الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ

أخي العزيز إيكهارت،
عرفتُك قبل أن أصبح أخًا لك في رهبنة الدومنيكان. كنتُ قبلها أدرس الفلسفة في إكليريكيّة الأقباط الكاثوليك بالمعادي، وكان أستاذنا الأب كرستيان ڤان نسبن اليسوعيّ يستشهد بك من حينٍ إلى آخر. أثارت أفكارك فضولي، فبحثتُ عن كتبك في المكتبات، ولم أجد شيئًا بالعربيّة. أمّا إنجليزيّتي يومها فلم تكن قويّةً بما يكفي لفهم فيلسوفٍ ولاهوتيِّ ألمانيّ عاش في القرن الثالث عشر، ويستطيع أن يُربك قارئه بجملةٍ واحدة!

ثمّ دخلتُ رهبنة الدومنيكان، وبدأتُ سنة الابتداء في ستراسبورج الفرنسيّة، على الحدود الألمانيّة. وفجأةً وجدتُ نفسي في المنطقة التي عشتَ ووعظتَ فيها قبل سبعة قرون. أتذكّر أنّني كنتُ آخذ أحد كتبك، وأركب درّاجتي، وأعبر الحدود إلى ألمانيا لأجلس على ضفاف نهر الراين. كنتُ أقرأ وأتأمّل النهر، وأتخيّلك تسير في هذه المنطقة وتتحدّث عن الله. وكم كانت سعادتي بعد سنوات حين درستُ الألمانيّة لأقرأك بلغتك! لكنّني اكتشفتُ أنّ فهم الألمانيّة المعاصرة شيء، وفهم ألمانيّتك في القرن الرابع عشر شيء آخر تمامًا! يا أخي إيكهارت، ألم يكن ممكنًا أن تكتب بطريقةٍ أسهل قليلًا؟!

وُلدتَ نحو عام ١٢٦٠ في تورينجن بألمانيا، وأصبحتَ راهبًا دومنيكانيًّا، ثمّ أستاذًا للاهوت في جامعة باريس، وواعظًا في ستراسبورج كولونيا وبوهيميا. وكنتَ من أبرز الذين أسهموا في نشأة التصوّف الألمانيّ. لكنّ أكثر ما جذبني إليك جرأتك في الحديث عن الله. فقد نُسبتْ إليك عبارةٌ صادمة: «أصلّي إلى الله أن يخلّصني من الله». تخيّل يا أخي لو قلتَ هذه العبارة اليوم في إحدى كنائسنا! أخشى أن ينهض أحد الحاضرين قبل أن تكمل العظة، ويطالب الأسقف بالتدخّل فورًا! لكنّني أفهم ما تريد قوله: أن يتحرّر الإنسان من الصور الضيّقة التي يصنعها عن الله، لكي ينفتح على سرّه الذي يتجاوز كلّ تصوّراتنا. وكم نحتاج إلى هذا اليوم! فقد أصبح بعض المؤمنين يعرفون ما يريده الله وما يرفضه، بل وما يفكّر فيه أيضًا، بتفاصيل تجعلني أتساءل إنْ كانوا قد حصلوا على رقم هاتفه الشخصيّ!

وكنتَ تتحدّث عن «ولادة الكلمة في النفس». فالآب الذي يلد ابنه الأزليّ يدعو الإنسان إلى المشاركة بالنعمة في هذه الحياة الإلهيّة. وهذه إحدى أجمل أفكارك في نظري: أنّ سرّ التجسّد يعني أيضًا إمكانيّة تجدّد الإنسان من الداخل، وأنّ الإيمان ينبغي أن يغيّر طريقة وجودنا في العالم. وأتساءل معك: ما فائدة أن نحتفل بميلاد المسيح كلّ سنة، إذا لم نسمح لكلمته بأن يولد في حياتنا؟

ثمّ تأتي دعوتك إلى التجرّد Abgeschiedenheit. وقد فهمتُ منها أنّ الإنسان يحتاج إلى التحرّر من تعلّقه بذاته، ومن رغبته في امتلاك كلّ شيء، حتّى امتلاك الله نفسه. لكن اسمح لي بملاحظة صغيرة: لقد عرفتُ متديّنين يتحدّثون كثيرًا عن التجرّد، ويجدون صعوبةً في التخلّي عن أبسط امتيازاتهم! وبعضهم مستعدّ للتخلّي عن العالم كلّه، بشرط ألّا يتخلّى عن رأيه في إدارة العالم!

