الأب رفيق جريش
ليست قيمة الإنسان فيما يتركه من أموال أو ممتلكات فحسب، ولا فيما يشغله من مناصب أو يحققه من نجاحات عابرة، بل فيما يتركه من أثر فى حياة الآخرين، وفيما يضيفه إلى المكان الذى عاش فيه، وإلى الزمان الذى كان جزءًا منه. فهناك أناس يرحلون وتبقى ذكراهم حيّة، وهناك أماكن تظل مرتبطة فى وجداننا بأشخاص وأحداث لا يمحوها مرور السنين. ومن هنا تتجلّى العلاقة العميقة بين الزمان والمكان، وكيف يستطيع الإنسان أن يمنح كليهما امتدادًا يتجاوز حدود اللحظة والعمر.

يقولون إن للمكان عبقرية، وهذا صحيح، ولكن الأصح أن الزمان هو العبقرية عندما نجعله كذلك، عندما نحفر فيه تاريخنا وأعمالنا فلا نذهب مع الريح.

المكان هو الذى نولد فيه والبيئة التى نكبر فيها، وهو الذى فى الغالب نتشبث به، فهو رمز أصالتنا وانتمائنا والتزامنا، والمكان هو دائرتنا الأولى التى يحتوينا، فهو حولنا ومعنا، قد يكون وطنًا أو أرضًا أو مدينة أو قرية أو مقر عمل أو مسكنًا أو غيره، ولأنه لصيق بنا فنحن دائمًا مستعدون أن ندفع العرق والمال والدم من أجله، ومن أجل البقاء عليه فقد أصبح المكان أيا كان جزءًا لا يتجزأ من هويتنا، فهو مطبوع فينا ويعبر عن وجودنا، كما أنه يشهد موتنا، حيث يتوارى ترابه.

أما الزمان فهو يمتد إلى ما هو أبعد وأسمى وأرقى من المكان، فالفعل الذى يفعله الإنسان مهما كان خيرًا أو شرًا يحفر أثرًا فى الزمان، وأى علاقة بين إنسان وإنسان يشهد لها الزمان فيذكره أو يلعنه، يظل حاضرًا أو يفنى حيًا فى الذاكرة أو ميتًا، وهذا ما يحدده الإنسان بنفسه باختياره وحريته. أما أن يكون جزءًا من المكان فيرجع إلى التراب أو يكون جزءًا من الزمان خيرًا أو شرًا، فإذا كان من الأشرار سيذكر مع الأشرار ويلعن معهم، وإذا كان من الأخيار سيكون محفورًا فى ذاكرة الزمان مع الشهداء والقديسين والعظماء والعلماء الذين ساهموا قليلًا أو كثيرًا فى رقى الإنسان؛ لذا يظل الزمان امتدادًا للمكان، وهنا عبقرية الزمان والاختيار لك يا عزيزى القارئ. إن المكان الذى نعيش فيه قد نغادره يومًا، والجسد الذى نسكن به إلى التراب عائد لا محالة، لكن الأثر الذى نتركه فى حياة الآخرين قد يظل حيًا بعد رحيلنا بسنوات طويلة. فالزمان لا يحفظ أسماءنا لمجرد أننا مررنا به، بل يحفظ ما صنعناه، وما قدمناه، وما زرعناه من خير أو شر فى قلوب الناس وذاكرتهم.

ولذلك، فإن السؤال الأهم ليس: أين عشنا؟ ولا كم عشنا؟ بل: ماذا فعلنا فى المكان الذى احتوانا، وماذا تركنا للزمان الذى سيأتى بعدنا؟ فكل إنسان يملك، بأفعاله واختياراته، أن يجعل حياته مجرد سنوات تمضى، أو رسالة إنسانية تبقى.
نقلا عن المصرى اليوم