هاني صبري - المحامي 
تمر أوروبا بمرحلة تاريخية دقيقة تتجاوز في أبعادها الأزمات الاقتصادية والسياسية التقليدية، لتلامس سؤالاً أكثر عمقاً يتعلق بهويتها الحضارية، ومرجعيتها الأخلاقية، وقدرتها على المحافظة على تماسك مجتمعاتها في ظل التحولات الديموغرافية والثقافية المتسارعة. فالقارة التي أسهمت، عبر قرون طويلة، في تشكيل جانب كبير من الفكر الإنساني والقانون الحديث، تواجه اليوم تحديات متشابكة تتعلق بالهجرة والاندماج والأمن، وتراجع الثقة في المؤسسات، وصعود التيارات الشعبوية، وتنامي الشعور لدى قطاعات من مواطنيها بأن المسافة تتسع بين السياسات الحكومية وتطلعات المجتمعات الوطنية.

وفي قلب هذا المشهد يبرز تساؤل جوهري: هل تستطيع أوروبا تجاوز أزمتها الراهنة من خلال الإجراءات الاقتصادية والتشريعية وحدها، أم أن إنقاذها يتطلب أيضاً مراجعة أعمق لعلاقتها بجذورها التاريخية، واستعادة منظومة القيم التي أسهمت في تشكيل وجدانها الحضاري؟ وهل يمكن أن يكون الرجوع إلى المسيح وتعاليمه الأخلاقية مدخلاً إلى تجديد الروح الأوروبية، واستعادة التوازن بين الحرية والمسؤولية، وبين التعددية الثقافية والحفاظ على الهوية الوطنية؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة تستلزم قراءة متأنية للأزمة، بعيداً عن التبسيط أو التعميم، وبمنهج يجمع بين الاعتراف بالتحديات الواقعية والبحث عن حلول عملية ومستدامة.

أولاً: أزمة أوروبا ليست أزمة هجرة فحسب، بل أزمة هوية ومرجعية.
لا يمكن تفسير ما تواجهه أوروبا اليوم بعامل واحد، ولا يصح اختزال أزماتها المتعددة في الهجرة وحدها. فهناك عوامل اقتصادية واجتماعية وسياسية متراكمة، من بينها ارتفاع تكاليف المعيشة، وأزمات الإسكان، وتفاوت الفرص بين المواطنين، والضغوط على بعض الخدمات العامة، والشيخوخة السكانية، وتراجع الثقة في النخب السياسية، إلى جانب تداعيات الأزمات الأمنية والجيوسياسية.

ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أن إدارة الهجرة واللجوء أصبحت من أكثر الملفات تأثيراً في النقاش العام الأوروبي، خصوصاً عندما تتعثر سياسات الاندماج، أو تتشكل تجمعات اجتماعية معزولة، أو تنشأ فجوات بين القوانين الوطنية والممارسات الفعلية في بعض المجتمعات المحلية.

لقد تبنت حكومات أوروبية، بدرجات متفاوتة وفي مراحل مختلفة، سياسات استقبلت بموجبها أعداداً من المهاجرين واللاجئين، استجابةً لاعتبارات إنسانية واقتصادية وديموغرافية. غير أن الإشكالية لا تكمن في مبدأ استقبال اللاجئين ذاته، ولا في اختلاف الثقافات بوصفه حقيقة إنسانية، وإنما في مدى قدرة الدولة على إدارة هذه التحولات وفق قواعد واضحة تضمن أمن المجتمع، واحترام القانون، والاندماج اللغوي والثقافي، وحماية الحقوق المتساوية لجميع المواطنين.

فالتسامح، مهما بلغت قيمته الأخلاقية، لا يعني غياب الضوابط، واحترام التنوع لا يقتضي التخلي عن القواعد الدستورية المشتركة. كما أن حماية الهوية الوطنية لا تستلزم العداء للأجانب، بل تستوجب وجود إطار واضح يحدد الحقوق والواجبات، ويضمن أن يكون الانتماء إلى المجتمع السياسي قائماً على احترام القانون والمؤسسات والقيم الدستورية.

