هاني صبري - الخبير القانوني والمحامي بالنقض

ظهر الداعية هيثم طلعت في مناظرة علنية بعنوان "مناظرة القرن" جمعته مع شخص يقدم نفسه كملحد، وأدار الحوار الفنان عمرو عبد الجليل، وهي المناظرة التي تم تداول مقاطعها على نطاق واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وخلال تلك المناظرة، صرح المذكور علناً وعلى مسمع ومرأى من الجمهور بالقول: «الإسلام هو الدين الوحيد في الأرض والباقي شوية زبالات وشرك ووثنيات وإلحاد»، وهي العبارة التي أثارت حالة من الضيق والغضب وموجة اعتراضات واسعة لما تحمله من إهانة صريحة لمعتقدات الغير.

ان ما يدعيه المذكور من إدعاءات باطلة يُمثل طعنًا صريحًا في الدين المسيحي دون أي سند، ويشكل جريمة ازدراء الدين المسيحي، وتجاوز الحد المسموح به في الطرح، ويُصنف كهجوم مسيء على الدين المسيحي، ويجب احترام معتقدات الجمهور، لا إثارة الجدل بمعلومات مغلوطة.

إن اتهام المسيحيين بأنهم مشركون مخالف للقرآن والسنة، حيث إنه لا يوجد نص في القرآن الكريم يكفّر أتباع أي ديانة سماوية، وأي ادعاءات بغير ذلك فيها مخالفة لصحيح الدين الإسلامي الحنيف، وفيها إهانة للمسيحيين وازدراء للدين المسيحي. فالمسيحيون ليسوا مشركين لأنهم يعبدون رباً واحداً.

تعريف الشرك في القرآن ورد في صورة النساء الآية ١١٦ " إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا" . الذي نعرفه أن الشرك هو أن أشرك مع الله أي أشياء أخري ، والمسيحيين في كل العالم بكل مذاهبهم وطوائفهم يعبدوا إله واحد .   نحن لسنا في معرض تأصيل فقهي لنشرح له ولكن سوف أرد علي عدم صحة مزاعمه في حق المسيحيين بآية واحدة من القرآن استشهد بما يُؤْمِن به وأدعو سيادته لفهم صحيح الدين ، في سورة العنكبوت الآية ٤٦ " وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ۖ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ "، وهذه الآية محكمة وليست منسوخة وفق تفسير الأمام الطبري وابن زيد وآخرين . وهذه الآية دليل وشهادة علي أداب الحوار في الإسلام ، وشهادة علي التوحيد من أهل الكتاب، وشهادة عن صحة الكتاب المقدس ، وهناك عشرات الآيات في القرآن ، والأحاديث التي تقرر ان أهل الكتاب ليسوا كفاراً وصحة الكتاب المقدس . والكتاب المقدس من أوله إليّ آخره يتكلم عن الوحدانية وردت ٥٢٤٨ آية في الكتاب المقدس تتكلم عن الوحدانية فالمسيحي لا يُؤْمِن بأن الله ثالث ثلاثة ، بل يُؤْمِنوا أن الله واحد وهذا حجر الأساس في العقيدة المسيحية.    

وما يدَّعيه المذكور مخالف إيضاً للقانون ويمثل جرائم استغلال الدين للترويج لأفكار متطرفة بقصد إثارة الفتنة وتحقير وازدراء الدين المسيحي والطوائف المنتمية له ، والإضرار بالوحدة الوطنية وتعكير السلم والأمن العام وسب وقذف للمسيحيين . وأن ما أقترفه المذكور يُعد جريمة ازدراء الدين المسيحي مكتملة الأركان، وهذا ثابت من خلال تصريحه والتعدي بالقول وبطريق العلانية على الدين المسيحي.

ويستفاد ذلك من نص المادة (98 و) من قانون العقوبات، التي تنص على: "يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر ولا تجاوز خمس سنوات أو بغرامة لا تقل عن خمسمائة جنيه، ولا تجاوز ألف جنيه، كل من استغل الدين في الترويج بالقول أو بالكتابة أو بأية وسيلة أخرى لأفكار متطرفة بقصد إثارة الفتنة أو تحقير أو ازدراء أحد الأديان السماوية أو الطوائف المنتمية إليها أو الإضرار بالوحدة الوطنية".

والقانون يعرف جريمة ازدراء الأديان بأنها احتقار الدين، أو أحد رموزه، أو مبادئه الثابتة، أو نقده أو السخرية منه بأي شكل من الأشكال، أو إساءة معاملة معتنقيه، لأن مثل هذه السلوكيات هي التي تثير الفتن.

ومن هنا، فإن الهجوم بأي شكل على كل ما يتعلق بالدين يُعد ازدراء له. والازدراء أو التجديف هو عدم إظهار تقدير أو احترام تجاه شخصيات مقدسة في الديانات الإبراهيمية، أو الاعتداء على قدسية الاعتقاد الديني والإساءة للدين، ومهاجمة العقيدة، والذي يعبر عنه بالتطرف الديني، إما باحتقاره، وإهانة الدين، أو التشدد المخل، وهي الصورة الأكثر انتشارًا.

