أكرم ألفي
الغضب والتمرد مرادفان لسن الشباب في العالم، وأسباب الغضب تختلف من زمان إلى زمان، ومن مكان إلى مكان. ولكن الإجابة عن سؤال: لماذا يغضب الشباب اليوم؟ هي مسألة محورية لرسم السياسات والنقاش العام، وإلا فسنكون أمام غضب مكتوم قد ينفجر، ونبكي وقتها على «اللبن المسكوب».

إن إنكار غضب الشباب في أي مكان في العالم هو بداية «الجهل السياسي»، فالقاعدة السياسية المعروفة أن افتراض وجود «شباب بلا غضب» هو افتراض وهمي يقود دائمًا إلى الفشل في صياغة السياسات.

بدايةً، فإني أعتقد، بل أجزم، أن جيل «زد» في مصر لا يمثل تهديدًا للاستقرار، بل إن أغلب أبناء هذا الجيل يرفضون خوض مغامرات سياسية، ويعتبرون أنفسهم، بشكل أو بآخر، «حراسًا للاستقرار». ولكن هذا لا يعني أنهم ليسوا غاضبين.

في رواية «الآباء والبنون» لإيفان تورغينيف، حوار كلاسيكي بين الشاب بازاروف وجيل الآباء، ممثلًا في بافل بتروفيتش، بشأن الصدام الفكري وأفكار الشباب الغاضب حول التقدم والفن والعلم والحرية والطبقية في المجتمع، وكيف يُخضع الشباب كافة الأفكار القديمة للنقد والغضب. 

وهذا الحوار دائمًا ما أنصح أصدقائي بقراءته لفهم السياسة، بجانب كتب «الأمير» و«سيكولوجية الجماهير» و«الحرب الأهلية في فرنسا»، بوصفها بداية لفهم العلاقة بين النخب والسياسة في العالم.

إن الشباب في بلدنا غاضب. وهذا مثل القول: «الشمس تشرق من الشرق»، فهي جملة مجردة صحيحة في كل الأزمنة. السؤال هو: لماذا؟

من وجهة نظري، وعبر حوارات مطولة مع الكثير من الشباب في «جيل زد»، فإن أبرز أسباب الغضب هو البحث عن تعليم جامعي أفضل. فهذا الجيل الباحث عن المستقبل يرى أن مساحة التغيير الرئيسية في حياته تتمثل في قدرته على تطوير مهاراته من خلال تعليم جامعي أفضل. وعندما يدخل هؤلاء الشباب الجامعة ولا يجدون تعليمًا يطور مهاراتهم أو مكانًا أفضل للتعلم، فإن الغضب يزداد.

إن جودة التعليم قضية جامعة لغضب «جيل زد» من الطبقتين الوسطى والفقيرة في كافة أنحاء المعمورة. فهذا الجيل يدرك أنه يدخل صراعًا شرسًا مع الذكاء الاصطناعي للحصول على فرصة للعمل والترقي الاجتماعي؛ وبالتالي، فإن التعليم الجامعي وتطوير المهارات يحتلان مركز تفكيره. إنه جيل يدخل الجامعة راغبًا في الحصول على تعليم أفضل، وليس حالمًا، مثل جيلنا، بعالم أفضل.

إن التعامل مع إحباط الشباب الذي تصدّره وسائل التواصل الاجتماعي، من خلال التركيز على الطبقات الغنية وعبثيتها، في مقابل تضييق الخناق على مستقبله عبر الدعاية بأن المستقبل للذكاء الاصطناعي، هو محور الحفاظ على «شعرة معاوية» اللازمة للانخراط في نقاش صحي ودقيق مع جيل «زد» في مصر اليوم.

إن البداية قد تكون بمنح أساتذة الجامعة مرتبات أعلى بكثير، حتى يشعر الطالب الجامعي بالاهتمام، وبأنه قادر على التواصل مع أستاذه؛ فكل إناء ينضح بما فيه، وأستاذ جامعي يعاني من صعوبات الحياة لن يمنح الأمل للطلاب. وبالتالي، فإن تصدير الإحباط في مدرجات الجامعة خطر جسيم علينا تداركه سريعًا.

وبالتوازي، فإن تطوير التعليم الجامعي، ودفع التحديث إلى أبعد نقاطه في المدرجات، والتركيز على التطوير التكنولوجي، سيرسل رسالة أمل وثقة في المستقبل يحتاج إليها شبابنا اليوم، بعيدًا عن أحاديث «المكلمات» الجامعية عن الشعور بالانتماء وضرورة الحديث عن الوطن؛ فالوطن هو المستقبل، وليس الأناشيد، كما يتصور البعض.

إن أدوات احتواء غضب شباب جيل «زد» في مصر تتمثل في زيادة هائلة في الاستثمارات في التعليم الجامعي والجامعات، وإحداث ثورة تعليمية جامعية بعيدًا عن أفكار «الاتحاد الاشتراكي» الخطابية التي عادت عبر البعض؛ فهؤلاء هم الخطر الذي يهدد بفقدان «شعرة معاوية» مع هذا الجيل.
وفي النهاية: «اللهم بلغت، اللهم فاشهد».