الأب داني قريو السالزياني
«حينئذٍ يشبه ملكوت السماوات عشر عذارى أخذن مصابيحهنّ وخرجن للقاء العريس» (متى 25، 1).
يروي يسوع مثل عشر عذارى خرجن لاستقبال العريس؛ خمس منهنّ حكيمات، وخمس جاهلات. حملت جميعهنّ المصابيح، وانتظرن العريس، لكنّ الحكيمات أخذن مع مصابيحهنّ زيتًا إضافيًّا، أمّا الجاهلات فلم يفعلن. وعندما تأخّر العريس، نعسن ونمن جميعًا. ثمّ دوّى الصراخ في منتصف الليل: «هوذا العريس! اخرجن للقائه!». نهضت العذارى كلّهنّ وأصلحن مصابيحهنّ، لكنّهنّ اكتشفن أنّ الزيت هو ما يصنع الفرق. دخلت المستعدّات إلى العرس، وبقيت الأخريات خارجًا.
حين نتأمّل هذا المثل، نكتشف أنّ الحكيمات والجاهلات تشابهن في أمور كثيرة، وأنّ الاختلاف بينهنّ لم يكن واضحًا منذ البداية. بل لعلّ هذه هي النقطة الأكثر إثارة للتأمّل: لم يكن الفرق ظاهرًا في المصابيح التي حملنها، بل في الزيت الذي لم يكن ظاهرًا للعيون.
كانت العذارى العشر: 1.جميعًا عذارى. 2. جميعًا خرجن للقاء العريس، 3. وجميعًا حملن مصابيحهنّ، 4. وجميعًا انتظرن مجيئه. 5. جميعًا سمعن النداء نفسه، 6.و جميعًا نهضن عند الصرخة نفسها، 7.و جميعًا مررن بالتعب والنعاس نفسيهما. لم تكن الحكيمات مجموعة مختلفة تمامًا عن الجاهلات؛ ففي الظاهر، كنّ متشابهات إلى حدّ يصعب معه التمييز بينهنّ.
أليس هذا ما يحدث أحيانًا في حياتنا المسيحيّة؟ قد نذهب جميعًا إلى الكنيسة، ونصلّي، ونقرأ الكتاب المقدّس، ونشارك في النشاطات الرعويّة. وقد نستخدم الكلمات نفسها، ونردّد الصلوات نفسها، ونتحدّث عن الإيمان نفسه. لكنّ السؤال الأعمق يبقى: ماذا يحدث في داخلنا؟ هل يتحوّل ما نسمعه إلى حياة، أم يبقى مجرّد كلام جميل نعرف كيف نردّده؟
قد يحمل شخصان الكتاب المقدّس نفسه، لكنّ أحدهما يسمح لكلمة الله بأن تغيّر طريقة تعامله مع الآخرين، بينما يكتفي الآخر بمعرفة الآيات وتفسيرها. وقد يحضر شخصان القدّاس نفسه، لكنّ أحدهما يخرج بقلب أكثر رحمة، فيما يعود الآخر إلى بيته ليكمل خصوماته القديمة وكأنّ شيئًا لم يحدث. المصباح موجود عند الاثنين، لكنّ الزيت ليس بالضرورة متوافرًا بالقدر نفسه.
فالمصباح يذكّرنا بكلمة الله التي تنير الطريق: «كَلِمَتُكَ مِصْباحٌ لِقَدَمي، ونورٌ لِسَبيلي» (مزمور 119، 105). لكنّ امتلاك المصباح لا يعني تلقائيًّا أنّنا مستعدّون لكلّ ما تحمله الحياة. فالكلمة التي نسمعها تحتاج إلى قلب يستقبلها، وإلى حياة تسمح لها بأن تتجذّر وتثمر.
الإيمان ليس فقط ما نحمله في أيدينا، بل ما يسمح الله بأن ينمّيه في أعماقنا.
