مجدى جورج
في الآونة الأخيرة، نشب خلاف مكتوم بين أذربيجان وتركيا، وحدث تلاسن بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والرئيس الأذربيجاني إلهام علييف. ويبدو أن هذا الخلاف مس موضوع الحجاب. ولشرح أبعاد هذا الخلاف، لا بد من التوقف عند عدة نقاط مهمة.
أولا: كان الحجاب محظورا وممنوعا في بعض المؤسسات في تركيا قبل وصول رجب طيب أردوغان، زعيم الإخوان المسلمين، إلى السلطة. واستطاع أردوغان، رويدا رويدا، أن يتسلل إلى مؤسسات الدولة، ويخضع الجيش والقضاء ومجلس الأمن القومي التركي لسيطرته، حتى استطاع في النهاية إلغاء حظر الحجاب، وأصبح ارتداؤه مباحا في تركيا اليوم، بعد أن كان محظورا قبل عهد أردوغان.
ثانيا: العلاقات الأذرية التركية علاقات قوية وممتدة، ويعتبرها البعض علاقة بين شعبين، الأذري والتركي، يمثلان شعبا واحدا في دولتين مختلفتين.
فاللغة الأذرية قريبة من اللغة التركية، كما توجد خمس دول أخرى تتحدث لغات قريبة من اللغة التركية، أغلبها من جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابقة، مثل قرغيزستان وكازاخستان وغيرها.
وهناك علاقات قوية بين الدولتين، رأيناها في أكثر من موقف، مثل حرب ناغورنو كاراباخ الأخيرة، التي هزمت فيها أذربيجان أرمينيا، واستولت على إقليم ناغورنو كاراباخ الأرميني.
ثالثا: أذربيجان دولة يعيش نحو 96% من سكانها مسلمين، لكنها دولة علمانية خرجت من رحم الاتحاد السوفيتي السابق.
كان حيدر علييف، والد إلهام علييف، زعيما سابقا في الحزب الشيوعي بأذربيجان قبل استقلالها عام 1991، ثم تولى رئاسة الدولة، وخلفه ابنه إلهام علييف في رئاسة البلاد.
ويدرك إلهام علييف مدى قدرة المتطرفين الإسلاميين على السيطرة على الدولة، ولذلك يحاول إبعادهم، ويحافظ على علمانية الدولة في مواجهة أي محاولات لسيطرة رجال الدين أو تغلغلهم أو انتشار المظاهر الدينية في دولته.
وإلهام علييف يحافظ على هيمنة الدولة، ومن أهم مظاهر هذه الهيمنة، من وجهة نظره، السيطرة على الحياة السياسية؛ فلا توجد أحزاب مستقلة بالمعنى الحقيقي، ولا ديمقراطية ولا انتخابات حرة. لكن من أهم المظاهر التي يركز عليها أيضا مظهر الحجاب، الذي يمنعه منعا باتا.
ومع تزايد بعض الظواهر الغريبة في أذربيجان خلال السنوات الأخيرة، أصدرت الحكومة قانونا طبق مع بداية العام الدراسي الحالي، في سبتمبر، يلزم جميع طلبة المدارس بارتداء زي معين، ومن يخالف هذا الزي يمنع من دخول المدرسة. ولم يكن القانون ينص على حظر الحجاب صراحة، لكن مخالفة الزي المدرسي كانت سببا لمنع الطالبات من دخول المدارس.
رابعا: قبل تطبيق القانون بأيام، خرج الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في الأمم المتحدة، وندد ببعض الدول التي تمنع الحجاب، وقال إن من حرية المرأة والفتيات أن يلبسن ما يشأن.
وقد فهم الإعلام الأذربيجاني والرئاسة الأذربيجانية وأركان الدولة في أذربيجان أنهم المقصودون بهذه الرسالة، خاصة أن الحديث جاء قبل تطبيق قواعد الزي المدرسي الجديدة.
خامسا: رد إلهام علييف في خطاب علني بمناسبة ذكرى الانتصار على أرمينيا، وقال إننا نشكر كل من ساعدنا، ولكن كل من ساعدنا بسلاح دفعنا ثمنه كاملا، وكرر التأكيد على أننا دفعنا ثمنه كاملا، وكان يقصد بذلك تركيا.
وهنا تلقف الإعلام التركي خطاب علييف، وبدأ في الكيد له، واتهامه بنكران الجميل، وكأن تركيا قدمت لأذربيجان كل شيء دون مقابل، رغم أن أذربيجان دفعت ثمن الأسلحة التي حصلت عليها.
وكان الدعم التركي قد ساهم في انتصار أذربيجان في حرب ناغورنو كاراباخ واحتلال الإقليم، وهو ما أجج الأوضاع بين الدولتين، وأثار الجدل حول طبيعة العلاقة بينهما وحدود تأثير تركيا في أذربيجان.
سادسا: بعد ذلك، وصلت رسائل طمأنة من تركيا، مفادها أن أردوغان لم يكن يقصد أذربيجان في حديثه عن الدول التي تمنع الحجاب، وأن تركيا لا تتدخل في شؤون الدول الأخرى، ولا تتدخل في شؤون أذربيجان.
(قيل انه يقصد دول أوروبية مثل فرنسا والنمسا وكان من حقه التدخل في شؤون هذه الدولة ولكن لايمكنه التدخل في شؤون أذربيجان! )
سابعا: من المهم هنا أن نتوقف عند ملحوظة تاريخية، وهي أن أذربيجان الشيعية ليست على وفاق مع إيران الشيعية، الدولة التي تقع جنوبها.
فإيران الشيعية كانت تساعد أرمينيا المسيحية، في حين كانت تركيا السنية تساعد أذربيجان الشيعية وتمدها بالأسلحة ضد أرمينيا، حتى استولت أذربيجان على أقدس أقداس المسيحيين، وهو إقليم ناغورنو كاراباخ بالنسبة إلى الأرمن.
وليس سبب الخلاف الإيراني الأذري مجرد الخوف أو عدم التوافق السياسي، بل هناك أيضا مسألة القومية الأذرية في شمال إيران، حيث توجد محافظتان تعرفان بأذربيجان الشرقية وأذربيجان الغربية، وتسكنهما أعداد كبيرة من أبناء القومية الأذرية.
وهناك خوف إيراني من تمدد فكرة أذربيجان الكبرى، ومن مطالب بعض الأذر في شمال إيران بالانضمام إليها، ولذلك تتصاعد الخلافات بين الدولتين باستمرار.
أقول هذا لنبين للقارئ أن الدول تتعامل وفق مصالحها، وليس وفق الدين أو الطائفية. وهذا الأمر لا نراه إلا في مصر فقط، أما هذه الدول فتبحث عن مصالحها.





