حين يسرق التمرير اللانهائي سعادتنا دون أن نشعر

محمد نبيل المصرى
تخيل أنك فتحت هاتفك لمشاهدة مقطع واحد مدته ثلاثون ثانية، فقط لتضحك قليلًا أو تكسر ملل الانتظار. وبعد دقائق، تجد نفسك تشاهد مقطعًا عن قطة ترقص، ثم تحديًا غريبًا، ثم شخصًا يستعرض حياته المثالية، ثم نصيحة نفسية، ثم مقطعًا لا تعرف أصلًا لماذا ظهر أمامك! تنظر إلى الساعة فتكتشف أن نصف ساعة قد اختفت، وربما أكثر. تغلق الهاتف، لكنك لا تشعر بأنك أصبحت أسعد، ولا بأنك تعلمت شيئًا مهمًا، ولا حتى بأنك استمتعت بالقدر الذي يستحق كل هذا الوقت.

والسؤال هنا ليس: لماذا نحب مقاطع الفيديو القصيرة؟ فهذا مفهوم تمامًا؛ إنها سريعة، ومسلية، ومتنوعة، وتمنحنا جرعات متتابعة من الضحك والمفاجأة والفضول. السؤال الأهم هو: ماذا يحدث لنا عندما يتحول هذا الترفيه البسيط إلى عادة تسيطر على أوقاتنا، وتؤثر في علاقاتنا، وربما في شعورنا بالسعادة والرضا عن حياتنا؟

دراسة علمية حديثة نشرتها مجلة The Journal of Psychology عام 2026 تفتح نافذة مهمة لفهم هذا السؤال، وتقدم تفسيرًا يستحق أن نتوقف عنده: قد لا تكون المشكلة في الدقائق التي نقضيها أمام الشاشة وحدها، بل في المسار النفسي الذي يمكن أن يتبعها؛ من الشعور بالوحدة، إلى القلق، وصولًا إلى انخفاض الرضا عن الحياة.

ماذا اكتشف الباحثون؟
الدراسة، التي حملت عنوان «إدمان مقاطع الفيديو القصيرة والرضا عن الحياة: مسارات طولية متتابعة عبر الوحدة والقلق»، أعدها الباحثان توغبا تورك كورتشا ومحمد جان دوغرو، ونُشرت في مجلة The Journal of Psychology، المجلد 160، العدد الثامن، عام 2026.

انطلق الباحثان من ملاحظة بسيطة لكنها مهمة: أصبحت منصات مثل تيك توك وإنستغرام ريلز جزءًا من الحياة اليومية لملايين الأشخاص، لكن فهم آثار الاستخدام الإشكالي لهذه المقاطع على المدى الزمني لا يزال يحتاج إلى مزيد من الدراسات، خصوصًا تلك التي تحاول تفسير كيفية تطور العلاقة بين استخدام المنصات والصحة النفسية.

ولذلك لم يكتف الباحثان بسؤال المشاركين عن مقدار استخدامهم لهذه المنصات في لحظة واحدة، بل تابعا مجموعة من المشاركين عبر فترتين زمنيتين، تفصل بينهما ثلاثة أشهر، بهدف فحص العلاقات المتتابعة بين إدمان مقاطع الفيديو القصيرة، والشعور بالوحدة، والقلق، والرضا عن الحياة.

شارك في الدراسة 234 شخصًا، بلغ متوسط أعمارهم نحو 22 عامًا. واستخدم الباحثان نموذجًا إحصائيًا طوليًا لفحص العلاقات بين المتغيرات عبر الزمن، بما يساعد على فهم ترتيب ظهورها، بدلًا من الاكتفاء بملاحظة أنها تحدث معًا.

وجاءت النتيجة الأساسية لافتة: ارتبط إدمان مقاطع الفيديو القصيرة بزيادة الشعور بالوحدة، ثم ارتبطت الوحدة بارتفاع مستويات القلق، وانتهى هذا المسار بانخفاض الرضا عن الحياة.

بعبارة أبسط، تشير النتائج إلى سلسلة نفسية محتملة: استخدام إشكالي لمقاطع الفيديو القصيرة، ثم شعور أكبر بالوحدة، ثم قلق أكثر، ثم إحساس أقل بالرضا عن الحياة.

