسان حسبما ذكر الكاردينال بارولين والذي تابع ان هذه الأنظمة برفعها الطبقة الاجتماعية والعرق أو الدولة إلى المذبح بدلا من الله قد منحت قدسية لمفاهيمها الإيديولوجية وأفسحت المجال لما وصفها بأديان سياسية لها ليتورجيتها وأنبياؤها وشهداؤها وقواعدها الأخلاقية. وشدد نيافته على أن الإيديولوجيات ذات الطابع الديني الزائف هذا مثل الشيوعية والاشتراكية القومية كانت في تناقض لا يمكن إصلاحه مع المسيحية وأطلقت منذ بداياتها حملات اضطهاد ضد الكنيسة الكاثوليكية.

وفي استعراضه للحبريات المتتالية أشار أمين السر أولا إلى محاولة البابا بيوس الحادي عشر حماية الكاثوليك الأوروبيين باختياره أولا طريق الاتفاق وذلك مع الاتحاد السوفييتي وإيطاليا الفاشية والمانيا النازية، ولم تستمر سوى العلاقات مع إيطاليا والتي أصبحت ضعيفة، إلا أن البابا أصدر سنة ١٩٣٧ ثلاث رسائل عامة أدان فيها النازية والشيوعية والنظام الاشتراكي الليبرالي المعادي للكاثوليكية في المكسيك. وقد أوضح البابا حسبما تابع الكاردينال بارولين أن هذه التوجهات تنطلق من المادية ذاتها التي تَدَّعي، وبإنكارها لله، القدرة على حمل العالم إلى خلاص جديد من خلال وسائل ثورية إنسانية.

هذا وحافظ الحبر الأعظم التالي البابا بيوس الثاني عشر على هذه النظرة، قال الكاردينال بارولين مضيفا أن البابا قد أشار في رسالته العامة الأولى Summi Pontificatus ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية إلى السبب الأساسي لهذا النزاع، وهو انفصال المجتمع عن عقيدة المسيح والتي كانت قد منحت في السابق أوروبا تلاحما. وشدد البابا على ضرورة العودة إلى نظام تطبعه القيم المسيحية.

وفي حديثه عن البابا يوحنا الثالث والعشرين أشار أمين السر إلى المحاولات التي لم يُكتب لها النجاح للوساطة بين الأطراف المتحاربة، محاولات أطلق بعدها البابا ما وصفها الكاردينال بارولين بدبلوماسية محبة غير مسبوقة من خلال تقديم المساعدة للمضطهدين والمعوزين أيا كانوا. كما ووضع يوحنا الثالث والعشرون رؤية برمجية لفترة ما بعد الحرب لضمان سلام عادل ودائم متجذر في الإلهام المسيحي ويقوم على التضامن الدولي واحترام كرامة البشر والحقوق الطبيعية للأشخاص وللأمم بما في ذلك تلك الصغيرة أو التي خسرت في الحرب.

وتابع أمين السر متحدثا عن فترة الحرب الباردة وأشر إلى سعي البابوين يوحنا الثالث والعشرين ثم خلفه بولس السادس خلال هذه المرحلة المعقدة إلى الحوار مع شرق أوروبا وذلك في المقام الأول من أجل ضمان فسحات عيش وعمل أكبر للكنيسة الكاثوليكية في هذه البلدان. وقد انطلقت هذه الدبلوماسية من إمكانية أن تلعب الكنيسة الكاثوليكية دور قوة أخلاقية مستقلة بعيدا عن منطق التكتل.

ثم جاء البابا يوحنا بولس الثاني والذي، وحسبما تابع أمين السر، لم يوقف التحاور مع شرق أوروبا بل ركز طاقته، وانطلاقا من قناعته بضعف الأنظمة الشيوعية، على حشد الضمائر المسيحية وتعزيز الهوية التاريخية والثقافية للشعوب الأوروبية المتجذرة في المسيحية وتجديد وحدة القارة التي عليها التنفس برئتيها، وهو التعبير الشهير للبابا القديس.