الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ

عزيزي أوسكار روميرو،
عرفتُك المرّة الأولى من خلال شاشةٍ سينمائيّة، عندما كنتُ أدرس في إكليريكيّة الأقباط الكاثوليك بالمعادي. كنّا نتعلّم الإنجليزيّة على يد الأب دوجلاس ماي، من رهبنة مارينول، وكان له أسلوبٌ غير تقليديّ في التدريس؛ فبدلًا من الاكتفاء بقواعد اللغة، كان يعرض لنا أفلامًا بالإنجليزيّة من دون ترجمة. وكان من بينها فيلم «روميرو» (Romero)، الذي يروي قصّتك. وأعترف بأنّني لم أكن أفهم يومها كلّ الحوارات، لكنّ مشهد اغتيالك أثناء القدّاس لم يكن يحتاج إلى ترجمة! ولم يكتفِ الأب دوجلاس بذلك، بل أحضر ذات يوم نحو عشرين كتابًا بالإنجليزيّة، ووضعها أمامنا قائلًا: «هذه بعض كتب لاهوت التحرير». بعض؟! نظرتُ إليها بحسرة، فلم تكن المكتبة العربيّة آنذاك تضمّ، في حدود علمي، سوى ثلاثة كتبٍ أعدّها صديقنا الأب وليم سيدهم اليسوعيّ، وكتابٍ عن دوم هلدر كامارا بعنوان «صرخة الفقراء» وضعه أحد الآباء اليسوعيّين، وكتابٍ يتيمٍ عنك أصدرته دار المشرق بعنوان «الثائر الأعزل». يا أبونا دوجلاس، نحن لم نزل نحاول تعلّم الإنجليزيّة، وأنت تفتح أمامنا مكتبةً كاملةً!

ولم تنتهِ علاقتي بتلك الكتب عند مجرّد التصفّح. فبمساعدة الأب دوجلاس، شاركتُ لاحقًا مع أستاذتي جان رزق الله في ترجمة لدار الأكوينيّ وهي كتاب  «لاهوت التحرير: التاريخ والخلاص والسياسة» للأب جوستافو جوتييرث الدومنيكانيّ، أحد مؤسّسي لاهوت التحرير، والذي جمعتك به صداقةٌ وتقديرٌ عميق. وكنتُ أثناء الترجمة أتذكّر حياتك وأقوالك، خصوصًا حين كان جوتييرث يناقش العلاقة بين الإيمان والتاريخ والعدالة. وقد تحدّث عنك في مقدّمة كتابه، وعن الأثر الذي تركته في حياته وفي حياة أمريكا اللاتينيّة. ولم أكن أتخيّل، وأنا أشاهد فيلمك محاولًا فهم الإنجليزيّة، أنّني سأشارك بعد سنواتٍ في نقل أفكار أحد أبرز لاهوتيّي التحرير إلى العربيّة انطلاقًا من لغتك الأمّ الإسبانيّة! ومستعينًا بالأستاذ نفسه الذي فتح أمامي هذا العالم!

وُلدتَ سنة ١٩١٧ في السلڤادور، وأصبحتَ رئيسًا لأساقفة سان سلڤادور عام ١٩٧٧، في بلدٍ كان يعاني الفقر والعنف السياسيّ والتفاوت الاجتماعيّ. وكنتَ معروفًا بتحفّظك وحذرك من تسييس الكنيسة، حتّى إنّ اختيارك طمأن بعض الأوساط المحافظة. لكنّك كنتَ قد بدأتَ تكتشف معاناة الفقراء أثناء خدمتك السابقة أسقفًا لسانتياجو دي ماريا، حيث عرفتَ أحوال العمّال الزراعيّين والعنف الذي يتعرّضون له. ثمّ جاء يوم ١٢ مارس ١٩٧٧، حين اغتيل صديقك الأب روتيليو جرانديِه اليسوعيّ، ومعه رجلٌ مسنّ وصبيّ، بينما كانوا في طريقهم إلى إحدى القرى. وأتخيّلك أمام جثمان صديقك، تتساءل كيف أصبح إعلان الإنجيل والدفاع عن الفقراء جريمةً تستحقّ القتل. كانت تلك لحظةً حاسمةً في مسيرتك، وإنْ لم يكن تحوّلك انقلابًا مفاجئًا في قناعاتك؛ فقد جعلتك هذه المأساة ترى بوضوحٍ أكبر ما كان يعيشه أبناء شعبك، ومنحتك الشجاعة لتواجه ما كنتَ تتحاشى مواجهته.

ومنذ ذلك الوقت ارتفع صوتك في عظاتك، التي أصبحت تُنقل عبر الإذاعة إلى أنحاء البلاد. وبدأتَ تذكر أسماء المقتولين والمختطفين، وتفضح الانتهاكات التي حاولت السلطات إخفاءها. وأظنّ أنّ بعض المسؤولين كانوا يفضّلون أن تكتفي بالحديث عن الفضائل المسيحيّة، من دون أسماءٍ وأرقامٍ تُفسد عليهم صباح الأحد! لكنّني أتساءل يا أوسكار: هل اكتشفتَ إنجيلًا جديدًا بعد اغتيال روتيليو، أم بدأتَ تقرأ الإنجيل الذي عرفته منذ شبابك بعيون المتألّمين؟ لقد تحفّظتَ على وصف ما حدث بأنّه "اهتداء" مفاجئ، وأفهم موقفك. فلعلّ الإيمان ينضج أحيانًا عندما تضعنا الحياة أمام أشخاصٍ وأحداثٍ لا تسمح لنا بالاستمرار في التفكير بالطريقة القديمة نفسها.

