ويندزور / كندا
نبذة تاريخية :
يعتبر المسيحيين بالأردن من اقدم المجتمعات المسيحية بالعالم اجمع ، حيث يرجع تاريخ اعتناق  القبائل العربية للمسيحية لبداية للقرن الاول الميلادي ،  ولقد تبع المسيح عليه السلام كثر من أبناء شمال الاردن ، بل وبنيت دور عبادة سرية خلال حياة السيد المسيح بالأردن ، فلقد اتبع كثر من سكان جادارا ( ام قيس) وجراسيا (جرش) وبيلا (طبقة فحل)  الديانة المسيحية ، ولا ننسى ان الملك النبطي الحارث الرابع كان احد الملوك الثلاثة الذين احضروا الهدايا للطفل عيسى عليه السلام حوالي العام ٤ قبل الميلاد ، والسبب انها ٤ قبل الميلاد يعود لإكتشاف خطأ بالتقويم الميلادي حسب الباحث مسيو إميت . 
 
ولا ننسى أن يحيى عليه السلام كان شرق أردني عندما توجه المسيح عليه السلام إلى الضفة الشرقية ليتعمد بعين يحيى اللتي لا زالت لغاية اليوم غزيرة المياه ، وبعهدها تم قطع رأس يحيى عليه السلام بقلعة مكاور ( ماشيروس) على يد الحاكم الأدومي الوثني هيرود انتيباس لانه صاحب الولاية بالعهد الروماني بتلك الفترة على جزء من شرق الأردن .
 
وتعتبر طبقة فحل ( پيلا)من المدن الاولى اللتي انتشرت فيها الديانة المسيحية بشكل سري حوالي العام ١٠٠ ميلادي حتى أمسى اغلب سكانها على الديانة المسيحية  وتعتبر من المدن الاولى اللتي آوت المسيحيين من اضطهاد اليهود والرومان  وتعود أصول أغلبية مسيحيي الاردن لبني لخم وطيء وجذام وبلقن وعاملة ، وهذه القبائل شكلت ما كان يعرف بحلف تنوخ وما عرف لاحقاً (بعد انفصال اللخميين وتوجههم من جنوب الأردن لإنشاء مملكة المناذرة جنوب العراق حوالي ٢٧٠ ميلادي  ) بحلف عرب الغساسنة وكان هنالك خلاف ديني بين اللخميين الذين اتبعوا النسطورية او ما يسمى بكنيسة الشرق
 
وما بين ابناء عمومتهم الغساسنة الذين اتبعوا الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية ، ولكن لا الغساسنة ولا المناذرة هاجروا يوماً من اليمن إلى الشام ولكن ما حدث هو العكس تماماً ، فلقد قام الغساسنة والمناذرة بنقل الديانة المسيحية إلى نجد والحجاز و اليمن والحبشة عبر التجارة وهجرات عربية من الشمال إلى الجنوب بسبب الحروب وتقلب المناخ السياسي وتغير بالأحلاف بين قبائل العرب ولاسباب دينية .
 
الشرق أردنيين يوماً ما ، كانوا بأغلبيتهم يعتنقون المسيحية والبقية على الديانات الوثنية العربية القديمة   ، حيث كانت تلك الديانة الرسمية الشائعة بين عرب الأردن وخاصة بعد ٣١٢ ميلادي ولغاية الفتح الإسلامي .
 
كما ذكر المؤرخ أسابيوس وأرنوبيوس بالقرن الثالث الميلادي ان المسيحية كانت منتشرة بين العرب ، ولاحقاً كتب الطبري ، ابن خلدون ، ابو الفداء ، المقريزي والمسعودي حول انتشار المسيحية بين عرب شرق الاردن وسوريا والحجاز عموماً .
 
ولقد ظهرت الكثير من الخلافات ما بين مسيحيي الشرق عموماً سواء كانوا نساطرة ام سريانيين وما بين كنائس الغرب سواء في كونستانتيبولس (اسطنبول) ، روما ، كيزيكس، سلاميس، والإسكندرية ، ورغم عقد العديد من الاجتماعات بنيقيا بدءاً بمؤتمر نيقيا الاول عام ٣٢٥ ميلادي الذي دعى اليه الإمبراطور قسطنطين الاول ابن السينت هيلانة وما تلاه من مؤتمرات امتدت إلى حكم الامبراطور جوستنيان (٥٢٧-٥٦٥ ميلادي ) رغم كل تلك المؤتمرات إلى أن الخلاف لم ينتهي .
 