تأخّر العريس! وهذه المرّة لم يكن التأخير تفصيلًا عابرًا، بل صار امتحانًا لاستعداد العذارى. لم يكن أحد يعرف متى سيصل، ولم تكن هناك ساعة محدّدة يمكن الاتّكال عليها. وهنا ظهرت حكمة اللواتي أعددن أنفسهنّ لما قد يحدث.
في حياتنا أيضًا، هناك تأخيرات لا نستطيع التحكّم فيها: صلاة لا نرى لها جوابًا سريعًا، مشروع يتعثّر، علاقة تمرّ بمرحلة صعبة، أو انتظار يطول أكثر ممّا توقّعنا. وفي هذه الأوقات قد نشعر بأنّ حماستنا الأولى بدأت تخبو، وأنّنا لم نعد نملك الطاقة نفسها التي كانت لدينا في البداية.
قد يبدأ شابّ حياته الروحيّة بحماسة كبيرة، يشارك في الاجتماعات، ويصلّي باندفاع، ويتحمّس لخدمة الآخرين. لكن عندما لا يرى نتائج سريعة، أو عندما يواجه خيبة من شخص كان يثق به، يبدأ بالتراجع. لم تكن المشكلة بالضرورة في غياب الإيمان منذ البداية، بل في أنّ جذور هذا الإيمان لم تكن قد تعمّقت بما يكفي لتحمله في زمن الجفاف، وزمن المحن.
ومع ذلك، لا يقول المثل إنّ الحكيمات لم يتعبن. لقد نعسن ونمن مثل سائر العذارى. لم يكن الفرق أنّهنّ امتلكن قوّة خارقة أو استطعن البقاء متيقّظات طوال الليل. الفرق أنّهنّ كنّ مستعدّات عندما جاء العريس، رغم التعب والتأخير.
وهذا يحرّرنا من فكرة أنّ الإيمان الحقيقي يعني ألّا نضعف أبدًا، أو ألّا نمرّ بلحظات فتور. قد يتعب المؤمن، وقد تتراجع حماسته، وقد يمرّ بفترة لا يجد فيها الكلمات للصلاة. لكنّ العلاقة التي نمت في أعماقه تظلّ قادرة على حمله، لأنّها لم تُبنَ على الانفعالات وحدها، بل على ثقة أعمق بالله.
ما هو هذا الزيت الذي امتلكته الحكيمات ولم تمتلكه الجاهلات؟ صورة الزيت تفتح أمامنا آفاقًا روحيّة غنيّة. يمكننا أن نرى فيه ثمار الإيمان الذي صار حياة: أعمال المحبّة، والأمانة في الأمور الصغيرة، والانتباه إلى حضور الله، والاستعداد لاستقباله، والقدرة على المثابرة عندما لا تكون الأمور سهلة... إنّه ما يتكوّن في داخل الإنسان عبر اختيارات يوميّة قد لا يلاحظها أحد.
الزيت يشبه الصبر الذي نتعلّمه حين لا تسير الأمور كما نريد، والرحمة التي نختارها بدل الانتقام، والصدق الذي نحافظ عليه حين يكون الكذب أسهل، والصلاة التي نعود إليها حتى عندما لا نشعر بتعزية... إنّه كلّ ما يسمح لشعلة الإيمان بأن تستمرّ في إنارة حياتنا.
تخيّل شخصًا يتولّى مسؤوليّة في جماعة ما، ويبدو أمام الجميع نشيطًا ومحبوبًا. لكن عندما لا يحصل على التقدير الذي ينتظره، يفقد حماسته ويبتعد. قد يكون قد اعتاد الاهتمام بالمصباح، أي بالصورة التي يراها الآخرون، أكثر من اهتمامه بالزيت، أي بالدافع الداخليّ الذي يجعله يخدم بمحبة.
وفي المقابل، هناك شخص يخدم بصمت، ولا يسعى دائمًا إلى الظهور أو المديح. قد لا يلاحظه كثيرون، لكنّه يبقى أمينًا لأنّ خدمته ليست وسيلة ليشعر بأهميّته، بل استجابة لمحبّة اكتشفها في الله. الأوّل قد يبدو أكثر إشراقًا في البداية، لكنّ الثاني يملك شيئًا ينمو في الخفاء.
