بين مظاهرات الغلاء وأعمال التخريب في الداخل، وجولة خليجية تستهدف تأمين النفط والديزل في الخارج، يجد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نفسه أمام اختبار اقتصادي وسياسي صعب.
نادر شكري
في توقيت بالغ الحساسية، بدأ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون،  جولة خليجية تشمل الكويت والإمارات العربية المتحدة والبحرين وقطر، في تحرك لا يقتصر على تعزيز العلاقات السياسية والدفاعية، بل يحمل هدفًا اقتصاديًا مباشرًا يتمثل في تأمين إمدادات إضافية من النفط والديزل، أملاً في تخفيف الضغوط على أسعار الوقود داخل فرنسا.
 
وجاءت الجولة بينما تشهد البلاد احتجاجات على ارتفاع تكاليف المعيشة وسوء الأوضاع في المدارس، تطورت في عدد من المناطق إلى أعمال عنف ونهب وإحراق للممتلكات، ما وضع الحكومة الفرنسية أمام تحديات أمنية وسياسية متزامنة مع أزمة الطاقة.
 
النفط.. مفتاح تهدئة الشارع؟
تدرك باريس أن ارتفاع أسعار الوقود لا يمثل مشكلة اقتصادية مجردة، بل عبئًا يوميًا على المواطنين، ينعكس على تكلفة النقل والإنتاج وأسعار السلع، ويزيد من حدة الغضب الاجتماعي.
 
ولهذا يسعى ماكرون إلى الحصول على تعهدات خليجية بتوفير كميات إضافية من النفط والديزل، مستعينًا بمسؤولين من شركتي الطاقة الفرنسيتين «توتال إنرجيز» و«إنجي»، في محاولة لتعزيز الإمدادات الفرنسية في ظل اضطراب أسواق الطاقة العالمية.
 
وبحسب تقارير صحفية، تشمل المباحثات أيضًا الاستفادة من مخزونات وقود موجودة في سلطنة عُمان، وتوفير إمدادات محتملة للأقاليم الفرنسية في المحيط الهندي، إلى جانب البحث عن مسارات بديلة لنقل المحروقات.
 
لكن تأمين كميات إضافية لا يعني بالضرورة انخفاضًا فوريًا في أسعار الوقود؛ فالسعر يتأثر بعوامل أخرى، منها أسعار النفط العالمية وتكاليف النقل والتكرير والضرائب وهوامش التوزيع. كما أن أي زيادة في الإمدادات تحتاج إلى وقت حتى يظهر أثرها في السوق.

مضيق هرمز.. الأزمة تتجاوز حدود فرنسا
تأتي التحركات الفرنسية في ظل اضطرابات إقليمية أثرت على حركة الطاقة عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط في العالم، فضلًا عن المخاطر التي تهدد طرق الشحن الأخرى في المنطقة.
 
ومن هنا، لا يقتصر هدف ماكرون على شراء النفط، بل يمتد إلى تأمين طرق وصوله، بالتنسيق مع دول الخليج، والبحث عن مسارات بديلة لتجنب الاختناقات البحرية التي تزيد تكاليف الإمداد وتفاقم تقلبات الأسعار.
 
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة بالنسبة إلى أوروبا، التي ما زالت تسعى إلى حماية اقتصاداتها من الصدمات الجيوسياسية وتقلبات أسواق الطاقة.
 
لماذا اختار ماكرون الخليج الآن؟
تمثل دول الخليج شريكًا مهمًا لفرنسا في مجالات الطاقة والاستثمار والتكنولوجيا والدفاع. ولذلك تمنح الجولة باريس فرصة لتوسيع التعاون الاقتصادي، إلى جانب التفاوض بشأن إمدادات الوقود في وقت تحتاج فيه الحكومة الفرنسية إلى نتائج ملموسة تخفف الضغوط على المواطنين.
 
واستهل ماكرون جولته بالكويت، حيث استقبله أمير البلاد الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، قبل الانتقال إلى بقية محطات الجولة المقررة حتى 21 أكتوبر.
 
غير أن التحرك الخارجي يحمل مفارقة سياسية واضحة: فبينما يبحث الرئيس الفرنسي عن حلول لأزمة الوقود في الخليج، تواجه حكومته في الداخل غضبًا اجتماعيًا واضطرابات تضع قدرتها على إدارة الأزمات موضع اختبار.
 
هل تنجح الدبلوماسية النفطية في احتواء الأزمة؟
المشكلة أن الغضب الفرنسي لا يرتبط بأسعار الوقود وحدها، بل يمتد إلى تكاليف المعيشة والضغوط الاقتصادية والاعتراضات على السياسات الحكومية. ومن ثم، فإن توفير إمدادات إضافية قد يساعد في تخفيف أحد أوجه الأزمة، لكنه لن يكون حلًا شاملًا للأسباب الاجتماعية والسياسية للاحتجاجات.
كما أن استقرار أسعار الوقود يتوقف على تطورات الصراع الإقليمي، وسلامة طرق الشحن، وقدرة المنتجين على الوفاء بالتزاماتهم، فضلًا عن حركة الأسواق العالمية.
 
وهنا يواجه ماكرون معادلة صعبة: فهو يحتاج إلى تحقيق مكاسب اقتصادية خارجية، لكنه يحتاج أيضًا إلى إقناع الفرنسيين بأن حكومتهم قادرة على التعامل مع أزماتهم اليومية واستعادة الاستقرار في الشوارع.
 
 أن جولة ماكرون الخليجية ليست مجرد زيارة دبلوماسية، بل محاولة لتأمين الطاقة وتخفيف آثار ارتفاع الأسعار على الاقتصاد الفرنسي. غير أن نجاحها سيُقاس بمدى انعكاس أي تحسن في الإمدادات على تكلفة الوقود، وبقدرة الحكومة على معالجة جذور الغضب الاجتماعي في الداخل.