أشرف حلمى
نشر الأب صموئيل فايز فهيم تلميذ المتنيح المطران إيچيديـو سامبيري على صفحته الرئيسية بموقع التواصل الإجتماعي الفيسبوك السيرة الذاتية لأبيه الروحي والأب الروحي لآلاف من أبناء الكنائس والمدارس التى أسسها وخدم بها الذين كانوا ينتظرونها ، حيث كنت سعيداً لدى مشاهدتي هذا المنشور الذى ذكرني بأيام بركة المطران إيجيديو كاهناً وراعياً ومديراً للمدرسة ، كان ينتظرنا كل صباح قبل بدء الدراسة ويوجهنا نحو الكنيسة للصلاة .
وجاء فى منشور الأب صموئيل ما يلي :
نشأته
ولد المطران إيچيديـو سامبيري بمدينة الإسكندرية في الثاني والعشرين من يناير عام 1928 ، لأب إيطالي وأم قبرصية ، وكان يحمل في عروقه ثقافة هذه المدينة الكوزموبوليتانية وتاريخها بأكمله ، حيث تداعت واختلطت عبر القرون شعوب من مختلف الأقاليم، واللغات، والأديان.
لقد ورث المطران إيجيديو عن أبيه طباعاً صلبة ودؤوبة ومكافحة ، كما ورث عن أمه روحاً منفتحة ولطيفة ومتضامنة ، فاكتسب أسلوباً مفعماً بالحيوية والبهجة في الحياة، والاهتمام بالجميع وفي كل شيء.
دعوته الرهبانية
نشأت دعوته الرهبانية الفرنسيسكانية وتفتقت في معهد "دون بوسكو" بالإسكندرية، حيث تلقى تكوينه الثقافي والمسيحي ، وفي ظل خياره المثالي لحياة البساطة والفقر، ظل دوماً منحازاً باهتمام بالغ للشباب، لتعليمهم ومستقبلهم ، وعلى مثال "الأوراتوريو" السالزياني ، كان سباقاً في مصر إلى تأسيس مراكز ورعايا ومدارس للتعليم في شتى الأرجاء، لاستقطاب الأطفال من الشوارع وتنشئتهم تنشئة سليمة.
فرنسيسكاني في كفر الدوار
في عام 1945 التحق الأب إيجيديو بالمعهد الإكليريكي الفرنسيسكانِي بالجيزة ، وكان آنذاك تحت إشراف الآباء الفرنسيسكان التابعين لمقاطعة توسكانا ، وما إن أتم دراساته الفلسفية واللاهوتية وسيم كاهناً في السابع من سبتمبر عام 1952 ، حتى التمس من رؤسائه أن يوضع في خدمة الفقراء في القرى والأحياء الأكثر إقصاءً وتهميشاً. وبعد تجربة رعوية أولى في صعيد مصر ، نراه في كفر الدوار بدلتا النيل ، غير بعيد عن إسكندريته محملاً بمهمة العناية بالرسالة الناشئة "في خدمة الأقباط" ، تلبية لرغبة خاصة من الكرسي الرسولي وكان ذلك في عام 1954 ، حين حط رحاله في كفر الدوار ، لم يجد شيئاً يذكر ، ولا حتى مكاناً يأوي إليه للاستراحة ، وفي البداية استأجر شقة صغيرة ، ثم تبرع له يوناني أرثوذكسي يدعى السيد "براسيناس" بمكان أرحم وأوسع ، وهناك شرع يجمع الأطفال الأوائل ليفتتح بهم المدرسة "مدرسة الآباء الفرنسيسكان " ولاحقاً اضطر للاستقرار في غرفة محاذية لمصنع الثلج المجاور للمدرسة .
بدايات الخدمة الصعبة
كانت البدايات شاقة كشأن كل رسالة وكل مرسل ، إلا أن شظف العيش وقلة الحيلة كان يعوضهما طابعه البشوش والهادئ وبهجته الفرنسيسكانية في عيش الفقر وسط الفقراء ، بيد أن نور المصباح لا يمكن أن يظل حبيس غرفة واحدة ، فمن نوافذ تلك الغرفة الرطبة الملحقة بمصنع الثلج ، لمح الأب إيجيديو أرضاً شاسعة ، وتوسط الأب "فرانسيس"، الصديق العظيم والرفيق في المآثر الرسولية لحراسة الأراضي المقدسة، فاشتراها برعاية الرهبنة الفرنسيسكانية ، ووهبها له ليرى ما سيسفر عنه إبداعه ، وبعون المحبيبن وثقته الفريدة في الله كما جاء بالايه " اطرقوا فيفتح لكم"، بدأ يشيد مدرسته وإلى جوارها أقام حضانة للأطفال ، وبنى قاعة ترفع فيها الصلوات ويجتمع فيها المؤمنون ، فأصبحت واقعياً كنيسة .
انطلاقه في حقل الرسالة
وما إن استتب أمر المدرسة وانطلقت حتى امتطى سيارته العتيقة "فيات 1100" ليبدأ ماراثونه الرسولي ، طارقاً أبواب القرى والعشوائيات ، فكان الأب إيجيديو يفكر في الجميع والأرامل (شغلهن عاملات في المدارس)، والأيتام (ساعدهم على متابعة دراستهم )، والفتيات الأميات (وفر لهن تعليم الخياطة والتطريز ) والفقراء منهن (ساندهن عند حلول ساعة الزواج) ، ولأجل المرضى أنشأ أول مستوصف شعبي في كفر الدوار مستعيناً بأطباء أخصائيين وراهبات ممرضات ، واهتم بتنشيط الدعوات الرهبانية ، فمن إكليريكية كفر الدوار الصغرى تخرج عشرة كهنة فرنسيسكان ولا يزال آخرون حتى الآن على الدرب.