تعرض المسيحيين بالأردن للكثير من الاضطهاد والتعذيب وحتى القتل والنفي اثناء الحكم الروماني وخاصة بعهد الإمبراطور الروماني ديوكليشيان ( ديوكلتيان ) ٣٠٢- ٣٠٥  ميلادي حيث اصدر أربعة مراسيم تفضي الى هدم الكنائس ودور العبادة وقتل المسيحيين وتلك الفترة التي ذكرت بالقرآن الكريم بسورة الكهف ،  وبقيت تلك الفترة من الاضطهاد حتى جلوس الإمبراطور كونستانتين الأول على عرش روما وسميت الفترة بعصر الشهداء  ، وكان اليهود كذلك يلاحقون كل من يتبع الديانة المسيحية ، ولذا فقد مارسوا طقوسهم الدينية بالخفاء وبعيداً عن أعين اليهود والرومان بالكهوف والجبال وبعتم الليل سراً ، وهاجر كثر منهم الى مناطق لا يصلها الرومان كجنوب العراق ومنطقة شمال ووسط الجزيرة العربية .
 
عندما اعتلى عرش روما الإمبراطور قسطنطين الاول أبن السينت هيلانة عام ٣٠٦ ميلادي عرش الامبراطورية الرومانية ، أعلن وقف اضطهاد المسيحيين ، وتحوله للمسيحية وأعلن المسيحية كديانة رسمية لإمبراطورية الرومانية ، واستبدالها بعبادة آلهة الرومان المتعددة ، تنفس مسيحيي الاردن الصعداء ، وجاهروا بديانتهم ومارسوا طقوسهم علناً بعد حوالي مئتين عام من ممارستها بالخفاء .
 
بعهد الامبراطور جوليان الثاني (٣٦١-٣٦٣ ميلادي ) تم شن حملة شعواء على الديانة المسيحية وقام جوليان باعادة الديانة الوثنية للإمبراطورية الرومانية واضطهاد المسيحيين وخاصة مسيحيي الشرق، ووجه حملة عسكرية إلى الشرق قادها بنفسه فاصطدم مع الساسانيين واللخمينيين ( المناذرة) وكانت نهايته على يد احد ابناء قبيلة لخم بعد هزيمة جوليان من الساسانيين حيث انقض عليه وقتله.
 
وبعهد الإمبراطور فالنز (٣٦٤-٣٧٨ ميلادي ) ظهر على السطح خلاف آخر ما بين مسيحيي الاردن والكنيسة الغربية ، حيث قرر فالنز تعيين أسقف غربي على شرق الأردن ، وجوبه ذلك برفض من كنائس شرق الأردن مما حذى بالملكة ماوية السلطية رغم انها وثنية باستنفار الحلف التنوخي بشرق الأردن وسوريا لمواجهة هذا القرار ، ومع اصرار فالنز على قراره ، قادت ماوية الجيوش العربية وطردت البيزنطيين من فلسطين ومن ثم لبنان وسائر سوريا ومن ثم توجهت إلى آسيا الوسطى وهزمت الجيوش البيزنطية واعلنت مسيحيتها وعندما توجهت بجيوش العرب إلى القسطنطينية اصيب الإمبراطور فلنز بالهلع ورضخ لمسيحيي الشرق وتم تعيين الكاردينال يعقوب العربي أسقفاً للشرق ووافق على اعطاء الكنيسة الشرقية والعرب استقلالاً ذاتياً  .
 
وبالعام (٣٩٩- ٤٥٣ ميلادي ) تعرض مسيحيي شرق الأردن لإضطهاد جديد باعتلاء الإمبراطورة ايليا بلوخيريا الحكم، حيث أعلنت الحرب على كل كنائس الشرق والأردن ، وقامت بهدم او تغيير معالم الكنائس وإضطهاد أرثوذوكس الشرق والنساطرة، وادّت هذه الإجراءات إلى ثورات متعدده وحروب شتى ما بين الغساسنة والبيزنطيين ، وهاجر مسيحيين كثر إلى الحجاز واليمن .
 
لم يسلم الغساسنة المسيحيين من تنكيل البيزنطيين الذين دوماً ما نظر العرب لهم كمحتلين أجانب لبلادهم ، وكذلك لم يسلم اللخميين ( المناذرة ) من بطش الساسانيين ، وهذا ما قاد إلى ملحمة عربية جسدت اتحاد العرب سواء كانوا نساطرة او وثنيين او أرثوذوكس شرقيين بمعركة ذي قار الشهيرة حيث انسحبت قبيلة أياد المسيحية من جيش الفرس باتفاق مع اخوتهم العرب من بكر وبني شيبان ووائل وطيء لاضعاف الجيش الفارسي وكانت نقطة تحول بارض المعركة ، وكذلك لقبيلة اياد موقف آخر شهير بعهد عمر بن الخطاب عام ٦٣٨ ميلادي حين قام هرقل بإرسال جيش كان به قبيلة اياد لمحاربة المسلمين وحصار حمص، ولكن قبيلة اياد انقلبت على البيزنطيين وناصرت ابناء عمومتها  العرب المسلمين وكانت تلك نقطة تحول اخرى .
 
ولقد صعق البيزنطيين بمعركة مؤتة عام ٦٣٠ ميلادي ، حيث انظم كثر من الغساسنة المسيحيين للقتال مع جيش المسلمين لتعزيز موقفهم ضد البيزنطيين ، ولذا سميوا بالعزيزات .
 
