د. شارلي يعقوب أبو سعدى
في كل مرة تقع فيها حادثة تمسّ المسيحيين العرب، تتكرر الإدانة والتصريحات التي تؤكد وحدة المجتمع وحق الجميع في العيش بكرامة ومساواة. لكن السؤال الأهم: ماذا يبقى بعد أن تهدأ الضجّة وينشغل الناس بقضايا أخرى؟
إن المشكلة ليست في التضامن، بل في أن يبقى بديلا عن معالجة الأسباب التي تسمح بتكرار الاعتداءات والتمييز. فالإدانة ضرورية، لكنها لا تكفي من دون محاسبة وإجراءات تحمي الحقوق وتمنع تكرار الظلم.
لسنا ضيوفا في أوطاننا، ولسنا ذمّيين فيها.
المسيحيون العرب جزء أصيل من تاريخ المنطقة وتكوينها الثقافي والاجتماعي والوطني. لسنا جماعة تنتظر قبول الآخرين بها، ولا نطلب امتيازات خاصة أو حماية تقوم على الشفقة، بل نطالب بحقوقنا كمواطنين متساوين في الحقوق والواجبات.
فحقوق المواطن ليست منّةً من الدولة ولا هبةً يمنحها أحد متى شاء، بل حقوق أصيلة يجب أن تُصان وتُحمى.
المواطنة المتساوية لا تتحقق بالشعارات وحدها، بل بالممارسة.
وتبدأ هذه الممارسة بسيادة القانون ومحاسبة المسؤولين عن الاعتداءات على دور العبادة والممتلكات الخاصة، ومراجعة المناهج التعليمية لتقديم التاريخ المسيحي العربي بصورة منصفة، وضمان عدالة المؤسسات، ومواجهة التحريض وخطاب الكراهية، وتعزيز المشاركة الفعلية للمسيحيين في الحياة العامة وصنع القرارات التي تمس مستقبل المجتمع.
كما أن الحفاظ على الحضور المسيحي لا يتحقق بمجرد حماية الكنائس والآثار، بل بتوفير الظروف التي تسمح للناس بالبقاء والعمل والمشاركة وبناء مستقبل كريم في وطنهم.
ماذا نريد أن يبقى بعد الضجّة؟
نريد قانونا يحمي الجميع، ومؤسسات تعامل المواطنين بعدالة، وتعليما يعكس تاريخ المجتمع بجميع مكوناته، وخطابا يرفض الكراهية والإقصاء، وشراكة حقيقية تجعل المساواة واقعا لا شعارا.
لذلك، فإن المسؤولية اليوم تقع على عاتق المؤسسات الرسمية والدينية والتربوية والمجتمعية للانتقال من التصريحات إلى خطوات عملية واضحة، ومتابعة تنفيذها، وعدم انتظار الحادثة القادمة للتحرك من جديد.
التضامن الحقيقي لا يُقاس بما نقوله وقت الأزمة، بل بما نفعله بعدها لضمان العدالة للجميع.
فهل نستطيع أن ننتقل من التضامن المؤقت إلى المواطنة المتساوية، بحيث لا يحتاج أي مواطن إلى إثبات أنه ينتمي إلى وطنه؟





