د.ماجد عزت إسرائيل
هناك مواقف في تاريخ الأمم لا تُقاس بالكلمات، ولا تُفسَّر بالمصالح العابرة، وإنما تُقاس بصدق العلاقات وعمق الروابط والقدرة على الوقوف إلى جانب الأشقاء وقت الشدائد. وهكذا كانت العلاقات المصرية السعودية عبر التاريخ، علاقات قامت على الأخوة والمواقف المشتركة، وأثبتت أن ما يجمع البلدين أكبر من أي خلاف عابر أو حسابات سياسية ضيقة.
واليوم، وفي ظل ما تشهده المنطقة من تحديات خطيرة وتصعيد يهدد أمنها واستقرارها، جاء اجتماع مجلس الدفاع الوطني المصري، برئاسة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، في الثامن عشر من أكتوبر 2026م، ليؤكد تضامن مصر الكامل مع المملكة العربية السعودية واستعدادها لتقديم أشكال الدعم اللازمة والممكنة للدفاع عن أمن المملكة واستقرارها وسلامة أراضيها ومقدساتها الإسلامية، مع مواصلة الجهود السياسية والدبلوماسية لخفض التصعيد.
وهنا لا بد أن نستحضر التاريخ، لأن الشعوب الأصيلة لا تنسى من وقف بجانبها في أوقات المحن.
لقد مرت مصر منذ أحداث عام 2011م بمرحلة بالغة الصعوبة، واجهت خلالها تحديات سياسية واقتصادية وأمنية كبيرة. وكانت المملكة العربية السعودية حاضرة في مسار العلاقات بين البلدين، وقدمت مساعدات اقتصادية لمصر بعد ثورة يناير، ثم برز دعمها السياسي والاقتصادي بصورة واضحة خلال أحداث عام 2013م، في عهد الملك عبد الله بن عبد العزيز، رحمه الله. وهي مواقف تظل جزءًا مهمًا من تاريخ العلاقات بين الدولتين، مهما اختلفت القراءات السياسية لتلك المرحلة.
ومن هنا، فإن الوقوف المصري اليوم إلى جانب المملكة العربية السعودية يمكن أن يُقرأ باعتباره وفاءً لمواقف تاريخية، لكنه في الوقت نفسه أعمق من مجرد رد الجميل. إنه تعبير عن إدراك أن أمن الدولتين يرتبط ارتباطًا وثيقًا بأمن المنطقة العربية بأكملها.
فمصر لا تنظر إلى أمن المملكة باعتباره شأنًا بعيدًا عن مصالحها، كما أن أمن مصر واستقرارها يمثلان عنصرًا أساسيًا في التوازن العربي. وعندما تتعرض دولة عربية شقيقة لتهديد يمس سيادتها أو سلامة أراضيها، يصبح التضامن معها مسؤولية تفرضها روابط الأخوة ومقتضيات الأمن المشترك. ولذلك، فمن المهم ألا يؤخذ الموقف المصري في غير سياقه، وألا يُفسَّر باعتباره دعوة إلى الحرب أو اندفاعًا نحو الصراعات. فالبيان المصري لم يقتصر على إعلان التضامن والدعم، وإنما أكد كذلك ضرورة تكثيف الجهود السياسية والدبلوماسية لخفض التصعيد وتسوية الأزمات بالوسائل السلمية.
وهنا تكمن أهمية الجمع بين حماية الأمن القومي والحرص على تجنب اتساع دائرة الصراع؛ فالقوة ليست في استخدام أدوات الردع وحدها، وإنما أيضًا في القدرة على توظيف العلاقات السياسية والدبلوماسية لحماية الدول والشعوب من مخاطر الحروب.فإن الدولة التي تحافظ على أمنها وسلامة أراضيها، وتدرك في الوقت نفسه أهمية أمن جيرانها وحلفائها، تتعامل مع الأمن القومي من منظور شامل لا يتوقف عند حدودها الجغرافية.
وهذه هي الفكرة التي يمكن وصفها بالعبقرية المصرية في إدارة العلاقات الإقليمية: أن تحمي وطنك، وأن تدرك أن استقرار جوارك جزء من استقرارك، وأن تجعل من التعاون والتضامن وسيلة لحماية السلام، لا لإشعال الصراعات. ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى الموقف الذي أعلنه مجلس الدفاع الوطني باعتباره امتدادًا لنهج تاريخي في العلاقات المصرية السعودية، يجمع بين المصالح المشتركة والروابط العربية والإسلامية.
لقد أثبت التاريخ أن مصر والسعودية عندما تتعاونان، فإن هذا التعاون يتجاوز حدود العلاقات الثنائية ليصبح عنصرًا مؤثرًا في أمن المنطقة واستقرارها. وقد شهدت علاقاتهما صورًا متعددة من الدعم المتبادل عبر العقود، من الأزمات والحروب العربية إلى التعاون الاقتصادي والسياسي في العصر الحديث. وليس معنى الوفاء للمواقف التاريخية أن تتخلى دولة عن استقلال قرارها الوطني أو تدخل في صراع دون حساب لعواقبه، بل إن الوفاء الحقيقي يتمثل في المساندة المسؤولة، التي تراعي مصالح الشعوب وتحافظ على أرواحها وتعمل على تجنيب المنطقة مزيدًا من المعاناة.
ومن حق كل مصري أن يعتز بتاريخ بلاده ومواقفها العربية، كما أن من حق الأشقاء في المملكة العربية السعودية أن يجدوا في مصر شريكًا يحرص على أمنهم واستقرارهم. فإن العلاقات بين الشعوب لا تبنيها البيانات الرسمية وحدها، وإنما تصنعها ذاكرة التاريخ، وتؤكدها المواقف الصعبة، وتحفظها الثقة المتبادلة.
وفي النهاية، تبقى الرسالة واضحة: مصر لا تنسى من وقف بجانبها، ولا تتخلى عن مسؤوليتها تجاه أمنها القومي ومحيطها العربي. والسعودية ليست مجرد دولة شقيقة تجمعها بمصر مصالح مشتركة، بل شريك تاريخي ترتبط سلامته واستقراره باستقرار المنطقة كلها. وإذا كان التاريخ قد سجل للمملكة العربية السعودية مواقفها الداعمة لمصر، فإنه يسجل اليوم موقفًا مصريًا معلنًا للتضامن مع المملكة في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها.
ولعل القيمة الأهم في هذا الموقف هي أن تكون الأخوة العربية سندًا للسلام، وأن يظل الحوار حاضرًا إلى جانب الاستعداد للدفاع عن الأمن والسيادة. فتحية لمصر وشعبها، وتحية للمملكة العربية السعودية وشعبها، وحفظ الله البلدين من كل سوء، وأدام بينهما روابط الأخوة والمحبة والتعاون.
فالأوطان العريقة لا تنسى المواقف، والدول الواعية لا تفرّط في أمنها، والعلاقات الأصيلة لا تختبرها الأيام الهادئة، وإنما تكشف معدنها الشدائد.





