أكرم ألفي
هناك بعيداً في ولاية يوكاتان المكسيكية التي تقع في جنوب شرق المكسيك، في شبه جزيرة يوكاتان المطلة على خليج المكسيك، تروى قصة سكانية مثيرة للجدل..
هذه الولاية التي يقطنها نحو 2.5 مليون نسمة كانت تمثل مركز النمو السكاني في المكسيك، فهي منطقة يقطنها سكان محافظين ومتدينين تتمتع بثقافة محافظة وتقليدية للغاية وكانت قبل نصف قرن فقط اغلب أسرها تتكون من 6 افراد على الأقل...
ففي هذه البقعة من المكسيك كانت من تنجب أقل من 4 أطفال في الثمانينيات تعتبر نموذج لقلة الإنجاب، فقد كان معدل الخصوبة بولاية يوكاتان يزيد عن 5 أطفال لكل سيدة قبل نصف قرن فقط.
هبت رياح التغيير سريعاً على هذه المنطقة فقد انهار معدل الخصوبة بها إلى 1.1 طفل لكل سيدة وأصبح من النادر أن تجد سيدة متزوجة حديثاً لديها أكثر من طفلين.
جيل واحد حمل تغيرات دراماتيكية في نمط الإنجاب والزواج، وهنا لم تنجح دعوات الكهنة ورجال الدين والحديث عن أن دور المرأة هو الإنجاب في وقف رياح التغيير، بل أن الصراخ الديني ارتفع مع تسارع رياح التغيير لتصبح هناك معركة "افتراضية" بشأن دور المرأة في هذه الولاية المكسيكية.
التحول الدراماتيكي في يوكاتان يتعمق كل عام، فقد انخفض عدد المواليد 16% خلال 4 سنوات فقط من 2020 إلى 2024.. هنا يتحدثون في يوكاتان عن كيف أن حركات تحرر المرأة هي السبب وكيف أن ابتعاد البنات عن التقاليد وارتداء الأزياء الغربية وتقليد الغرب وعدم خضوع البنت لفكرة أنها أم فقط هو السبب.. ولكن
الحوار في يوكاتان يدور اليوم عن أن الشباب المكسيكي في هذه الولاية أصبح لا يضع الزواج كأولوية وأن تراجع العمل في الزراعة والحرف التقليدية قاد إلى عزوف الشباب عن انجاب المزيد من الأطفال إلى جانب التضخم وارتفاع الطموح لدى الشباب الذكور يدفعهم إلى تاجيل الزواج إلى سن متأخر.
بالطبع فإن الجيل الجديد من البنات في يوكاتان أصبح أكثر تعليماً ويدخل الجامعة وسوق العمل إلى جانب القدرة على الوصول إلى الخدمات الصحية ووسائل تنظيم الحمل كل هذا دفع إلى تحولات دراماتيكية في الولاية المكسيكية.
اليوم في يوكاتان المدارس الابتدائية أصبحت تشهد تراجعاً في عدد الأطفال وانخفض الطلب على معلمي الابتدائية واصبحت الضرورة هي تحويل الانفاق على التعليم الجامعي الذي يشهد طلباً غير مسبوقاً.
يوكاتان تعيش اليوم لحظة التحول، فقد كانت رياح التغيير عاصفة في جيل واحد فقط، فعنما يأتي التغيير في المناطق البعيدة والريفية متأخراً يكون عاصفا وغير متوقعاً وبالتالي تكون الهجمات على فكرة تحرر المرأة كسبب لأزمة الإنجاب أعلى صوتاً..
هل سرحت وكتبت عن مكان أخر أم اني مازلت أكتب عن يوكاتان المكسيكية.. هذا السؤال سألته لنفسي واعتقد أنك صديقي القارئ لو استبدلت يوكاتان بأماكن أخرى ستدرك أنه عالم أصبحت تحولاته في كل بقعة به شبه واحدة وربما متطابقة.. وفي النهاية أنا كتبت قصة يوكاتان المكسيكية!.