ومن "بوچيا كايانو" (فلورنسا) استدعى خمسة راهبات فرنسيسكانيات "صغيرات القلب المقدس"، فكن له خير معاونات متأججات بحيويته الإنسانية والرسولية، وكوفئن أيضاً بازدهار الدعوات ، كما أعد وصاغ نخبة من الشباب، عهد إليهم بمهمة مواصلة عمله الرسولي والاجتماعي.
تعيين الأب إيجيديو أسقفاً للاتين في مصر
بعد ثلاثة وعشرين عاماً من حياة العمل الرسولي، دعي لإدارة النيابة الرسولية للاتين في مصر ، وسيم أسقفاً في الثلاثين من يونيو عام 1978 بيد البابا يوحنا بولس الثاني ، والتى كانت صدمة له شخصياً ، وعندما زف إليه سفير الفاتيكان النبأ ، كان منهمكاً في إطعام الدجاج بحظائر الدجاج خلف المدرسة ، تساءل قائلاً : "أترون في روما لا يعلمون أنني مجرد فلاح فقير ، أربي الدجاج وأبيع البيض لأنفق على الأطفال الأيتام؟"، فأجابه سفير الفاتيكان ببسمة قائلاً " إنهم يعلمون ذلك جيداً ، ويعلمون غيره أيضاً ، ولهذا السبب يريدونك أسقفاً !".
وهكذا غادر عالمه الصغير في كفر الدوار ، الذي كان يضج ليلاً نهاراً بالأطفال والشباب والعمال والأرامل والشاردين، ليجد نفسه وحيداً في رحاب النيابة الرسولية الفسيحة والمقفرة، الواقعة في شارع سيدي متولي ، خلف بواباتٍ عملاقة لطالما كانت موصدة، وأمام حديقة منمقة حرم فيها من الجري واللعب.
وبعد ليلة أولى بلا نوم ، استأنف مغامرته ، ففتح أبواب ونوافذ القصر البالي التابع لدار النيابة ، وفرض عليه أسلوبه الخاص ، منزل ينبض بالترحيب والضيافة للجميع .
في حقبة شهدت تحولات جذرية في وجه مصر ، بانتقالها من زمن الاستعمار إلى عصر القومية ، أجاد المطران إيجيديو التأقلم مع تلك المتغيرات ، بل شجع الكهنة والرهبان والراهبات على البقاء في ميادين خدمتهم دون أن تفتر عزيمتهم المخاوف ، وذلك عقب نزوح الجالية اللاتينية المزدهرة ، وفي زياراته المتواترة ، كان قريباً من الجميع ، ووجه الدعوة لرهبنيات أخرى للاستقرار في مصر هاتفاً " هناك عمل يكفي الجميع !" ، فوفدت راهبات المحبة للأم تريزا من كلكتا وغيرهن، وشهدت الكنيسة انتعاشة في الدعوات النسائية والرجالية على حد سواء ، ومع جماعة من العلمانيين، تولى إدارة المدارس التي اضطرت بعض المؤسسات لتركها عجزاً عن توفير الكوادر ، وظل دائماً مستعداً لافتتاح غيرها ، وتشابك إيثاره مع المنظمات الدولية والجمعيات الخيرية لحل مشكلات مصر ، فابتكر مشاريع مصغرة للشباب (سيارات أجرة ، محلات ملابس ، ورش، أراضى تستصلح في الصحراء ، مزارع الأرانب والدواجن ).
وواصل على نطاق واسع مد يد العون للمسنين ، والأرامل، وذوي الاحتياجات الخاصة ، والعائلات المتعثرة في السكن ، داعماً للطلاب الجامعيين، ومؤسساً لمراكز استقبال ومدرسة للاجئين السودانيين في مصر ، ولطالما استبطن روح الخدمة الدينية للسياح والمصطافين في البحر الأحمر.
روحه المسكونية
فخبرته العائلية ( إذ كانت أمه من طقس الروم الأرثوذكس ) وخبرته في كفر الدوار وسط الجماعة القبطية ، جعلتاه مرهف الإحساس ومنفتحاً على المسكونية ، وكال دأبه على ترديد عبارة " يجب مساعدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية لتدعيم الوجود المسيحي ، فالوقوف بجانبها يساعدها على أن تصمد" ، وبهذه الروح منح الكنيسة القبطية الأرثوذكسية حق الاستخدام الليتورجي لبعض الكنائس والأماكن المقدسة المهجورة التابعة للنيابة الرسولية.
خادماً للجميع
عاش الأب والمطران إيجيديو في مصر حيث يتعايش المسيحيون والمسلمون جنباً إلى جنب ليشكلوا مجتمعاً فريداً، فأحبه المطران إيجيديو واحترم الجميع بلا استثناء ، وحظي بحب الجميع ومودتهم، وحسب "رجل الله " لأن أصدقاءه المسلمين في كفر الدوار اعتادوا القول عنه " ما يصنعه هذا الرجل لا يقدر عليه إلا رجل الله".
وانتقلت روح المطران إيجيديو المحب للمسيح إلى السماء يو م ٢٧ أغسطس عام 2000 ، عقب فترة 22 عاماً مطراناً ظل فيها علامة رجاء للكنيسة ولمصر .