ومن هنا، فإن الخلل الذي ينبغي مناقشته ليس التسامح في ذاته، وإنما تحوله، في بعض السياسات والممارسات، إلى تصور يفتقر إلى التوازن بين الواجب الإنساني ومقتضيات المصلحة العامة، أو بين حق الفرد في الاحتفاظ بخصوصيته الثقافية وواجب الجميع في احترام النظام القانوني للدولة المضيفة.

ثانياً: الهجرة والاندماج.. من المسؤولية الإنسانية إلى ضرورة إدارة الدولة
إن من حق الدول الأوروبية، بل من واجبها، تنظيم حدودها، وتحديد سياسات الهجرة وفق احتياجاتها وقدراتها، والتحقق من طلبات اللجوء وفق القانون، ومواجهة الهجرة غير النظامية، والتصدي للجريمة والتطرف دون تمييز أو انتقائية.

لكن نجاح هذه السياسات لا يتحقق بمجرد تشديد الحدود أو زيادة القيود الإدارية؛ إذ إن الإدارة الرشيدة للهجرة تبدأ من منظومة متكاملة تجمع بين الرقابة القانونية، والقدرة المؤسسية، والاندماج الفعلي، والإنفاذ العادل للقانون.

ويقتضي ذلك، في المقام الأول، تطوير إجراءات سريعة وعادلة للفصل في طلبات اللجوء، مع احترام الالتزامات الدولية ومبدأ عدم الإعادة القسرية إلى أماكن يتعرض فيها الأشخاص لخطر الاضطهاد أو المعاملة المحظورة قانوناً. كما يقتضي تنفيذ قرارات الرفض النهائية وفق الإجراءات القانونية، وتوفير مسارات واضحة للهجرة النظامية، ومكافحة شبكات الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين.

وفي المقابل، لا يجوز أن تتحول الجنسية أو الخلفية العرقية أو الدينية إلى أساس للاشتباه الجماعي. فالمعيار الصحيح هو السلوك الفردي، ومدى الالتزام بالقانون، والأدلة التي تثبت المسؤولية، لا الانتماء إلى جماعة بعينها.

أما الاندماج، فلا يمكن أن يظل مجرد شعار سياسي. إنه عملية متبادلة تتطلب من الدولة توفير فرص تعلم اللغة، والتعليم والعمل، وتعريف الوافدين بالنظام الدستوري والقوانين والقيم المدنية الأساسية، كما تتطلب من المهاجر احترام تلك القواعد والمشاركة في المجتمع بدلاً من الانغلاق داخل كيانات منفصلة عنه.
إن الدولة التي تمنح الحقوق دون أن توضح الواجبات، أو تضع القوانين دون أن تنفذها، تعرض شرعية مؤسساتها للاهتزاز. وفي المقابل، فإن الدولة التي تجعل الانتماء الديني أو العرقي شرطاً للتمتع بالحقوق الأساسية تقوض مبدأ المواطنة ذاته.

والحل الأوروبي الرشيد هو الجمع بين الحزم القانوني والعدالة، وبين احترام الإنسان وحماية المجتمع.

ثالثاً: فرنسا وألمانيا وهولندا وبلجيكا وإيطاليا والبرتغال وبريطانيا.. تحديات مشتركة وواقع مختلف
تواجه دول أوروبية عدة نقاشات حادة حول الهجرة والهوية والأمن والاندماج، إلا أن طبيعة التحديات تختلف من دولة إلى أخرى، وفق تاريخها السياسي، وتركيبتها السكانية، وسوق العمل، وسياسات الإسكان، وطبيعة نظامها القانوني.

ففي فرنسا، يحتل مفهوم العلمانية والجمهورية والمواطنة موقعاً مركزياً في النقاش حول الهوية والاندماج والعلاقة بين الدين والفضاء العام.