وجريمة ازدراء الأديان أو بالأحرى استغلال الدين في الترويج لأفكار متطرفة المنصوص عليها في المادة سالفة الذكر تتطلب لتوافرها ركناً مادياً هو الترويج أو التحبيذ بأية وسيلة لأفكار متطرفة تحت ستار مموه أو مضلل من الدين، آخر معنوياً بأن تتجه إرادة الجاني لا إلى مباشرة النشاط الإجرامي وهو الترويج أو التحبيذ فحسب، وإنما أيضا أن تتوافر لديه إرادة تحقيق واقعة غير مشروعة وهى إثارة الفتنة أو تحقير أو ازدراء أحد الأديان السماوية أو الطوائف المنتمية إليها أو السلام الاجتماعي، وذلك طبقا للطعن رقم 41774 لسنة 59 قضائية.

إن حرية الاعتقاد والرأي مكفولة بمقتضى الدستور، إلا أن هذا لا يبيح لمن يجادل في أصول دين من الأديان أن يمتهن حرمته أو يحط من قدره أو يزدريه عن عمد منه. فليس له أن يحتمي من ذلك بحرية الاعتقاد، وإنما تضع مرتكب تلك الجرائم تحت طائلة القانون.

وإن تصريحه أيضاً فيه مخالفة لميثاق الشرف الإعلامي ومدونة السلوك المهني، وغير مسموح له أو لغيره ازدراء الدين المسيحي. 

نحن نحتاج إلى ضبط الأداء الإعلامي، والتدقيق فيما يُقدم للمشاهدين واحترامهم، والالتزام بميثاق الشرف الإعلامي ومدونة السلوك المهني، والبعد عن الأمور التي تحدث أي إثارة أو بلبلة. حيث خالف مثل هذا التصريح كود الأخلاق الذي نص على عدم الطعن في الثوابت الدينية، ومخالفة المادة (16) من لائحة الجزاءات والتي تنص على أن استخدام ألفاظ تؤذي مشاعر الجمهور مخالفة تقتضي توقيع الجزاء على المخالف.

والدستور المصري الصادر في 2014، في المادة 211 منه، أناط بالمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام مسؤولية وضع الضوابط والمعايير اللازمة لضمان التزام الصحافة ووسائل الإعلام بأصول المهنة وأخلاقياتها والحفاظ على مقتضيات الأمن القومي، وأوجب عليه القانون رقم 180 لسنة 2018 اتخاذ الإجراءات المناسبة اللازمة لبلوغ تلك الغايات، وخوَّله من الاختصاصات والسلطات، وأتاح له استخدام العديد من التدابير وتوقيع ما يراه ملائمًا من الجزاءات المعينة له في هذا المقام.

وطبقًا للمادة 211 من الدستور الصادر عام 2014 والمادة (94) من القانون رقم 180 لسنة 2018 بشأن قانون تنظيم الصحافة والإعلام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام واللوائح الصادرة تنفيذا له، فإن هذا التصريح خالف ميثاق الشرف الإعلامي ومدونة السلوك المهني في باب أولاً المبادئ العامة في فقراتها أرقام (2، 4، 6، 9) والتي نصت على التالي:

1- الفقرة رقم 2: احترام القيم المجتمعية وآداب وتقاليد المهنة.
2- الفقرة رقم 4: احترام الوحدة الوطنية.
3- الفقرة رقم 6: احترام الكرامة الإنسانية وعدم الإساءة إلى أي فئة من فئات المجتمع.
4- الفقرة 9: تنص على احترام حقوق الجماهير مستمعين ومشاهدين.

كما تنص الفقرة الثانية في باب الواجبات، على عدم مخالفة الالتزام بالموضوعية في التناول، والتوازن في عرض وجهات النظر، وعدم تغليب المصالح الخاصة على الاعتبارات المهنية.

وبناءً عليه، أناشد السيد الأستاذ المستشار النائب العام بصفته صاحب الاختصاص الأصيل تحريك الدعوى الجنائية ضد الداعية هيثم طلعت والتحقيق معه بتهمة ازدراء الدين المسيحي.

كما أطالب المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، أعمالًا للمادة 94 من القانون رقم 180 لسنة 2018 — وهو المنوط به ضبط الأداء الإعلامي — اتخاذ قرار بإيقاف المذكور عن الظهور الإعلامي، مع إلزام جميع القنوات الفضائية بمنع ظهوره على شاشاتها، وحجب صفحاته وقنواته على كافة مواقع التواصل الاجتماعي، وإحالة الواقعة إلى النيابة العامة للتحقيق معه.

كذلك، نطالب اللجنة العليا لمواجهة الأحداث الطائفية — المشكلة بقرار رئيس الجمهورية رقم ٦٠٢ لسنة ٢٠١٨م — بمواجهة مثل هذه الدعاوى التي تنال من سلامة واستقرار الوطن، وذلك لمنع حدوث حالة من الاحتقان تضر بالمجتمع، ومواجهتها وفقًا للقانون بكل حزم، حفاظًا على الوحدة الوطنية وسلامة وأمن البلاد.