بقلم: مارينا روماني 
أصبحنا في زمنٍ نخشى فيه أذى مَن أحسنّا إليهم، ونحذر فيه من أناسٍ فتحنا لهم أبواب الخير، ومددنا إليهم أيدينا بالعون، وظننا أن المعروف سيبقى شاهدًا على طيب العِشرة، فإذا ببعضهم يقابل الإحسان بالجحود، والوفاء بالغدر، والخير بالعداء والتخريب.
 
هناك نفوسٌ مهما منحتها من خير، لا ترى في إحسانك إلا فرصةً تستفيد منها، فإذا انتهت مصلحتها، انقلبت عليك، وربما سعت إلى هدم ما ساعدتها يومًا على بنائه. وكأنها لا تتذكر اليد التي انتشلتها، بل تسعى إلى إيذائها، وكأن المعروف الذي كان سببًا في نجاتها أصبح أمرًا تريد الانتقام منه.
 
فبعض الناس كالأُسود التي تلتهم اليد التي امتدت إليها بالطعام؛ لا تحفظ فضلًا، ولا تصون عهدًا، ولا يمنعها إحسان الأمس من أذى اليوم. وليس الخطر في أن تجحد بعض النفوس المعروف فحسب، بل في أن يتحول مَن أحسنت إليه إلى شخصٍ يتمنى لك السقوط، بعدما كنت سببًا في وقوفه.
 
لهذا، ليس كل مَن يستحق المساعدة يستحق أن تمنحه مكانةً في حياتك، وليس كل مَن تُحسن إليه جديرًا بثقتك أو أمانك. فالخير لا يعني أن نُغلق أعيننا عن حقيقة الناس، ولا أن نمنح الجميع مفاتيح حياتنا، بل أن نحسن دون أن نفقد حُسن الاختيار، وأن نساعد دون أن نُهمل حماية أنفسنا.
 
اختَر مَن تصاحب، ومَن تُصاهر، ومَن تأتمنه على أسرارك وحياتك؛ فالمظاهر قد تخدع، والكلمات قد تتزيّن، لكن الأصل يظهر عند الخلاف، وتنكشف المعادن حين تتعارض المصالح.
 
ابحث عن الأصل الطيب؛ عن إنسانٍ يعرف قيمة المعروف، ويصون العِشرة، ويحفظ الود حتى حين تختلف الطرق، ولا يجعل من طيبتك بابًا لاستغلالك، ولا من ثقتك فرصةً لإيذائك.
 
فالأصل الطيب ليس مجرد تربيةٍ أو نسب، بل أخلاقٌ تظهر في المواقف، ووفاءٌ تثبته الأيام، ومروءةٌ تمنع صاحبها من إنكار الجميل أو ردّ الإحسان بالأذى.
 
وفي النهاية، تذكّر أن الخير الذي تقدّمه لا يُنقص من قيمتك إن جحده الآخرون، لكن التجارب ينبغي أن تعلّمك لمن تمنحه، ومَن يستحق أن تفتح له أبواب قلبك وحياتك.
 
أحسِن، ولكن أحسِن الاختيار؛ فليس كل مَن أطعمته حفظ يدك، وليس كل مَن أنقذته سيمنع نفسه من إيذائك. ابحث عن الأصل، لأن بعض الناس تحفظ المعروف، وبعضهم ينتظر الفرصة ليأكل اليد التي امتدت إليه بالخير.