وفي ألمانيا، تتقاطع قضايا الهجرة واللجوء مع احتياجات سوق العمل، والتغيرات الديموغرافية، وتحديات الاندماج، والجدل حول قدرة المؤسسات على الاستجابة للضغوط الاجتماعية.

وفي هولندا وبلجيكا، تبرز قضايا التماسك الاجتماعي، والتفاوتات بين المناطق، والاندماج في سوق العمل، والتعامل مع مظاهر التطرف والعزلة الاجتماعية.
أما إيطاليا والبرتغال، فتتأثران، كل بطريقته، بتحديات إدارة الحدود والهجرة، والاحتياجات الاقتصادية، والتحولات السكانية، وقدرة الخدمات العامة على الاستجابة للمتغيرات.

وفي المملكة المتحدة، التي غادرت الاتحاد الأوروبي، ما زالت الهجرة والهوية الوطنية والضغوط على الإسكان والخدمات العامة من الملفات الرئيسية في الجدل السياسي.

لكن من الضروري التمييز بين المشكلات المثبتة والادعاءات السياسية بشأنها. فلا يجوز اعتبار جميع المهاجرين سبباً للجريمة، أو افتراض أن المجتمعات ذات الخلفيات الثقافية المختلفة عاجزة بطبيعتها عن التعايش. فالتقييم الجاد يحتاج إلى بيانات موثوقة، ومقارنات تراعي العمر والوضع الاقتصادي والمناطق، وتفرق بين الهجرة النظامية وغير النظامية، وبين اللاجئين والعمال والطلاب وغيرهم.

إن الاعتراف بهذه الفروق لا يقلل من خطورة المشكلات القائمة؛ بل يساعد على تشخيصها بدقة، حتى لا تتحول المعالجة إلى شعارات انتخابية لا تنتج إصلاحاً حقيقياً.

رابعاً: الجذور المسيحية لأوروبا.. هل فقدت القارة مرجعيتها الروحية؟
هنا نصل إلى البعد الأعمق في هذه الأزمة، وهو البعد الحضاري والروحي.

فأوروبا لم تتشكل من خلال الاقتصاد أو القوة العسكرية وحدهما، وإنما أسهمت المسيحية، إلى جانب التراث اليوناني والروماني، والفكر القانوني، والتقاليد الفلسفية، وحركات الإصلاح والتنوير، في تشكيل تاريخها ومؤسساتها ومفاهيمها الأخلاقية.

وقد تركت تعاليم المسيح، بما تحمله من دعوة إلى المحبة والرحمة والتواضع ومساعدة المحتاج واحترام كرامة الإنسان، أثراً عميقاً في الوجدان الأوروبي، وإن اختلفت المجتمعات في تفسير هذا الإرث أو تطبيقه، وإن لم تكن جميع القيم والمؤسسات الأوروبية المعاصرة ذات أصل ديني مباشر.

ومن ثم، فإن الدعوة إلى عودة أوروبا إلى المسيح ليست مجرد دعوة إلى زيادة حضور الكنائس في الحياة العامة، ولا إلى فرض الاعتقاد الديني على المواطنين، بل يمكن أن تكون دعوة إلى استعادة البعد الأخلاقي في السياسة والمجتمع، وإعادة الاعتبار إلى القيم التي تجعل الحرية مسؤولية، والسلطة أمانة، والثروة وسيلة للبناء لا غاية مطلقة، والإنسان غاية في ذاته لا مجرد رقم في معادلات الاقتصاد أو السياسة.

ففي إنجيل متى، الإصحاح الخامس، الآية التاسعة، ورد: «طوبى لصانعي السلام، لأنهم أبناء الله يُدعون».
وفي إنجيل متى، الإصحاح الثاني والعشرين، الآية التاسعة والثلاثين، وردت الوصية: «تحب قريبك كنفسك».

