الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ

عزيزي أبا العلاء،
عرفتُك عن طريق صديقٍ لك جاء بعدك بنحو تسعة قرون: الدكتور طه حسين. وقد كتبتُ إليه منذ أيّام رسالةً، ثمّ تذكّرتُ أنّني مدينٌ له بتعريفي إليك. والحقّ أنّ الرجل كاد يفرض عليَّ صداقتك! فقد كتب عنك ثلاثة كتب: «تجديد ذكرى أبي العلاء»، و«مع أبي العلاء في سجنه»، و«صوت أبي العلاء». ولا أعرف رجلًا احتاج إلى ثلاثة كتب ليقنع الناس بأنّ شخصًا اعتزلهم يستحقّ أن يجلسوا إليه! والطريف أنّ طه حسين نفسه كان ينفر من شعرك في البداية، قبل أن يكتشفك من جديد في الجامعة. وهذا يطمئنني على مستقبل بعض الطلاب الذين لا يحبّون ما يُدرَّس لهم... فلعلّهم يكتشفون قيمته بعد أن يتأكّدوا أنّ أستاذ المادّة لن يضع لهم امتحانًا آخر!

وأعجبني أنّ طه حسين كان يُحاورك في خياله حتّى وهو يقضي إجازته في إيطاليا، ويجادلك في تشاؤمك. وأتخيّلك تقول له: «يا دكتور طه، هو الواحد ما يعرفش يقضي إجازة من غير ما تفتح معاه موضوع فلسفة؟!» وها أنا أفعل الشيء نفسه. وأصارحك بأنّني راهبٌ دومنيكانيّ، درستُ الفلسفة واللاهوت، وأعرف أنّ علاقتك برجال الدين لم تكن سهلة. لكن اطمئنّ، فعلاقتي ببعضهم ليست سهلة دائمًا أيضًا! وأرجو ألّا تتّهمني باقتحام عزلتك؛ فالشكوى ينبغي أن توجّهها إلى طه حسين، فهو الذي دلّني على العنوان!

أنت وُلدتَ عام ٩٧٣ في معرّة النعمان، في بلاد الشام، وهي اليوم مدينةٌ سوريّة تقع في محافظة إدلب، وتوفّيتَ فيها سنة ١٠٥٧. فقدتَ بصرك في طفولتك بعد إصابتك بالجدريّ، وبدأتَ نظم الشعر صغيرًا، ثمّ رحلتَ إلى بغداد، إحدى عواصم العلم والثقافة في عصرك، قبل أن تعود إلى مدينتك وتختار العزلة. وسمّيتَ نفسك «رهين المحبسين»: العمى والبيت. لكنّك تحدّثتَ في شعرك عن ثلاثة سجون، ثالثها سجن النفس في الجسد. وأتساءل إنْ كان لك سجنٌ رابع: ذلك العقل الذي لم يكفّ عن السؤال! اعتزلتَ الناس، لكنّ أفكارك لم تتركهم يستريحون. ولم يزل بعضهم يتخاصم حول إيمانك: أكنتَ مؤمنًا أم زنديقًا أم ملحدًا؟ وأظنّك لو سمعتَ هذه المناقشات اليوم لطلبتَ العودة إلى سجنك فورًا، خصوصًا أنّ بعض الذين يحكمون على عقيدتك لم يقرؤوا من كتبك أكثر من بيتٍ وجدوه على فيسبوك! أصبح بوسع الإنسان أن يقرأ بيت شعرٍ في نصف دقيقة، ثمّ يقضي ساعتين في تحديد مكان صاحبه في الآخرة!

لكنّ ما يشغلني هو سؤالك عن الإيمان. هل كان شكّك في المعتقدات الموروثة رفضًا للدين، أم بحثًا عن الحقيقة؟ ففي مصر، كما تعرف، قد يولد الإنسان وقد تقرّر له اسمه ودينه وانتماؤه الكرويّ قبل أن يتعلّم الكلام! وحين يكبر ويسأل، نقول له: «إنت مالك ومال الكلام الكبير ده؟!» وأتصوّرك تسألني: «وأنت يا أبونا، ألستَ مقتنعًا بأنّ دينك حقّ؟» وسأجيبك: بلى، لكنّ اقتناعي لا يعفيني من التفكير، ولا يمنحني حقّ احتقار المختلفين معي. فالإيمان لا ينضج فقط بتكرار ما ورثناه، ولا تصبح آراؤنا مقدّسةً لأنّنا أضفنا إليها اسم الله. وقد عرفتُ وعّاظًا يفسّرون كلّ مصيبةٍ في خمس دقائق، حتّى إنّني أتساءل إنْ كانوا يعرفون أشياء لم يخبر الله بها أحدًا!

