بقلم: أيمن فايز عطية
في بعض الصور، لا يظهر الفرق بين الأشخاص في ملامحهم ولا في ثيابهم ولا في المكان الذي يقفون فيه. يبدو الجميع متشابهين، كأنهم خرجوا من لحظة واحدة واستعدوا للغرض نفسه. لكن الزمن يفعل ما لا تستطيع العين أن تفعله؛ يطيل الانتظار، ويختبر ما يبدو مكتملًا، ثم يكشف في لحظة واحدة ما كان مخفيًا منذ البداية.
قد يكون الشيء الحاسم موجودًا في يد كل شخص، لكنه لا يكون موجودًا في داخله بالقدر نفسه.
وعندما يأتي النداء، لا يصنع الصوت الفرق، بل يكشفه.
يظهر هذا المعنى في النص الإنجيلي الذي يتحدث عن عشر عذارى خرجن لاستقبال عريس. ولأن هذا المقال موجّه إلى القارئ المتخصص وغير المتخصص والباحث والمهتم بالفن، أورد النص كاملًا قبل أن أقترب من قراءته الفنية واللاهوتية:
«عِندئذٍ يُشَبِّهُ مَلكوتُ السَّماواتِ بعَشْرِ عَذارى، أَخَذْنَ مَصابيحَهُنَّ، وخَرَجْنَ لِلقاءِ العَريس؛ خَمْسٌ مِنْهُنَّ جاهِلاتٌ وخَمْسٌ حكيمات؛ فأَخذَتِ الجاهِلاتُ مَصابيحَهُنَّ ولم يَأْخُذْنَ مَعَهُنَّ زَيتًا. وأَمَّا الحكيمات فأَخذْنَ مَعَ مصابيحِهِنَّ، زَيتًا في قواريرِهِنَّ. وإِذْ أَبْطأَ العريسُ نَعَسْنَ جميعًا ونِمْنَ.ولمَّا انتَصَفَ الليلُ انطَلَقَ صُراخٌ: هُوذا العَريس! أُخرُجْنَ لِلِقائِه! حينئذٍ نَهضَتْ جميعُ أُولئكَ العَذارى، وأَعْدَدْنَ مَصابيحَهُنَّ. فقالَتِ الجاهِلاتُ للحَكيمات: أَعْطينَنا من زَيْتِكُنَّ فإِنَّ مَصابيحَنا تَنْطَفئ. فَأَجابَتِ الحكيماتُ، وقُلْنَ: لا، فقد لا يَكْفي لنا ولَكُنَّ؛ فامْضِينَ بالحريِّ الى الباعَةِ، وابْتَعْنَ لَكُنَّ. وفيما كُنَّ ماضياتٍ ليَبْتَعْنَ وفَدَ العَريس. فدخَلَتْ مَعَهُ المُستَعِدَّاتُ قاعةَ العُرْسِ وأُغلِقَ الباب. وبَعدئذٍ وافَتِ العَذراى الأُخَرُ، وقُلْنَ: يا سَيِّد، يا سَيِّدُ افْتَحْ لنا! فأَجابَ وقال: أَلحقَّ أَقولُ لَكُنَّ: إِنِّي لا أَعرِفُكُنَّ. فاسْهَروا إِذَنْ، لأَنَّكم لا تعرِفونَ اليَومَ ولا السَّاعَة» (متى 25: 1–13).
من يقرأ النص للمرة الأولى قد يلاحظ أن الفرق بين العذارى لا يظهر عند الخروج. الجميع حملن المصابيح، والجميع ذهبن للقاء العريس، والجميع انتظرن، بل إن الجميع نعسن ونمن. لا يضع النص الحكيمات في مرتبة بشرية مختلفة منذ البداية؛ إنما يؤجل الكشف إلى لحظة وصول العريس.
وهذا التأجيل هو مفتاح المثل.
فالمشكلة ليست في امتلاك مصباح، بل في امتلاك ما يجعل المصباح قادرًا على الاستمرار. وليست في بدء الطريق، بل في المسافة التي تفصل البداية عن الوصول. قد يبدو الاستعداد كاملًا ما دام الزمن قصيرًا، ثم يكتشف الإنسان أن ما أعدّه للحظة الأولى لا يكفي لليل طويل.
الزمن لا يصنع دائمًا الفرق؛ لكنه يكشفه.
الصورة التي تسبق القراءة
من هنا يبدأ عملي فنانًا تشكيليًا وكاتب إِيقونة في التقليدين البيزنطي اليوناني والروسي. فالصورة لا تصل إلى العين ثم تنتهي؛ إنها تدخل الذاكرة، وقد تعود لاحقًا لتشارك في قراءة النص نفسه.
قد ينسى الناظر شرحًا طويلًا، لكنه يتذكر وجهًا، واتجاه يد، وانحناءة رأس، ومكانًا يقف فيه شخص دون آخر. وقد يبدو التكوين الذي ألفه كأنه التفسير الوحيد الممكن، مع أنه في الحقيقة اختيار واحد بين اختيارات متعددة.