لكن من المهم أن نفهم ما تعنيه هذه النتيجة وما لا تعنيه. فالدراسة لا تقول إن كل من يشاهد ريلز أو تيك توك سيصبح وحيدًا أو قلقًا، ولا تثبت أن مشاهدة المقاطع القصيرة وحدها تسبب هذه النتائج بصورة حتمية. إنها تكشف عن علاقات زمنية ومسار إحصائي يتسق مع هذا التفسير، وليس حكمًا على كل مستخدم أو برهانًا نهائيًا على علاقة سببية مباشرة.

وهذا الفارق مهم؛ لأن العلم الجيد لا يحول نتيجة واحدة إلى حقيقة مطلقة، بل يستخدمها لفهم المشكلة بصورة أفضل، ويفتح الباب أمام أسئلة وأبحاث جديدة.

كيف يمكن أن تقودنا ثلاثون ثانية إلى الشعور بالوحدة؟
للوهلة الأولى، تبدو العلاقة غريبة. كيف يمكن لشخص يقضي وقته في مشاهدة مئات المقاطع، ويتابع آلاف الأشخاص، ويضحك على محتوى يشاركه الآخرون، أن يشعر بالوحدة؟

الإجابة المحتملة هي أن الاتصال الرقمي ليس هو نفسه التواصل الإنساني الحقيقي.

يمكنك أن تعرف أخبار مئات الأشخاص من خلال هاتفك، لكن هذا لا يعني أن هناك شخصًا واحدًا يعرف ما الذي يقلقك فعلًا. يمكنك أن تشاهد عشرات المقاطع المضحكة، لكن هذا لا يعادل دائمًا جلسة حقيقية مع صديق تضحك فيها من قلبك. ويمكنك أن تقضي ساعة وسط محتوى لا ينتهي، بينما تظل احتياجاتك إلى الاهتمام والانتماء والمشاركة الحقيقية دون إشباع.

المشكلة إذن ليست أن التكنولوجيا لا تمنحنا أي تواصل؛ فهي تستطيع بالفعل أن تقرب المسافات، وتحافظ على الصداقات، وتساعد الأشخاص الذين يجدون صعوبة في تكوين علاقات في محيطهم المباشر. المشكلة تبدأ عندما تصبح المشاهدة بديلًا دائمًا عن المشاركة، والمتابعة بديلًا عن الصداقة، والتمرير وسيلة للهروب من مشاعر نحتاج إلى فهمها بدلًا من دفنها تحت سيل من المقاطع.

تخيل شابًا يشعر بالملل أو الحزن، فيفتح هاتفه كي ينسى ما يضايقه. ينجح الأمر لدقائق، فيتعلم عقله أن الهاتف هو أسرع طريق للهروب من المشاعر غير المريحة. وفي المرة التالية التي يشعر فيها بالضيق، يعود إليه تلقائيًا. ومع تكرار هذا النمط، قد يقل الوقت الذي يخصصه للرياضة أو الخروج مع أصدقائه أو تعلم شيء جديد أو حتى الجلوس بهدوء مع نفسه.

ليس هذا ما يحدث بالضرورة لكل مستخدم، لكنه مثال يوضح كيف يمكن أن تتحول أداة للترفيه إلى وسيلة لتجنب الحياة بدلًا من الاستمتاع بها.
وهنا نصل إلى السؤال الأهم: هل نحن من نستخدم الهاتف، أم أننا أحيانًا نستخدمه بطريقة تجعل الهاتف يحدد لنا كيف نقضي يومنا وكيف نتعامل مع مشاعرنا؟

من الوحدة إلى القلق: لماذا لا يكفي أن نملأ وقتنا؟
الشعور بالوحدة لا يعني بالضرورة أن الإنسان يعيش بمفرده. قد يكون محاطًا بزملائه وأفراد أسرته، ولديه مئات المتابعين، لكنه يشعر بأن أحدًا لا يفهمه أو بأنه لا يمتلك علاقة يستطيع أن يكون فيها على طبيعته.

وعندما يستمر هذا الشعور، قد يصبح الشخص أكثر انشغالًا بعلاقاته وبنظرة الآخرين إليه، أو أكثر حساسية تجاه المقارنة والرفض، أو أكثر قلقًا بشأن مكانته بين الناس. هذه احتمالات نفسية معقولة، لكنها ليست نتائج أثبتتها الدراسة بوصفها الآلية الوحيدة التي تفسر العلاقة.