إن هذه التعاليم لا تدعو إلى الضعف أمام الظلم أو إلى تعطيل القانون، وإنما تقدم أساساً أخلاقياً يمكن أن يجمع بين الرحمة والحزم، وبين حماية الضعيف وصيانة النظام العام، وبين رفض الكراهية والتمسك بالحق.

والسؤال الذي ينبغي أن تطرحه أوروبا على نفسها ليس ما إذا كان عليها أن تتخلى عن الحداثة أو تعود إلى صراعات الماضي، وإنما ما إذا كان بإمكانها المحافظة على مكتسباتها الحضارية دون أن تفقد الإحساس بالغاية الأخلاقية التي تمنح تلك المكتسبات معناها.

إن الحضارة التي تتقدم تكنولوجياً واقتصادياً، لكنها تعجز عن بناء روابط الثقة والتضامن والمسؤولية، قد تجد نفسها أمام فراغ معنوي لا تستطيع التشريعات وحدها ملأه.

ومع ذلك، فإن استعادة الجذور المسيحية لا تعني إنكار إسهامات غير المسيحيين، أو اختزال الهوية الأوروبية في عقيدة واحدة. فالمجتمعات الأوروبية تضم مؤمنين ومواطنين غير متدينين، كما تضم أقليات دينية متعددة. وأي مشروع لتجديد أوروبا ينبغي أن يميز بين استعادة الإرث المسيحي بوصفه جزءاً أصيلاً من تاريخها، وبين فرض الإيمان أو الانتقاص من حقوق الآخرين.

إن الرجوع إلى المسيح، في معناه الأخلاقي والحضاري، ينبغي أن يبدأ بإصلاح الإنسان قبل مطالبة الآخرين بالتغير، وباستعادة قيم المحبة والعدل والصدق وخدمة المجتمع، لا بتحويل الدين إلى أداة للإقصاء أو الصراع السياسي.

خامساً: هل تستطيع المسيحية أن تقدم جواباً عن أزمة الهوية الأوروبية؟
إن استعادة الحضور الروحي للمسيحية يمكن أن تسهم في تجديد النقاش الأوروبي حول الأسرة، والمسؤولية الفردية، والتكافل الاجتماعي، والكرامة الإنسانية، ومعنى الحياة العامة. لكنها لا تغني عن السياسات العامة الفعالة، ولا تعفي المؤسسات من مسؤولياتها القانونية والاقتصادية.

فلا يكفي أن تدعو الحكومات إلى الأخلاق إذا كانت عاجزة عن توفير السكن والعمل والتعليم، كما لا يكفي أن تتوسع في الإنفاق العام إذا كانت مؤسساتها تفقد الثقة والشفافية والقدرة على إنفاذ القانون.

إن المشروع الحضاري المتوازن يحتاج إلى ثلاثة أبعاد متكاملة:
أولاً: البعد الروحي والأخلاقي. ويشمل تعزيز قيم الصدق والأمانة والتسامح المسؤول والتضامن واحترام الأسرة وكرامة الإنسان، وإفساح المجال أمام الكنائس والمؤسسات الدينية والمجتمع المدني للمساهمة في الخدمة العامة والحوار المجتمعي.

ثانياً: البعد الدستوري والقانوني. ويتمثل في ترسيخ سيادة القانون، وضمان المساواة أمام القضاء، وحماية حرية الاعتقاد والتعبير، ومكافحة العنف والتطرف، وعدم التساهل مع من يهددون سلامة الآخرين أو يرفضون الالتزام بالقوانين العامة.

ثالثاً: البعد الاقتصادي والاجتماعي. ويقتضي معالجة أزمات الإسكان، وتحسين التعليم والتدريب، وتوسيع فرص العمل، وتقليل التفاوتات الاجتماعية، ومساندة الأسر، وتوفير مسارات عملية للاندماج والمشاركة المدنية.

وبهذا المعنى، لا تكون العودة إلى المسيح بديلاً عن إصلاح الدولة، بل مصدراً أخلاقياً يمكن أن يدعم هذا الإصلاح ويمنحه اتجاهاً إنسانياً.