وهنا تظهر إحدى المفارقات الروحيّة: قد ننشغل كثيرًا بما يراه الناس فينا، وننسى ما يراه الله في أعماقنا. نهتمّ بأن يبدو مصباحنا جميلًا، وننسى أن نسأل إن كان الزيت يكفي. نحرص على كلماتنا أمام الآخرين، لكنّنا لا ننتبه دائمًا إلى الكلمات التي نقولها في بيوتنا. نحبّ أن نُعرف بأنّنا خدّام صالحون، لكنّنا قد نهمل الإنسان الذي يحتاج إلى إصغائنا، لأنّ خدمته لا تمنحنا أيّ تقدير.
إنّ الحكمة ليست في أن نُتقن المظهر الدينيّ، بل في أن نسمح لله بأن يعمل في داخلنا، حتى تتوافق حياتنا الخفيّة مع الصورة التي يراها الآخرون.
الزيت مسؤولية شخصية: عندما نفد زيت الجاهلات، طلبن من الحكيمات أن يعطينهنّ من زيتِهنّ. لكنّ الحكيمات لم يستطعن تلبية طلبهنّ، فتوجّهت الجاهلات إلى الشراء، وفي أثناء غيابهنّ وصل العريس.
قد يبدو هذا المشهد قاسيًا، لكنّه يكشف حقيقة لا يمكن تجاهلها: هناك أمور لا يستطيع أحد أن يعيشها بدلًا منّا. يمكن لشخص أن يصلّي معنا، وأن يشجّعنا، وأن يرافقنا في الطريق، لكنّه لا يستطيع أن يبني علاقتنا بالله بدلًا منّا. ويمكن لوالدَينا أو معلّمينا أو مرشدينا الروحيّين أن يزرعوا فينا الإيمان، لكنّهم لا يستطيعون أن يتّخذوا عنّا كلّ قراراتنا.
قد يعيش شابّ سنوات طويلة مستندًا إلى إيمان عائلته، أو إلى حماسة جماعته، أو إلى قربه من شخص متديّن. ثمّ تأتي لحظة يواجه فيها سؤالًا شخصيًّا، أو أزمة تهزّ يقيناته، فيكتشف أنّه لم يتعلّم بعد كيف يقف أمام الله بنفسه. لم يكن ينقصه أن يسمع عن الله، بل أن يسمح لهذه المعرفة بأن تصبح علاقة شخصيّة حيّة.
إنّ الزيت لا يُشترى في اللحظة الأخيرة كما نشتري غرضًا من متجر. إنّه يتكوّن عبر الزمن، في التفاصيل الصغيرة، وفي الاختيارات التي قد تبدو عاديّة. لا يمكننا أن نؤجّل المحبّة إلى أن نحتاج إلى ثمارها، ولا أن ننتظر الأزمة حتى نبدأ ببناء الثقة، ولا أن نطلب من الله في منتصف الليل علاقة لم نسمح لها بأن تنمو طوال النهار.
لهذا، فالمثل ليس دعوة إلى الخوف من المستقبل، بل إلى عيش الحاضر بعمق. فكلّ يوم هو فرصة لإضافة قطرة زيت: مصالحة نبدأها، أو كلمة حقّ نقولها بمحبة، أو صلاة نعود إليها، أو شخص نمنحه وقتًا، أو عمل صالح ننجزه من دون انتظار مقابل.
لهذا لا يكفي أن يكون المصباح في اليد؛ المهمّ أن يبقى النور حيًّا. ولا يكفي أن نعرف أنّ العريس آتٍ؛ المهمّ أن نكون مستعدّين للقاء.
ربّما يكون السؤال الذي يتركه هذا الإنجيل في قلبنا هو: إذا طال الانتظار اليوم، فما الذي سيبقى مشتعلًا في داخلي؟