وأحببتُ أيضًا قراءتك لقصّة مرثا ومريم في الإنجيل. فقد وجدتَ في مرثا، المنشغلة بالخدمة، صورةً للنضج الروحيّ، لأنّ الاتّحاد بالله يُعاش أيضًا وسط الأعمال اليوميّة. وأظنّ أنّ هذه الفكرة تستحقّ أن يسمعها بعض الذين يتصوّرون أنّ القداسة تتحقّق بكثرة الصلوات وحدها، بينما يتركون لغيرهم غسل الأطباق بعد العشاء!

لكنّ جرأتك كلّفتك كثيرًا. ففي كولونيا اتّهمك اثنان من إخوتنا الدومنيكان، هرمان فون زومّو وڤيلهلم فون نيديكه، بنشر تعاليم مخالفة للإيمان. وتولّى رئيس أساقفة كولونيا التحقيق معك، ثمّ وصلت القضيّة إلى آڤينيون، حيث كان يقيم البابا يوحنّا الثاني والعشرون. والطريف أنّ ڤيلهلم، أحد الذين وشوا بك، انتهى به الأمر إلى الاستبعاد من كولونيا على خلفيّة الشكاوى التي رفعها إخوتنا ضدّه! يا أخي، يبدو أنّ مشكلات الحياة الرهبانيّة لم تتغيّر كثيرًا منذ القرن الرابع عشر، وإنْ أصبحت اليوم تُدار بوسائل أكثر تطوّرًا!

ودافعتَ عن نفسك، وأعلنتَ استعدادك للتراجع عن أيّ تعليمٍ يثبت تعارضه مع الإيمان. وبعد وفاتك، نحو عام ١٣٢٨، صدرت سنة ١٣٢٩ الوثيقة البابويّة «في حقل الربّ» التي أدانت ثمانيًا وعشرين عبارةً منسوبة إليك بدرجاتٍ مختلفة. لكنّ شخصك لم يُحكم عليه رسميًّا بالهرطقة. وبعد قرون، سعت رهبنتنا إلى إعادة الاعتبار إليك. وفي سنة ١٩٩٢ أوضح الأب تيموثي رادكليف، المعلّم العامّ للرهبنة، أنّ الجواب الذي تلقّاه الدومنيكان من الڤاتيكان يفيد بأنّك لا تحتاج إلى إعادة اعتبارٍ قانونيّة، لأنّ شخصك لم يُدَن أصلًا، وأنّه يجوز لنا أن نعدّك لاهوتيًّا مستقيم الإيمان (أرثوذكسيًّا)... يا لها من مفارقة! أمضيتَ قرونًا تحت ظلال الشبهة، ثمّ اكتشفنا أنّك لم تكن بحاجة إلى ردّ اعتبارٍ شخصيّ! وأتساءل كم من إنسانٍ شوّهنا سمعته باسم الدفاع عن الحقيقة، ثمّ احتجنا إلى قرونٍ لكي نعيد قراءة ما قاله بالفعل.

أخي العزيز إيكهارت،
لم أزل أتذكّر ذلك الشاب المصريّ الذي كان يعبر الحدود على درّاجته، يحمل كتابًا لرجلٍ عاش قبل سبعة قرون. واليوم، بعد سنواتٍ من دراسة الفلسفة واللاهوت، وبعد أن أصبحتُ أقرأك بالألمانيّة وأحاول نقل بعض نصوصك إلى العربيّة، لم يزل صوتك يرافقني. وأجد في دعوتك إلى التجرّد سؤالًا يخصّني أيضًا: هل أبحث عن الله حقًّا، أم أبحث أحيانًا عن تأكيدٍ لما أريد أن أومن به؟... وأخيرًا، إذا التقينا يومًا في العالم الآخر، فأرجوك ألّا تبدأ حديثنا بالألمانيّة الوسيطة. فقد بذلتُ جهدًا كبيرًا لفهمك في هذه الحياة، وأتمنّى أن نتحدّث يومها بلغةٍ أسهل. وأمّا إذا أصرّيتَ على أن تشرح لي مرّةً أخرى الفرق بين الله والألوهة، فسأقترح أن نعود إلى ضفاف الراين.

فثمّة أشياء يا أخي إيكهارت، قد يفهمها الإنسان وهو يجلس صامتًا أمام النهر، أكثر ممّا يفهمها بعد ساعاتٍ من الكلام عن الله!
مع محبّتي الأخويّة،
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