سادساً: برنامج عملي لإنقاذ أوروبا واستعادة تماسكها الحضاري
إن إنقاذ أوروبا لا يتحقق بقرار سياسي واحد، ولا بخطاب ديني منفرد، بل يتطلب مشروعاً متكاملاً يجمع بين إصلاح السياسات العامة وتجديد الحياة الأخلاقية.

1- استعادة الثقة بالهوية الوطنية
ينبغي للدول الأوروبية أن تعيد تأكيد هويتها التاريخية والوطنية من خلال التعليم والثقافة وحماية التراث، وتعريف الأجيال الجديدة بتاريخ بلدانها ومؤسساتها الدستورية وإسهاماتها الحضارية.

ولا يعني ذلك بناء هوية مغلقة أو معادية للآخر، وإنما ترسيخ شعور مشروع بالانتماء والمسؤولية المشتركة. فالمواطن الذي يعرف تاريخ بلاده ويفهم مؤسساتها ويشعر بأن صوته مسموع يكون أقدر على المشاركة في حمايتها وتطويرها.

2- وضع سياسة هجرة واضحة وقابلة للتنفيذ
تحتاج أوروبا إلى سياسة هجرة توازن بين الاحتياجات الاقتصادية والالتزامات الإنسانية والقدرات الاستيعابية، مع تحسين إجراءات اللجوء، ومكافحة شبكات التهريب، وتنسيق المسؤوليات بين الدول الأوروبية، وضمان التنفيذ القانوني للقرارات النهائية.

كما ينبغي أن تكون معايير الهجرة معلنة وواضحة، وأن تستند إلى القانون والاحتياجات الفعلية، لا إلى التمييز الديني أو العرقي.

3- جعل الاندماج التزاماً متبادلاً
يجب أن تشمل برامج الاندماج تعليم اللغة، والتعريف بالقوانين والنظام الدستوري، والتأهيل المهني، ودعم مشاركة الآباء والأمهات في تعليم أبنائهم، وتعزيز فرص العمل والتفاعل بين المجتمعات.

وفي المقابل، يجب على السلطات أن تتعامل بجدية مع أي ممارسة تنتهك حقوق الإنسان أو تفرض الإكراه على الأفراد أو تتعارض مع القوانين العامة، أياً كان مرتكبها أو مبررها الثقافي أو الديني.

4- تطبيق القانون بحزم وعدالة
لا يمكن حماية المجتمع إذا شعر المواطن بأن القانون لا يطبق بالتساوي، أو أن بعض الجرائم يجري التغاضي عنها لأسباب سياسية أو ثقافية.
ويقتضي الإصلاح تعزيز قدرات الشرطة والقضاء، وتسريع الفصل في القضايا، ومواجهة التطرف العنيف، وحماية ضحايا الجرائم، مع ضمان المحاكمة العادلة وقرينة البراءة وعدم تحويل الاشتباه إلى إدانة جماعية.

5- إعادة الاعتبار إلى الأسرة والتعليم
إن الأسرة والتعليم من أهم المؤسسات التي تنقل القيم وتبني الشخصية وتدعم الاستقرار الاجتماعي.

ولذلك ينبغي تطوير سياسات تساعد الأسر على مواجهة تكاليف المعيشة، وتدعم رعاية الأطفال، وتحسن جودة التعليم، وتمنح المدارس دوراً فعالاً في ترسيخ المسؤولية المدنية واحترام القانون والتاريخ الوطني والتفكير النقدي.

ولا يتحقق ذلك بفرض نموذج ديني واحد على الجميع، بل بإتاحة المجال أمام الأسرة والمؤسسات الدينية والتربوية للعمل في إطار يحترم الحقوق والحريات.

6- تجديد الدور الحضاري للكنائس والمؤسسات المسيحية
يمكن للكنائس والمؤسسات المسيحية أن تؤدي دوراً مهماً في مواجهة العزلة الاجتماعية، ومساندة الفقراء، ورعاية كبار السن، ودعم الأسر، وتوفير مساحات للحوار بين الأجيال والثقافات.