وتزداد الصورة تعقيدًا عندما تضع منصات التواصل أمامنا نسخًا منتقاة بعناية من حياة الآخرين: أجمل الرحلات، وأفضل الملابس، والنجاحات الكبيرة، واللحظات المضحكة، والأجساد المثالية كما تظهر أمام الكاميرا.

أنت تقارن يومك العادي، بما فيه من تعب وفوضى وواجبات ومشكلات، بلقطات منتقاة من أيام الآخرين. أنت ترى النتيجة النهائية، ولا ترى بالضرورة ما سبقها من إخفاقات أو إحباطات أو ظروف صعبة.

قد يبدأ الأمر بإعجاب عابر، ثم يتحول إلى سؤال مزعج: لماذا حياتي ليست ممتعة مثل حياتهم؟ لماذا لا أبدو مثل هذا الشخص؟ لماذا يخرج أصدقائي باستمرار بينما أشعر أنا بالملل؟

وهكذا، بدلًا من أن تكون المقاطع نافذة على العالم، قد تتحول لدى بعض المستخدمين إلى مرآة غير عادلة يقيسون بها قيمة أنفسهم وحياتهم.

ومن المهم هنا ألا نخلط بين القلق الناتج عن أسباب متعددة وبين القلق الذي قد يرتبط باستخدام المنصات. فالقلق قد تكون له أسباب أسرية أو دراسية أو اجتماعية أو صحية، ولا يمكن اختزاله في الهاتف وحده. لكن نتائج الدراسة تدعونا إلى الانتباه إلى أن عاداتنا الرقمية قد تكون جزءًا من الصورة، لا مجرد تفصيل لا أهمية له.

الرضا عن الحياة: لماذا لا نشعر بالسعادة رغم كل هذا الترفيه؟
الرضا عن الحياة ليس أن تكون سعيدًا طوال الوقت، أو أن تخلو حياتك من المشكلات، أو أن تمتلك أحدث هاتف وتذهب إلى أجمل الأماكن. إنه شعور أعمق بأن حياتك لها معنى، وأنك تتقدم نحو أهدافك، وأن لديك علاقات مهمة، وأنك قادر على الاستمتاع بما تملكه دون أن تظل منشغلًا بما ينقصك.

وهنا تكمن المفارقة: قد تمنحك مقاطع الفيديو القصيرة لحظات متكررة من المتعة، لكنها لا تضمن أن تمنحك حياة أكثر إشباعًا.

فالضحك على مقطع كوميدي شيء جميل، لكن قضاء الوقت في تعلم مهارة تحبها يمنحك أيضًا شعورًا بالإنجاز. ومشاهدة شخص يمارس الرياضة قد تكون ملهمة، لكن ممارسة الرياضة بنفسك تمنحك تجربة مختلفة تمامًا. ومشاهدة أصدقاء يستمتعون برحلة قد تسليك، لكن الخروج مع صديق تحبه يصنع ذكرى حقيقية تخصك أنت.

ليست المشكلة أن المتعة السريعة سيئة، بل أن نخلط بينها وبين السعادة المستدامة.

يمكنك أن تتناول الحلوى وتستمتع بها، لكن لا يمكنك أن تجعلها بديلًا عن كل وجباتك. وبالمثل، لا بأس أن تستمتع بمقاطع الفيديو، لكن من غير الحكمة أن تتحول إلى وجبتك الأساسية من الترفيه والتواصل والتعلم.