وهنا أعود إلى كتاب جوتييرّث. فقد كانت قصّتك عندي نافذةً لفهم أحد الأسئلة الكبرى للاهوت التحرير: كيف نتحدّث عن الله في مجتمعٍ يُقتل فيه الفقراء ويُسلبون حقوقهم؟ وما معنى أن نبشّر بالخلاص بينما يعيش الناس تحت الخوف والجوع والقمع؟ لكنّك لم تكن تدافع عن تحويل الإنجيل إلى برنامجٍ سياسيّ، ولكن عن مسؤوليّة الكنيسة تجاه الإنسان وكرامته. ولعلّ أكثر ما يؤلمني أنّ الذين اغتالوك كانوا يعيشون في مجتمعٍ مسيحيّ، وأنّ بعضهم ظنّ أنّه يدافع عن الدين والوطن! فنحن المتديّنين نملك أحيانًا قدرةً عجيبةً على التوفيق بين أمورٍ متناقضة، خصوصًا حين تكون مصالحنا لدى أحد طرفَي المعادلة!

ثمّ جاءت عظتك الأخيرة، يوم الأحد ٢٣ مارس ١٩٨٠. وجّهتَ نداءً مباشرًا إلى الجنود ورجال الأمن، وذكّرتَهم بأنّهم يقتلون إخوتهم من أبناء الشعب نفسه، وأنّ طاعة الأوامر لا تعفي الإنسان من مسؤوليّته الأخلاقيّة. وقلتَ لهم ليس أحدٌ ملزمًا بطاعة أمرٍ يخالف شريعة الله. ثمّ ارتفع صوتك في ذلك النداء الذي أصبح من أشهر كلماتك: «باسم الله، وباسم هذا الشعب المتألّم الذي ترتفع صرخاته كلّ يومٍ إلى السماء، أتوسّل إليكم، وأرجوكم، وآمركم باسم الله: أوقفوا القمع!» وفي اليوم التالي، ٢٤ مارس ١٩٨٠، كنتَ تحتفل بالقدّاس في كنيسة مستشفى العناية الإلهيّة، حيث كنتَ تقيم. تحدّثتَ عن حبّة الحنطة التي تموت لكي تأتي بثمرٍ كثير، وبعد العظة، بينما كنتَ عند المذبح، أطلق عليك مسلّحٌ رصاصةً قاتلة. وما زلتُ أجد صعوبةً في استيعاب أنّ إنسانًا يمكن أن يُقتل عند المذبح لأنّه طالب بالكفّ عن قتل البشر!

ولم تنتهِ قصّتك بموتك. فقد بقي اسمك موضوعًا للجدل سنواتٍ طويلة، قبل أن تعترف الكنيسة رسميًّا باستشهادك. وأُعلنتَ طوباويًّا عام ٢٠١٥، ثمّ قدّيسًا في ٢٠١٨ على يد البابا فرنسيس. وأتساءل عمّا كنتَ ستقوله لو عرفتَ أنّ الرجل الذي اتُّهم بالتدخّل في السياسة سيصبح يومًا قدّيسًا تحتفل به الكنيسة الجامعة. ولعلّك كنتَ ستطلب أن يتذكّر الناس، إلى جانب اسمك، أسماء الفلاحين والكهنة والعائلات التي فقدتْ أبناءها، ولم يجدوا مَن يروي قصصهم.

عزيزي أوسكار، لم أزل أتذكّر تلك الكتب العشرين التي وضعها الأب دوجلاس أمامنا في المعادي، والحسرة التي شعرتُ بها لأنّني لم أستطع قراءتها كما أردت. واليوم، بعد سنواتٍ من دراسة اللاهوت والمشاركة في ترجمة كتاب جوتييرث، أجد أنّ السؤال الذي أثارته قصّتك لم يفقد شيئًا من قوّته: هل يستطيع الإنسان أن يكون أمينًا للإنجيل إذا اختار الصمت أمام الظلم خوفًا من اتّهامه بالتدخّل في السياسة؟ وإذا التقينا يومًا في العالم الآخر، فسأشكرك لأنّك جعلتني أفهم شيئًا من الإنجيل قبل أن أفهم الإنجليزيّة التي شاهدتُ بها فيلمك. وأمّا الأب دوجلاس، فسأخبرك أنّه كاهنٌ إنسان ومعلّم فاضل: بدأ بتعليمنا اللغة، وانتهى بأن فتح أمامنا أسئلةً لاهوتيّة لم ننتهِ من مناقشتها بعد!

لقد حاولوا إسكات صوتك برصاصةٍ يا أوسكار، لكنّهم لم يدركوا أنّ صوت الراعي قد يصبح أقوى بعد موته. وأخشى أنّهم لو عرفوا عدد الكتب التي ستُكتب عنك، لكانوا قد اكتفوا بإغلاق الإذاعة!

مع مودّتي ومحبّتي،
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