كما تستطيع أن تقدم نموذجاً عملياً يجمع بين الإيمان والخدمة العامة، ويعيد ربط القيم الدينية بقضايا الإنسان اليومية، بدلاً من حصر الدين في الشعائر أو تحويله إلى موضوع للصراع الحزبي.

إن عودة أوروبا إلى جذورها المسيحية تصبح أكثر تأثيراً حين تظهر في العمل والتضامن والأمانة وخدمة المحتاج، لا في الشعارات وحدها.

7- معالجة الأسباب الاقتصادية التي تغذي الغضب والانقسام
لا يمكن تجاهل أن الشعور بالتهميش أو المنافسة على السكن والعمل والخدمات العامة قد يتحول إلى أرض خصبة للغضب السياسي والتطرف.

لذلك، فإن الاستثمار في المناطق المحرومة، وتحسين فرص الشباب، ومكافحة الاستغلال في سوق العمل، وزيادة المعروض السكني، وتحسين الخدمات العامة، ليست سياسات اقتصادية منفصلة عن قضية الهوية؛ بل هي جزء من بناء الثقة بين المواطن والدولة.

8- بناء مشروع أوروبي يقوم على المسؤولية المشتركة
تحتاج الدول الأوروبية إلى تنسيق أكثر فاعلية في حماية الحدود الخارجية، وتبادل المعلومات وفق القانون، وتوزيع المسؤوليات المتعلقة باللجوء، ومواجهة شبكات الاتجار بالبشر، مع احترام اختصاصات الدول وحقوق الأفراد.

كما تحتاج إلى خطاب سياسي يتجنب الإنكار والتهويل معاً؛ فلا ينكر المشكلات الحقيقية، ولا يستغل المخاوف لتأجيج الكراهية أو تقسيم المجتمع.
فالمجتمع القوي ليس المجتمع الذي يخلو من الاختلاف، وإنما المجتمع الذي يمتلك مؤسسات قادرة على إدارة الاختلاف في إطار من القانون والاحترام المتبادل.

سابعاً: أوروبا بين العلمانية والإيمان.. المطلوب مصالحة لا صدام
قد يرى البعض أن إنقاذ أوروبا يقتضي العودة إلى المسيحية، بينما يرى آخرون أن العلمانية هي الضمان الأساسي للتعايش بين مختلف المعتقدات.

لكن وضع المسألة في صورة مواجهة مطلقة بين الإيمان والعلمانية لا يساعد على حل الأزمة. فالتقاليد الأوروبية نفسها تضم تجارب متنوعة في تنظيم العلاقة بين الدين والدولة، كما أن احترام حرية الدين لا يتعارض بالضرورة مع الاعتراف بالجذور المسيحية للتاريخ الأوروبي.

إن المطلوب ليس إقامة دولة تفرض العقيدة، ولا بناء مجتمع يعامل الإيمان بوصفه أمراً يجب إقصاؤه من المجال العام، بل إيجاد توازن يحفظ حرية الاعتقاد، ويصون استقلال المؤسسات الدستورية، ويتيح للمجتمعات الدينية المشاركة في الحياة المدنية، ويمنع استخدام الدين لتبرير العنف أو سلب الحقوق.

والعلمانية التي تحمي حرية الضمير ينبغي ألا تتحول إلى عداء للدين، كما أن التدين الذي يستلهم تعاليم المسيح ينبغي ألا يتحول إلى وسيلة لحرمان الآخرين من حقوقهم.

وفي هذا التوازن تكمن فرصة أوروبا لاستعادة الثقة بنفسها: أن تعترف بجذورها دون أن تنكر تنوع حاضرها، وأن تحمي هويتها دون أن تتخلى عن العدالة، وأن تستعيد قيمها دون أن تجعلها أداة للإقصاء.