نصيحة للأطفال والمراهقين: أنت أكبر من عدد المشاهدات
لو كنت طفلًا أو مراهقًا، فتذكر أن هذه السنوات ليست مجرد مرحلة تنتظر أن تنتهي؛ إنها وقت تتعلم فيه من أنت، وما الذي تحبه، وكيف تبني صداقاتك، وكيف تتعامل مع مشاعرك. لا تسمح لشاشة أن تقنعك بأن قيمتك تُقاس بعدد الإعجابات أو المتابعين أو بمدى تشابه حياتك مع حياة المؤثرين. ما تراه على الإنترنت ليس القصة كاملة، ومن حقك أن تكون لك أيام عادية، وأن تشعر بالملل أحيانًا، وأن تتعلم شيئًا جديدًا ببطء، وأن تخطئ دون أن يراك أحد. عندما تفتح تطبيقًا، حدد ما تريد مشاهدته، واضبط مؤقتًا، وخذ استراحة إذا وجدت نفسك تنتقل بين المقاطع بلا هدف. حاول ألا تجعل الهاتف آخر ما تراه قبل النوم، ولا تسمح له بأن يقاطع وجبة مع أسرتك أو حديثًا مع صديق. خصص كل يوم وقتًا لشيء تحبه بعيدًا عن الشاشة: كرة القدم، أو الرسم، أو القراءة، أو الموسيقى، أو المشي، أو اللعب مع أصدقائك. وإذا شعرت بالوحدة أو القلق أو الحزن، فلا تحاول دائمًا إسكات هذه المشاعر بالمقاطع؛ تحدث مع شخص بالغ تثق به، مثل أحد والديك أو معلمك أو المرشد المدرسي. طلب المساعدة ليس ضعفًا، ولا تحتاج إلى مواجهة كل شيء وحدك. تذكر: لا بأس أن تستمتع بالإنترنت، لكن لا تجعل الإنترنت يحرمك من متعة الحياة نفسها.

ماذا نفعل عمليًا؟ نصائح للشباب والآباء
أولًا، لا تجعل هدفك أن تتوقف عن استخدام الهاتف تمامًا، بل أن تستعيد السيطرة على طريقة استخدامه. التكنولوجيا ليست عدوًا، لكن من المهم أن تعرف متى تخدمك ومتى تستهلك وقتك دون فائدة حقيقية.

ابدأ بتجربة بسيطة: قبل أن تفتح تطبيق المقاطع القصيرة، اسأل نفسك: لماذا أفتحه الآن؟ هل أريد مشاهدة شيء محدد؟ هل أشعر بالملل؟ هل أهرب من واجب أو مشكلة؟ أم أنني فتحته تلقائيًا لأنني اعتدت ذلك؟ مجرد ملاحظة الدافع قد تساعدك على اتخاذ قرار أفضل.

ثانيًا، ضع حدودًا واضحة للوقت. يمكنك استخدام مؤقت الهاتف أو أدوات تحديد وقت التطبيقات، والبدء بمدة يومية تناسب ظروفك. وإذا وجدت نفسك تتجاوزها باستمرار، فقلل الاستخدام تدريجيًا بدلًا من الاعتماد على قرار مفاجئ يصعب الالتزام به. والأهم أن تنتبه إلى ما إذا كان الاستخدام يؤثر في نومك أو دراستك أو علاقاتك أو أنشطتك المفضلة.

ثالثًا، لا تحمل الهاتف إلى سريرك إذا كان ذلك يجعلك تسهر. اجعل آخر فترة قبل النوم فرصة للهدوء والقراءة أو الحديث مع الأسرة. فالنوم ليس وقتًا ضائعًا من يومك، بل جزء أساسي من صحتك وقدرتك على التعلم والتركيز وتنظيم المشاعر.

رابعًا، استبدل بعض وقت المشاهدة بتجارب حقيقية، لا بمجرد الفراغ. مارس رياضة، أو تعلم العزف، أو اقرأ، أو اطبخ، أو اخرج للمشي، أو قابل صديقًا. لا تحتاج إلى نشاط استثنائي كل يوم؛ أحيانًا تكون محادثة صادقة أو نزهة قصيرة أفضل مما تتوقع.

خامسًا، لا تقارن حياتك بكواليس الآخرين التي لا تراها. تذكر أن المحتوى المنشور لا يعرض الحياة كاملة، وأن الأشخاص الذين تتابعهم يختارون غالبًا ما يريدون إظهاره. لا تجعل عدد المشاهدات أو الإعجابات مقياسًا لقيمتك، ولا تسمح لشاشة أن تقنعك بأن حياتك أقل أهمية لأن يومك لم يكن مثيرًا بما يكفي للتصوير.

