يوسف إدوارد
كل دولة ترسم خطوطها الحمراء، وهى حدود لا تُمس وثروات وأمن قومي لا يقترب منهما أحد، ومصالح لا يُفرَّط فيها، وبعض هذه الخطوط تتحرك مع موازين القوة في الداخل والخارج، فما كان أحمر بالأمس قد يصبح برتقاليًا اليوم.
لكن هناك سؤالًا أبسط وأعمق، هل لحياة الإنسان المختلف عنك خط أحمر؟.
حين يُقتل شخص لأنه يصلي بطريقة مختلفة، أو لأن اسمه يدل على دينه، هل نملك موقفًا ثابتًا، أم يتغير موقفنا حسب مَن مات وأين مات؟.
ويعود هذا السؤال إلى الواجهة مع حادث إطلاق النار على إحدى كنائس الكرك في الأردن، وليس ذلك لأنه الأول، بل لأنه يعيد إلينا الحزن نفسه، والأسئلة التي لا ينبغي أن تنتهي بانتهاء مراسم العزاء، فاستهداف إنسان في مكان عبادته لا يهدد الضحايا وحدهم، بل يمس شعور كل واحد منا بالأمان، وحقه في أن يعتقد كما يشاء دون خوف.
وأهل الضحايا لا ينتهي حزنهم بانتهاء التغطية، إذ يبقى المكان الفارغ في البيت، ويبقى الخوف عند مَن يدخل دار عبادته بعد ذلك وهو يتلفت حوله.
ونحن رأينا هذا المشهد أكثر من مرة، دار عبادة تُستهدف في مناسبة دينية، وحافلة تحمل زوارًا تُوقف في الطريق، وتفجيرات، وحوادث قتل فردية، وتتغير الأماكن والأسماء ويبقى السيناريو نفسه، بيان إدانة، ثم أسبوع من الحزن، ثم نسيان، وبعد قليل نكتشف أن الكراهية التي سبقت الجريمة لم تذهب إلى أي مكان، وأخطر ما في الأمر أن نتعامل مع كل حادث كأنه واقعة منفصلة، بينما يجمع بينها مناخ واحد من الأفكار يجعل الاختلاف الديني سببًا للريبة ثم العداء.
لذلك لا يكفي أن نسأل: مَن ارتكب الجريمة، وعلينا أن نسأل أيضًا: أي بيئة سمحت للكراهية أن تجد لها مكانًا؟.
فالإرهاب لا يبدأ بالسلاح، بل يبدأ بنكتة تسخر من معتقد الآخر، وبوست يصوّره كأنه خطر، وبرنامج أو خطاب أو تعليق يجعل وجوده في البلد «مشكلة»، وحين يتشبع الناس بهذا الكلام يأتي مَن يحوّله إلى فعل.
والمشكلة أن هذا الكلام صار عاديًا عندما نضحك عليه في جلسة ونمرره في تعليق، ونسكت عنه في العمل أو في العائلة حتى لا نفتعل مشكلة، وكل مرة نسكت فيها نعلّم الآخرين أن هذا مقبول وأن ثمنه لا شيء، وحين يقع ما هو أسوأ نتفاجأ، مع أن المقدمات كانت أمامنا كل يوم.
ولا أظن أن الإدانة تكفي، وأنا لا أقلل منها طبعًا، فهي واجب رسمي وأخلاقي، لكن أن ندين الجريمة صباحًا ونتسامح مع التحريض مساءً يشبه مَن يجفف قاع النهر الجاري.
وهناك عبارتان سمعناهما كثيرًا، الأولى «هذا مجرد رأي فردي»، وأنا لا أتصور ذلك، فحرية التعبير لا تعني أن يحصل التحريض على حصانة، ومن حقك أن تختلف مع دين غيرك وليس من حقك أن تنزع عنه الأمان، والثانية «هذا تصرف فردي»، كأن الفرد وُلد من فراغ، ولم يسمع ولم يقرأ ولم يتشرب شيئًا مما حوله.
أما الإعلام فمسؤوليته أكبر مما يبدو، فانظروا كيف تُقدَّم هذه الجرائم أحيانًا، خبر يقرؤه أبناء معتقد بعينه أكثر مما يقرؤه غيرهم، فتتحول جريمة قتل إلى شأن مجموعة، وهي في الحقيقة شأن بلد كامل، وهذا لا يحدث بسوء نية في الغالب، لكنه يحدث، ولا أطلب تغطية متطابقة لكل حادث، فالأحداث تختلف في حجمها وظروفها، والمهم أن يبقى المعيار واحدًا، وأن يكون غضبنا لمَن يشبهنا مثل غضبنا لمَن يخالفنا، فالمجتمع الذي ينتظر أن تصيبه الكراهية حتى يصدّق خطرها يتأخر كثيرًا.
وهناك اختبار بسيط أنصح به كل واحد منا، بدّل الضحايا في ذهنك، فلو كان القتلى من معتقدك أنت، وكان التعليق على الخبر هو نفسه، والناس تمر عليه بالسرعة نفسها، هل كنت ستقبل؟، وإن كان الجواب لا، فمعنى ذلك أن معيارك يتغير بتغير الضحية، وأن الخط الأحمر عندك ليس خطًا أصلًا، بل هو مزاج.
وفي الجهة المقابلة خطأ لا يقل خطورة، وهو أن نرد على التطرف بالتعميم، فنحاسب معتقدا كاملا أو جماعة كاملة على ما فعله أفراد، وهذا لا يحمي أحدًا، بل يعطي الكراهية وقودًا جديدًا.
فما الطريق؟. هو أقل إثارة وأصعب، تعليم يرسخ احترام التنوع منذ المدرسة، وإعلام يكشف خطاب التحريض ولا يفتح له باب التطبيع، ومؤسسات دينية ومدنية تعمل معًا على تفكيك الصور النمطية، وقانون يُطبَّق على كل مَن يحرض على العنف أو يستهدف إنسانًا بسبب معتقده، ومواطن يشعر أن الدولة تحميه أيًّا كان معتقده، والأهم أن يحدث هذا قبل الجريمة لا بعدها.
ويبقى الاختبار الأصعب، وهو داخل بيوتنا، أن نرفض التحريض حين يخرج من شخص نثق فيه، قريب أو صديق أو عالِم أو كاتب نتفق معه في كل شيء إلا في هذه النقطة، فرفض الكراهية عند الخصوم سهل ولا يكلف شيئًا.
فهل للإرهاب الطائفي خط أحمر؟. السؤال في الحقيقة موجّه لنا نحن، هل نتمسك بهذا الخط عن قناعة؟، وهل تحتاج حياة الإنسان إلى شهادة انتماء؟. أظنها تحتاج فقط إلى خط أحمر.
نقلا عن المصرى اليوم