إن الأزمة الأوروبية الراهنة، على تعدد أسبابها واختلاف مظاهرها بين دولة وأخرى، تطرح سؤالاً يتجاوز السياسات الانتخابية والتدابير الأمنية: ما نوع المجتمع الذي تريد أوروبا أن تكونه في العقود المقبلة؟

هل تريد قارة تكتفي بإدارة الأزمات الاقتصادية والديموغرافية، أم قارة تعيد بناء الثقة بين المواطن والدولة، وتوازن بين حقوق الإنسان وواجباته، وبين الانفتاح وحماية الهوية، وبين التقدم المادي والسمو الأخلاقي؟

إن الإجابة لا تكون بتحميل المهاجرين جميع مشكلات أوروبا، ولا بإنكار التحديات التي قد تنتج عن ضعف الرقابة أو تعثر الاندماج، ولا بالتعامل مع الهوية الوطنية باعتبارها مفهوماً متجاوزاً. وإنما تكون بالاعتراف بأن الدولة تحتاج إلى حدود قانونية واضحة، ومؤسسات فعالة، وسياسات عادلة، ومجتمع يمتلك شعوراً راسخاً بالانتماء والمسؤولية.

وفي الوقت ذاته، فإن استعادة الجذور المسيحية يمكن أن تمثل دعوة عميقة إلى تجديد الضمير الأوروبي، إذا فهمت باعتبارها عودة إلى المحبة والرحمة والعدل والتواضع وخدمة الإنسان، لا دعوة إلى التعصب أو الصدام مع أصحاب المعتقدات الأخرى.

فالمسيح الذي دعا إلى محبة القريب، وإغاثة المحتاج، وصنع السلام، يقدم نموذجاً أخلاقياً يستطيع أن يلهم أوروبا في مواجهة الفردانية المفرطة، واللامبالاة الاجتماعية، وتراجع التضامن، وفقدان المعنى.

لكن هذه العودة لا تكتمل بالخطابات، ولا تقاس بعدد الشعارات التي ترفعها الحكومات أو المؤسسات، بل بمدى انعكاس القيم على الواقع: في عدالة القضاء، ونزاهة الإدارة، وحماية الأسرة، ورعاية الضعفاء، واحترام القانون، وكرامة الإنسان.

إن إنقاذ أوروبا لا يعني أن تغلق أبوابها أمام العالم، ولا أن تتخلى عن هويتها من أجل إرضاء العالم؛ بل أن تعرف من تكون، وما القيم التي تؤمن بها، وما القواعد التي تنظم العيش المشترك على أرضها.

وإذا كانت أوروبا قد أسهمت في بناء حضارة قانونية وفكرية واسعة التأثير، فإن مسؤوليتها اليوم أن تجدد هذه الحضارة من داخلها، وأن تجعل من الحرية مسؤولية، ومن التنوع تعايشاً، ومن القانون ضمانة للجميع، ومن الإيمان مصدراً للرحمة والعدل.

وعندئذ فقط يمكن أن تصبح الدعوة إلى الرجوع إلى المسيح أكثر من حنين إلى الماضي؛ يمكن أن تتحول إلى مشروع أخلاقي لإعادة بناء الإنسان، وترميم الروابط الاجتماعية، واستعادة الثقة بالمستقبل.

فأوروبا لا تحتاج إلى التخلي عن مكتسباتها الحضارية كي تستعيد روحها، وإنما تحتاج إلى أن تتذكر أن الحضارة لا تُقاس بما تنتجه من ثروة وقوة فحسب، بل أيضاً بما تحميه من كرامة، وما تبنيه من عدالة، وما تغرسه في نفوس أبنائها من معنى ومسؤولية وأمل.

إن استعادة أوروبا تبدأ باستعادة الإنسان، واستعادة الإنسان تبدأ حين تتصالح الحرية مع المسؤولية، والقوة مع الرحمة، والهوية مع العدالة، والتقدم مع الضمير.