أما الآباء، فالأفضل أن يبدأوا بالحوار والقدوة بدلًا من الاكتفاء بالمراقبة والعقاب. عندما يرى الطفل أن الكبار أنفسهم يقضون معظم الوقت أمام الشاشات، يصبح من الصعب إقناعه بأن يضع هاتفه جانبًا. ومن المفيد الاتفاق على أوقات عائلية خالية من الهواتف، ووضع قواعد مناسبة للعمر، وتشجيع الأنشطة الاجتماعية والبدنية، والاستماع إلى أسباب تعلق الطفل بالمقاطع بدلًا من افتراض أنه يفعل ذلك لمجرد العناد.

وإذا لاحظت أن استخدام الهاتف أصبح خارج السيطرة، أو أن الحزن أو القلق يؤثران في حياتك اليومية، فالتحدث مع شخص تثق به أو مع مختص نفسي قد يكون خطوة مفيدة. لا تحتاج إلى انتظار حدوث أزمة حتى تطلب الدعم.

اختبار صغير لمدة أسبوع: هل أنت من يتحكم في هاتفك؟
جرّب لمدة سبعة أيام أن تلاحظ وقت استخدامك للمقاطع القصيرة، وأن تتجنبها أثناء الوجبات والمحادثات، وأن تؤجل فتحها في أول جزء من يومك، وأن تخصص يوميًا وقتًا لنشاط بعيد عن الشاشة. وفي نهاية كل يوم، اسأل نفسك ثلاثة أسئلة: هل نمت جيدًا؟ هل تواصلت مع شخص مهم بالنسبة إليّ؟ وهل فعلت شيئًا جعلني أشعر بالفخر أو المتعة الحقيقية؟

لا تتعامل مع هذه التجربة باعتبارها اختبارًا طبيًا، ولا تتوقع أن تحل جميع مشكلاتك في أسبوع. إنها وسيلة بسيطة لملاحظة العلاقة بين عاداتك الرقمية وشعورك اليومي. وإذا وجدت أنك أكثر ارتياحًا عندما تقلل التمرير، فهذه معلومة مفيدة يمكنك البناء عليها.

وتذكر أن الهدف ليس أن تشعر بالذنب كلما شاهدت مقطعًا مضحكًا. الحياة تحتاج إلى الترفيه، ومن حقك أن تستمتع بما تحب. الهدف هو ألا يتحول الترفيه إلى نشاط يزاحم كل ما يمنح حياتك قيمتها.

في النهاية: لا تكتفِ بمشاهدة الحياة، شارك فيها
تمنحنا دراسة كورتشا ودوغرو المنشورة عام 2026 سببًا إضافيًا للتفكير في علاقتنا بمقاطع الفيديو القصيرة. فقد رصدت لدى المشاركين مسارًا زمنيًا يربط الاستخدام الإشكالي لهذه المقاطع بزيادة الوحدة، ثم القلق، ثم انخفاض الرضا عن الحياة. لكنها لا تثبت أن كل مشاهدة ضارة، ولا أن هذه النتائج حتمية، ولا أن الهاتف هو السبب الوحيد في مشكلاتنا النفسية.

والرسالة الأهم ليست أن نحارب التكنولوجيا، بل أن نتعلم استخدامها بوعي. فالهاتف يستطيع أن يعلمنا، ويسلينا، ويقربنا ممن نحب، لكنه لا يستطيع أن يعيش حياتنا بدلًا منا.

في المرة القادمة التي تجد فيها نفسك تنتقل من مقطع إلى آخر دون أن تعرف لماذا، توقف لحظة واسأل نفسك: هل أستمتع فعلًا، أم أنني فقط أملأ الوقت؟ وهل يساعدني ما أشاهده على أن أعيش حياة أحبها، أم يجعلني أؤجل الحياة التي أريد أن أعيشها؟

قد لا تكون الإجابة واحدة في كل مرة، وهذا طبيعي. لكن قدرتك على طرح السؤال هي بداية استعادة الاختيار.
لا تجعل العالم يمر أمام عينيك في مقاطع من ثلاثين ثانية، بينما تفوتك حياتك الحقيقية خارج الشاشة.

المصدر العلمي
Türk Kurtça, T., & Doğru, M. C. (2026). “Short Video Addiction and Life Satisfaction: Sequential Longitudinal Pathways via Loneliness and Anxiety.” The Journal of Psychology, 160(8), 939–959. https://doi.org/10.1080/00223980.2026.2642128