محرر الأقباط متحدون
خلال زيارته إلى لندن للمشاركة في سلسلة من الفعاليات، ترأّس الكاردينال جورج جاكوب كوفاكاد، عميد دائرة الحوار بين الأديان، القداس الإلهي في كاتدرائية وستمنستر. وفي عظته، دعا إلى الثبات في الهوية المسيحية، "لكي نتمكّن من لقاء الآخرين من دون خوف أو ارتباك". وأكّد أنّ الحوار بين أشخاص ينتمون إلى ديانات مختلفة يتيح تجاوز "الجهل والأحكام المسبقة"، والتعاون من أجل التوصّل إلى حلول سلمية للنزاعات.
تُظهر شخصية كورش، ملك فارس الذي لم يكن من بني إسرائيل، وبالتالي لم يكن منتمياً إلى الشعب المختار، ومع ذلك عيّنه الله محرّرًا له، كيف يمكن للعمل الإلهي أن يفاجئنا، وأنّه لا تحدّه "الحدود الجغرافية أو الانتماء العرقي أو الثقافة أو الانتماء الديني". هذا ما أكّده الكاردينال جورج جاكوب كوفاكاد، عميد دائرة الحوار بين الأديان، خلال ترؤّسه القداس الإلهي الذي احتُفل به صباح الأحد ١٨ تشرين الأول أكتوبر، في كاتدرائية وستمنستر في لندن. ويقيم الكاردينال في العاصمة البريطانية منذ ١٣ تشرين الأول أكتوبر، على أن يبقى فيها حتى الثاني والعشرين منه، للمشاركة في سلسلة من الفعاليات ذات الطابع المسكوني.
وفي عظته، وجّه الكاردينال كوفاكاد تحية إلى رئيس أساقفة وستمنستر ورئيس مجلس أساقفة إنكلترا وويلز، تشارلز فيليب ريتشارد موث؛ وإلى رئيس أساقفة برمنغهام والرئيس المشارك للجنة الدولية الأنغليكانية الكاثوليكية، برنارد لونغلي؛ وإلى أسقف نوتنغهام، باتريك ماكيني. وتشكّل إقامته في لندن مناسبة للتأكيد مجددًا على أنّ "تعزيز العلاقات الودّية بين الأديان المختلفة أصبح أكثر ضرورة من أي وقت مضى، في عالم يزداد تعدّدًا في الأديان". وأوضح الكاردينال كوفاكاد أنّ ما أكّده إعلان المجمع الفاتيكاني الثاني Nostra aetate، بشأن قدرة الكنيسة على الاعتراف بما هو "حقّ ومقدّس" في الديانات الأخرى، لا يعني التخلّي عن الإيمان الخاص بها. بل يعني، بالأحرى، بناء الجسور من خلال الحوار، وتحويل أمنية البابا فرنسيس إلى واقع ملموس، "لكي يجد كلّ إنسان في الآخر لا عدوًّا ولا منافسًا، بل أخًا علينا استقباله واحتضانه".
ثم استحضر الكاردينال كوفاكاد شخصية كورش، بطل القراءة الأولى، ليذكّر بأنّ العمل الإلهي قادر على تجاوز جميع أنواع الحدود. غير أنّ هذا لا يعني أنّ الاختلافات الدينية لا أهمية لها، أو أنّ جميع الديانات متطابقة. بل يدعونا الإيمان، بالأحرى، إلى "الإقرار بأنّ عمل الله أوسع من قدرتنا على فهمه". وبحسب الكاردينال كوفاكاد، فإنّ الفضائل اللاهوتية الثلاث التي ذكرها القديس بولس في رسالته الأولى إلى أهل تسالونيكي، ضرورية أيضًا لبناء العلاقات وتعزيز اللقاءات الحقيقية بين أتباع الديانات المختلفة. أولًا، الإيمان، الذي يمكّننا من الثبات "في هويتنا المسيحية، لكي نتمكّن من لقاء الآخرين من دون خوف أو ارتباك". ثم المحبة، التي تعني ألّا نختزل القريب في تصنيف أو صورة نمطية، بل أن نعترف بشخصه، وبما يحمله من تقليد وتاريخ. وأخيرًا، الرجاء: أي الإيمان، كما ذكّر البابا لاوُن الرابع عشر، بأنّ "الله قادر على تغيير القلوب وإنشاء الصداقة حيث كان الخوف يسود من قبل".
ثم توقّف الكاردينال كوفاكاد عند الإنجيل الذي أُعلن خلال الاحتفال بالقداس الإلهي، وفيه قال يسوع عبارته الشهيرة: "أَدُّوا إِذًا لِقَيصَرَ ما لِقَيصر، وللهِ ما لله". وأوضح أنّ هذه العبارة تحدّد بوضوح ترتيب الأولويات، قائلًا: "تحمل العملة صورة قيصر، لكن كل إنسان يحمل في ذاته صورة الله". فإذا كان بالإمكان إعطاء الإمبراطور عملة، فإنّه من الأساسي أن نهب ذواتنا لله. وأضاف أنّ هذا التعليم "يكتسب أهمية خاصة في العلاقات بين الأديان. فإذا كان كل إنسان يحمل في ذاته صورة الله، فلا يمكن معاملة أحد بوصفه عدوًّا، ولا يمكن للاختلافات الدينية بأيّ حال من الأحوال أن تتحوّل إلى ذريعة للكراهية أو التمييز أو العنف". وبالتالي، فإنّ التعاون بين أتباع الديانات المختلفة يشكّل "خدمة للعائلة البشرية بأسرها".
وأكّد الكاردينال كوفاكاد أنّه عندما يلتقي أشخاص ينتمون إلى ديانات مختلفة بصدق، "يمكنهم تجاوز الجهل والأحكام المسبقة، وتصحيح سوء الفهم، وتحديد مجالات الاهتمام المشترك. كما يمكنهم التعاون من أجل التوصّل إلى حلول سلمية للنزاعات، ووضع حدّ للحروب والعنف". وشدّد على أنّ الأمر لا يتعلّق بمجرد دبلوماسية أو مجاملة اجتماعية، بل هو إنجيل يُعاش بصورة ملموسة، قائلًا: "ليس القريب فقط هو الذي ينتمي إلى جماعتنا أو يشاركنا قناعاتنا الإيمانية. فالقريب هو الشخص الذي يضعه الله أمامنا لكي نحبّه، والذي نحن مدعوّون إلى الاعتراف بكرامته واحترامها وتقديرها".
وفي هذا السياق، أشاد الكاردينال كوفاكاد بالمملكة المتحدة، ولا سيّما لندن، لما تقدّمه من أمثلة على الفرص والتحديات المرتبطة بالتنوّع الديني. وقال: "يمكن لهذا التنوّع أن يصبح بركة عظيمة عندما يقترن بالاحترام المتبادل والالتزام من أجل الخير العام. لكنه قد يتحوّل أيضًا إلى مصدر للتوتّر، عندما يجري توظيف الاختلافات لإثارة الخوف أو الانقسام". ولذلك، فإنّ الجماعة المسيحية مدعوّة لكي تبقى أمينة للمسيح، وفي الوقت نفسه إلى لقاء أشخاص ينتمون إلى ديانات أخرى "بتواضع واحترام"، مع الاعتراف بصورة الله في كلّ واحد منهم.




