منى أبوسنة
يوم الثلاثاء الماضى ١٣ أكتوبر ٢٠٢٦ حلت الذكرى المائة لميلاد الفيلسوف الأممى «مراد وهبة». إن إضافة صفة «الأممى» إلى الفيلسوف لها تاريخ يجب أن يُروى؛ ففى عام ١٩٧٥ تلقى الفيلسوف دعوةً رسمية من الجمعية الدولية الباكستانية للمشاركة فى مؤتمرها الدولى السابع عشر الذى عُقد فى لاهور فى العام نفسه. قَبِل الفيلسوف الدعوة وشارك ببحثٍ له بعنوان «الأصالة والمعاصرة فى دول العالم الثالث»، وكان يُقصد بالعالم الثالث آنذاك دول وشعوب آسيا وإفريقيا التى تشكل كتلة ثالثة إلى جانب العالمين الأول والثانى المتمثلين فى الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى. وعندما تلا الفيلسوف بحثه فى المؤتمر، حدثت مفارقة؛ مفارقة تمثل تناقضاً حاداً بين كبار فلاسفة باكستان وشيوخهم من جهة، وشباب الفلاسفة والباحثين من جهة أخرى؛ فقد تحمس الشباب حماساً شديداً للفكرة التى أطلقها الفيلسوف فى بحثه، بينما عارضها بشدة كبار الفلاسفة ورَفَضوها. وتدور الفكرة حول أن دول العالم الثالث وشعوبه لم تمر بمرحلتين تاريخيتين مر بهما العالم الأول والثانى، وهما حركتا الإصلاح الدينى فى القرن السادس عشر، والتنوير فى القرن الثامن عشر. ووجه الفيلسوف الدعوة إلى فلاسفة آسيا وإفريقيا لتأسيس هاتين الحركتين من خلال البحث الفلسفى والجمعيات الفلسفية.

تحمس الشباب -كما ذكرت سالفاً- إلى الحد الذى طالبوا فيه الفيلسوف بضرورة وسرعة تأسيس جمعية فلسفية أفرو-آسيوية تعمل على تحقيق تلك الفكرة بدول وشعوب ومجتمعات العالم الثالث (تحديداً فى آسيا وإفريقيا). وبعد حوار طويل صاخب، اتفق الجميع على أن يتولى الفيلسوف تلك المسؤولية (تأسيس الجمعية) فى القاهرة وعقد مؤتمرها الأول؛ وقد كان.

بدأ وهبة فى الإعداد لعقد المؤتمر الفلسفى الدولى الأول للجمعية الفلسفية الأفرو-آسيوية بالقاهرة بعنوان «الفلسفة والحضارة»، وخاطب الاتحاد الدولى للجمعيات الفلسفية الذى يضم الجمعيات الفلسفية العالمية. وقد كان الحماس شديداً لفكرة الفيلسوف الأممي؛ إذ رحب جميع أعضاء المكتب التأسيسى والتنفيذى للاتحاد الدولى للجمعيات الفلسفية بعقد المؤتمر بالقاهرة. وتأكيداً لحماسهم،

قرر المكتب التنفيذى عقد مؤتمره السنوى على هامش المؤتمر الذى عُقد بالقاهرة فى عام ١٩٧٨ بعنوان «الفلسفة والحضارة».

إن اختيار عنوان المؤتمر كان حدثاً ثورياً بحد ذاته؛ فلم يكن لفظ «الحضارة» يلقى اهتماماً فى البحث الفلسفى، إذ اعتبره معظم الفلاسفة يندرج تحت مجال العلوم السياسية والاجتماعية لا الفلسفية. وعلى الرغم من ذلك، تحمس فلاسفة الاتحاد الدولى لعنوان المؤتمر، معلنين بذلك الأهمية الفلسفية لمفهوم الحضارة. وكان ذلك بمثابة نقلة نوعية فى المسار التاريخى للاتحاد الدولى للجمعيات الفلسفية الذى أُنشئ عام ١٩٤٨ إثر انتهاء الحرب العالمية الثانية إلى جانب الأمم المتحدة وصندوق النقد الدولى. بعد ذلك عقدت جمعيات فلسفية متعددة فى مختلف دول العالم مؤتمرات عن موضوع الحضارة وعن الثقافات وتناولتهما بالبحث والدراسة الفلسفية. وجديرٌ بالتنويه هنا أنَّ الاتحاد الدولى للجمعيات الفلسفية يضم غالبية فلاسفة العالم الذين أسسوا فلسفات متعددة كان لها بالغ الأثر فى تشكيل فكر ووعى شعوب كثيرة ببلدان العالم الأول والثانى، ومن أمثلة هؤلاء: هنرى برغسون الفيلسوف الفرنسى الذى كان ضمن مؤسسى الاتحاد عام ١٩٤٨ وهو صاحب فلسفة «التطور الخلاق»، وكذلك العديد من مؤسسى فلسفة الوضعية المنطقية من أمثال: السير ألفريد آير، وفريجه، وكواين، وفيتجنشتاين.