وكذلك بمعركة طبقة فحل اثبت المسيحيين عروبتهم عندما انسحبت قبائل وجذام وغسان من معسكر البيزنطيين وانضموا الى اخوتهم العرب المسلمين لقتال البيزنطيين ، ويرجع ذلك الى انهم فضلوا حكم ابناء جلدتهم من المسلمين على الغرباء ، ولقد سمح الأمويين لمسيحيي شرق الاردن بالاحتفاظ بكنائسهم وبناء كنائس جديدة .
 
كما قاتلت قبائل نمر وتغلب المسيحيتين بقيادة أنس النميري  الى جانب المسلمين ضد الفرس .
 
بالعام ٦٣٦ ميلادي بدأت جيوش الفتح الاسلامي بدك معاقل البيزنطيين شمال الاردن بإتجاه سوريا ، وأصبح الغساسنة تحت الحكم الاسلامي طوعاً وساندوا جيوش الفتح الاسلامي ورحبوا بهم ، فكان دخول الاردن سهلاً مما اجبر البيزنطيين على  الانسحاب وتجميع جيوشهم جنوب سوريا حيث حدثت معركة اليرموك  ، كباقي سكان شرق الاردن فان الغساسنة انقسموا بين من بقي على الديانة المسيحية وبين من اعتنق الاسلام ، لم يأسف الغساسنة على رحيل البيزنطيين ، فقد كان هنالك الكثير من الاختلاف معهم وخاصة وان الغساسنة كانوا يتبعون الكنيسة السيريالية الارثوذكسية بأنطاكية ، بينما كان البيزنطيين أرثوذوكس ، وهنالك اختلاف كبير وخاصة حول ألوهية وبشرية المسيح ، وهذا أدى الى تشاحن كبير بين الطرفين وخاصة بعهد الملك الغساني المنذر ٥٦٩-٥٨٢ ميلادي .
 
بعد اعتناق بعض الغساسنة والآراميين بالأردن للإسلام ، ظهر ما يسمى بالملكيين ، وهم عبارة عن تجمع مسيحي لمسيحيي سوريا ولبنان والأردن وفلسطين ، كأقدم حلف مجتمعي مسيحي بالشرق .
 
وذهب التحالف بين الغساسنة المسيحيين والمسلمين الى ابعد من ذلك ، فقد ساروا مع جند الاردن لفتح شمال افريقيا وحتى الأندلس ، وتم تسليمهم الكثير من المناصب الإدارية والمالية بالإمبراطورية الاسلامية .
 
إبان الحروب الصليبية حوالي العام ١١٠٠ ميلادي  تعرض المسيحيين الشرقيين للاضطهاد مجددا ، بل قام الصليبيين بالتنكيل بهم ، ولقد قتل مئات الآلاف منهم ، لم يحترم الصليبيين حرمة الكنائس ، فغرقت كنائس القسطنطينية و انطاكية ودمشق والقدس بدماء المسيحيين الشرقيين   فقام مسيحيي الشرق بالعمل مع إخوتهم العرب المسلمين بالقتال ضد الصليبيين ، وثورة مريم الدمشقية اكبر شاهدٌ على ذلك .
 
لم يشفع للصليبيين مشاركتهم لمسيحيي الشرق بالدين ، فقد كانت رابطة الدم والثقافة والأرض أقوى من ان يقوضها الغرب ، كما شارك المسيحيين المسلمين القتال تحت راية القائد المسلم ، صلاح الدين الأيوبي ، وعيسى العوام مثل من كثير من الأمثلة على ذلك .
 
المسيحيين بالأردن ليسوا بطائفة ولا دخلاء على هذه الارض ، هم ملح الارض ومن طينها وعجينها وتاريخها ، هم اخوة لنا وسيبقون ، سواء كانوا غساسنة ام آراميين ام انباط ، هم شرق أردنيين وأخوة الى يوم الدين لا تعايش مشترك بيننا ولا هم من نسيج الوطن ولا هم مستأمنين بيننا ، بل هم منا ونحن منهم إخوة الدم والتاريخ ، عشنا سوياً على هذه الارض  عبر آلاف السنين ، كنا جميعا وثنيين وعندما جاء المسيح عليه السلام اتبعه بعضنا وبقي البعض على وثنيته وعندما جاء الإسلام بقي البعض على دينه ودخل البعض بالدين الإسلامي بكل محبة وأخوة وسيبقى هذا حالنا .
 
سالم ابراهيم الشديفات 
-خبير ومتخصص باللغة الآرامية على مسكوكات الأراضي المقدسة.
 -عضو مدى الحياة بالجمعية الامريكية لخبراء المسكوكات :عضوية رقم: ٣١٢٦٥٢٥
-عضو مدى الحياة بجمعية خبراء أصالة المسكوكات: عضوية رقم : أ١٧٩٥٣