عادل نعمان
(الأستاذة ابتهال عبد الوهاب مشروع فيلسوفة مصرية عميقة الفكر، أفكارها لها طعم خاص، هى تلميذة الفيلسوف المصرى الدكتور حسن حماد، كتبت مقالًا ممتعًا عن الشيخوخة، من فرط استمتاعى حاولت أن أنفذ إليه.. هكذا).
يخطئ يا سيدتى من يتصور أن الشيخوخة إحساس، تصيب الناس قبل موعدها إذا تسللت تحت ستار أو تخفت عن العيون، وتكون من نصيب من تصيب كبر أو صغر، وتؤكدين يا أستاذة ابتهال فى مقالك الممتع على أن الشيخوخة شعور وإدراك وليست عجزًا ووخزًا، تقولين «إن شابًّا فى العشرين يعيش بعقل متقاعد، يخاف التجربة، ويكره التغيير، وإنسانًا فى الثمانين يمضى فى الحياة بعينين مدهوشتين يتعلم ويسأل» على اعتبار أن الشيخوخة تتسلل إلى الشاب ويشيخ قبل موعده إذا شعر بها أو تذوقها، وينجو منها ذو الثمانين عامًا إذا باعد بيديه وهش عن ساعديه رياح العمر والزمن، وكأن الشيخوخة نضج ثمرة قبل موعدها على غصنها اليافع، أو عنقود من الحصرم يظل ممسكًا بجذع شجرة لا تفنى ولا تروى ولا تموت.
لا سيدتى، الشيخوخة ليست إحساسا بل حالة بيولوجية، وتأخر وتراجع وهرم، وليست رقة ولينًا كما يحسبها البعض، بل خشونة وصلابة تتحرك على مهل وبطء ويحسبها الناس وداعة ونعومة، هذا الملمس الذى يبدو ناعمًا قد أصابته عوامل التعرية فكانت نعومته ضعفًا، وملمسه هشاشة، لو أن هذا الشاب الذى تحسبينه قد شاخ قبل الميعاد قرر النهوض لنهض، ونفض عن كاهله هذا الكسل ما خانته قدماه وما تأخرت وتراجعت قواه، أما صاحبنا أبو الثمانين فلو أراد ما استطاع، ولو استطاع لخارت قواه عند أول مطب، ولو تخطاه لتمدد إلى جواره يطلب المدد والعون.
الشيخوخة سيدتى ليست إحساسًا، بل هى اقتراب من خط النهاية، وملامسة الشريط الأحمر عكس إرادة المتسابق ويقينه، والاستعداد للمغادرة مع صافرة الحكم، ولملمة بقايا العمر تحت الوسادة أو السجادة، حتى لا يرانا أحد، ليست إحساس بل وخز وتنميل وتحسبها رجفة الحب والحنين، ليست راحة بل التقاط أنفاس تتلاحق وتتسارع من إجهاد السنين، وليست استراحة مجهزة للراحة والجلوس بل مصطبة على قارعة الطريق تحمينا من السقوط، ليست فراشة تطير وترفرف فى الفضاء بل فراشة نتف الزمن ريشها تحبو حين تشعر أن الخط الأحمر أصبح على طرفة الطريق، وعلى طرف العين، وطرف الوسادة التى يتمدد عليها.
يا سيدتى أنا لم أدرك هذا الوخز بعد، لكنى أقترب منه رويدًا رويدًا، يتسلل عبر النافذة فى الصباح الباكر، يغادرنى قليلًا من النهار، إلا أنى أصبحت أشفق على كل هؤلاء، وأطيل النظر أتاملهم وأرقبهم وأنا على بعد قريب منهم، حتى يغيبوا عن الأنظار وكأنى أتوقع الوقوع أو الانزلاق أو التدحرج، ترى الخطوات تتسارع فى بطء تلحق إحداها الأخرى تساندها وتعاونها مخافة السقوط والانهيار، وأرى نفسى على بعد خطوة أو خطوتين، يرمقنى بإشفاق من هو أصغر منى قليلًا، ذرية بعضها من بعض.
كلماتك للصبر، وجبر الخاطر كمن يلقى مريضًا ويكذب عليه «إنت زى الفل» أو حمقاء يفتئت عليها «إيه الجمال ده؟» أو بدينة لا تقوى على الحركة ويخدعها «خسيتى كتير» وشيخنا هذا تطربه كل هذه الأكاذيب، ساعة أو ساعتين، ويعود الى أوجاعه حين يبدأ الوخز فى الإيذاء، أو يعود سريعًا إلى بيته لتناول دواء القلب والصبر، أو يطيل النظر فى المرآة يقلب وجهه تارة ناحية اليسار وأخرى ناحية اليمين، ويتساءل: من هذا الذى يرمقنى ويطيل النظر إلىّ؟ حتى يكتشف أن الزمن قد عبر عليه، وداس وأنهك ساعات العمر، ولم يعد كما هو، قسمات وجهه قد تبدلت بكساء مهترئ، وضحكات شفتيه قد أصابها الوهن، حتى نظرات عينيه قد أصابها طول الانتظار والفحص والتدقيق.
الشيخوخة سيدتى ككل شىء يولد ويشيخ ويموت مع العمر والزمن «لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون» نور يشرق كإشراقة الصباح وينتشر كشمس الظهيرة وينطفئ كظلمة الليل، ثمرة تطيب على فرعها تتساقط تم تذبل وتدفن فى مكانها، أفيال تنسحب إلى شاطئ عندما تشيخ تموت فى هدوء،، ترتيب لا يختل ولا يضل، إجلاء محتل لمحتل جديد، وإخلاء ساكن الديار لوافد حديث، وإزاحة صورة عتيقة على الجدران لبورتريه معاصر، استغناء وتحرير واستقلال، سنة الحياة سيدتى أن نستغنى عن ذكريات العمر، ونخلى المكان لمولود جديد، يشب وينمو ويكبر ويهرم ويشيخ ثم نراه يرحل كما رحل الأجداد، وليس لسنة الله تبديل، نتقبلها برضا واطمئنان.
تحياتى.. «الدولة المدنية هى الحل».
نقلا عن المصرى اليوم