عُقد المؤتمر بالقاعة الكبرى بمبنى جامعة الدول العربية بميدان التحرير. وفى اليوم الأول للمؤتمر حدث موقف جدير بالذكر؛ ففى الجلسة الأولى للمؤتمر وبعد أن تلا رئيس الجمعية الإندونيسية بحثه، وقف السير «ألفريد آير» رئيس وزعيم ومؤسس مدرسة الوضعية المنطقية فى ثورة غضب، وقال بصوت جهورى: «لقد خدعنى وهبة؛ فقد دعانى إلى المشاركة فى مؤتمر فلسفى، وإذا بى أجد نفسى فى مؤتمر دينى!»، وفى حركة مسرحية درامية أشاح بالكرسى وأسقطه على الأرض تعبيراً مجسداً عن غضبه ورفضه لهذا الموقف. وقد كان هذا الموقف البرهان الساطع على أهمية تأسيس الحركتين سالفتى الذكر (الإصلاح الدينى والتنوير فى دول العالم الثالث) وضرورتهما وحيويتهما. حقق المؤتمر نجاحاً باهراً، وعقد المكتب التنفيذى للاتحاد الدولى مؤتمره السنوى على هامش المؤتمر تدعيماً ليس للمؤتمر فحسب، بل للفكرة التى تأسست عليها الجمعية الفلسفية الأفرو- آسيوية أيضاً.

وفى عام ١٩٨١ عُقد المؤتمر الثانى بعنوان «الفلسفة والثقافات» بنيروبى عاصمة كينيا بتأسيس من الجمعية الفلسفية الكينية. ولم يحضر الفيلسوف المؤتمر لأنه كان قد فُصل من الجامعة بقرار من الرئيس أنور السادات ومُنع من السفر. بيد أننى شاركت فى ذلك المؤتمر ممثلةً للجمعية؛ إذ انتُخبتُ سكرتيرةً عامةً للجمعية، وانتُخب الفيلسوف رئيساً لها. أيّد المجتمعون فى كينيا الفيلسوف بشدة وأرسلوا له خطاب دعم وتأييد. وثمة موقف آخر حدث فى ذلك المؤتمر جدير بالذكر؛ ففى محاضرته الافتتاحية، قرأ رئيس الجمعية الكينية «أوديرا أوروؤكا» بحثه وكان بعنوان «فلسفة الحكماء»، والمقصود بالحكماء هم الفلاسفة الشعبيون الأفارقة الذين يوضعون فى مرتبة مقدسة. قال «أوروؤكا» فى معرض بحثه إن والده بعد أن تُوفى كان يحضر معهم يومياً طعام الغداء على مائدة الطعام، ومن فرط دهشتى تكلمتُ دون استئذان وقلت له: «كيف تكون فيلسوفاً وحاصلاً على الدكتوراه من إنجلترا وتتحدث كذلك عن والدك وأنه يحضر الغداء بعد أن مات؟»، فثار وماج بشدة ثورة عارمة ووجّه إلىّ الكلام: «أنتِ لا تفهمين ثقافتنا، هذه هى ثقافتنا وهذه هى معتقداتنا!». وقد كان ذلك دليلاً دامغاً آخر يُضاف إلى الدليل الأول الذى نوهتُ به فى المؤتمر الفلسفى الأول بالقاهرة عن أهمية حركتى الإصلاح الدينى والتنوير فى دول العالم الثالث وضرورتهما.
نقلا عن المصري اليوم