ولعلّ أسئلة الألم هي التي تقودني إلى تشاؤمك. فقد قلتَ في بيتك الشهير الذي يُروى أنّك أوصيتَ بكتابته على قبرك: «هذا جناه أبي عليَّ، وما جنيتُ على أحدِ». ما أقسى هذه العبارة! وأختلف معك، لأنّني أرى في الحياة، بكلّ آلامها، إمكانيّةً للحبّ والفرح والخير. وقد سبقني طه حسين إلى مناقشتك في هذا الأمر، وكان يرى في الطبيعة جمالًا يستحقّ أن نحبّ الحياة من أجله. وأظنّ أنّني أقف إلى جانبه. ثمّ إنّنا، نحن المصريّين، نشكو من الحياة طوال النهار، ونضحك في المساء على نكتةٍ سخيفة، ثمّ نستيقظ لنبدأ الشكوى من جديد! ولستُ أدري إنْ كان هذا تفاؤلًا أم نوعًا من العناد!

ومن أسئلتك عن الحياة والموت أصل إلى «رسالة الغفران». استمتعتُ برحلة ابن القارح إلى العالم الآخر، وبلقائه الشعراء في الجنّة والنار. والطريف أنّ الرجل ظلّ مشغولًا بالشعر والنحو حتّى في الجنّة! لكنّ سخريتك تطرح سؤالًا دينيًّا جادًّا: مَن يملك حقّ الحكم على مصير الإنسان الأبديّ؟ فقد عرفتُ أناسًا يتعاملون مع الجنّة كأنّها نادٍ خاصّ، يملكون مفاتيحه وقائمة أعضائه. وأتخيّل أحدهم واقفًا على بابها يقول للداخلين: «معلش يا أستاذ، اسم حضرتك مش موجود في الكشف!» وأتذكّر كلام المسيح عن العشّارين والزواني الذين يسبقون بعض المتديّنين إلى ملكوت الله. فكيف يؤمن إنسانٌ برحمة الله، ثمّ يجعل من نفسه حارسًا على أبوابها؟

وهذا التناقض بين الإيمان والسلوك يعيدني إلى معرّة النعمان، مدينتك التي عرفت القتل والتهجير والدمار خلال الحرب السوريّة. ماذا كنتَ ستقول عن بشرٍ يبرّرون قتل البشر باسم الدين أو الوطن؟ وأخشى أنّك لو عرفتَ أخبار حروبنا الحديثة لقلتَ إنّ تشاؤمك القديم يحتاج إلى تحديث! لكنّني أتمنّى أن ترى أيضًا الذين خاطروا بحياتهم لإنقاذ الآخرين، وفتحوا بيوتهم للغرباء. فهؤلاء أيضًا جزءٌ من قصّة الإنسان.

عزيزي أبا العلاء، أعجبتني نصيحة طه حسين بأن نقرأ المفكّرين ونفهمهم وننقدهم، من غير أن نوافقهم على كلّ شيء. وأنا أختلف معك في كثيرٍ من آرائك، لكنّني أفضّل الاختلاف مع رجلٍ يفكّر على الاتفاق مع شخصٍ يخاف من التفكير!

وأخيرًا، إذا صادفتَ في العالم الآخر بعض الذين اتّهموك بالكفر، فأرجوك ألّا تدخل معهم في مناظرةٍ طويلة. فقد يجدون طريقةً لتكفيرك مرّةً أخرى، وربّما يطالبون بتشكيل لجنةٍ للتحقيق في كيفيّة وصولك! وإذا صادفتَ طه حسين، فأبلغه أنّني أشكره لأنّه دلّني عليك.

أردتَ أن تستريح من أسئلة الناس يا أبا العلاء، وتركتَ لهم من الأسئلة ما لن يستريحوا منه. وأخشى أنّك لو عشتَ بيننا اليوم، لأغلقتَ حسابك على فيسبوك قبل أن تُغلق باب بيتك!

مع مودّتي واحترامي،
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