لهذا لا تكون الإِيقونة نقلًا بصريًا للنص فحسب. إنها قراءة مرئية له. وما يضعه الفنان في التكوين قد يتحول إلى جزء من الذاكرة الدينية للناظر، سواء كان هذا الناظر متخصصًا في الفن أو قارئًا عابرًا رأى الصورة للمرة الأولى.
الصنعة تمنح التفسير قوة الظهور، أما المعرفة فتجعل الفنان مسؤولًا عن التفسير الذي أظهره.
وكان مشهد العذارى العشر امتحانًا لهذه المسؤولية. فقبل أن أسأل: أين أضع المصابيح؟ وأين أقيم الباب؟ وكيف أوزع الشخصيات؟ واجهني سؤال أسبق:
من هو العريس الذي تنتظره العذارى؟
في النص، المسيح هو الذي يروي المثل. أما في الإِيقونة، فيظهر داخل الحكاية بوصفه العريس. وهذا انتقال من موقع الراوي إلى مركز المشهد، ومن الصوت الذي يروي إلى الوجه الذي تنتظم حوله الشخصيات.
حين يمنح الفنان العريس وجه المسيح، فهو لا يختار ملامح شخصية لأسباب جمالية فقط؛ بل يقدّم قراءة لاهوتية للنص. يصبح الانتظار انتظار المسيح، وتصبح قاعة العرس أكثر من مكان، ويصبح الدخول معه فعل علاقة لا مجرد عبور مكاني.
وتساعد كلمات يوحنا المعمدان على فهم هذا المعنى:
«مَنْ لَهُ العروسُ فهوَ العريس؛ وأَمَّا صَديقُ العريسِ، القائمُ بقُربِهِ ويَسْمعُهُ، فإِنَّهُ يَهْتزُّ فرَحًا لِصَوْتِ العريس؛ فذلكَ هُوَ فَرحي، وقدِ اكْتمَل» (يو 3: 29).
المعمدان يتحدث عن علاقته بالمسيح، لكن العبارة تهم كاتب الإِيقونة في موضع آخر أيضًا: «يسمعه». قبل أن يرسم الفنان الحضور، عليه أن يصغي إليه. وقبل أن يضع الوجه، عليه أن يفهم العلاقة التي سيعلنها هذا الوجه.
الإِيقونة لا تبدأ من العين وحدها؛ تبدأ من إصغاء يسبق العين.
ماذا تقول اللغات؟
في النص اليوناني، تسمى النساء παρθένοι، أي «عذارى»، ويسمى العريس νυμφίος. أما الأداة التي يحملنها فترد بصيغة λαμπάδες. ولا ينبغي أن تمر هذه الكلمات على الفنان بوصفها معلومات لغوية لا أثر لها في الصورة. فقد رجّح مايكل بيبارد Michael Peppard، في دراسة منشورة سنة 2024 في Journal of Biblical Literature، أن λαμπάδες تشير إلى مشاعل الموكب أكثر مما تشير إلى مصابيح فخارية منزلية صغيرة.
إذا أخذنا هذا الترجيح في الاعتبار، فإن النساء لا يحملن ضوءًا شخصيًا معزولًا، بل يشاركن في موكب ليلي. والمشعل ليس قطعة جامدة في اليد؛ إنه أداة مرتبطة بالحركة والهواء والزمن واحتمال الانطفاء. وهذا يغيّر طريقة بناء المشهد: الضوء يصبح جزءًا من طقس الاستقبال، لا مجرد علامة فردية على الاستعداد.
أما الشاهد السرياني، فيفتح زاوية أخرى. ففي البشيطتا، في متى 25: 1، تخرج العذارى للقاء العريس والعروس:
ܚܰܬ݂ܢܳܐ ܘܟ݂ܰܠܬ݂ܳܐ
أي: «العريس والعروس».
لا يعني ذلك أن علينا أن نلغي صياغة النص اليوناني أو أن نضع لغة في مواجهة لغة. إنما يكشف أن النص المسيحي عاش في بيئات لغوية وطقسية متعددة، وأن انتقاله بين اللغات قد يبرز عنصرًا لا يبرز بالدرجة نفسها في شاهد آخر.
وهنا يصبح السؤال فنيًا ولاهوتيًا معًا: هل تظهر العروس في الإِيقونة؟ وأين تقف؟ هل وجودها يوسّع معنى الجماعة والوليمة، أم يصرف النظر عن
العريس؟ وهل نحافظ على اختلاف الأدوار بين العروس، وصديق العريس، والعذارى المرافقات، وأهل العرس؟
هذه ليست تفاصيل هامشية. فالإِيقونة تجمع الشخصيات، لكنها لا ينبغي أن تلغي العلاقات التي تميز بينها.
الزيت: المعنى الخفي وأثره المرئي
يحمل بعض العذارى الزيت في قواريرهن، بينما لا تحمله الأخريات. وعندما تطول فترة الانتظار، يظهر الفرق.
الزيت لا تراه العين، لكن أثره يظهر في النار.
وهذه العلاقة بين الخفاء والظهور تمنح الإِيقونة إحدى أهم إمكاناتها. يستطيع الفنان أن يجعل ما لا يُرى حاضرًا من خلال نتيجته: لا يرسم الرحمة بوصفها تعريفًا، بل يجعلها تظهر في يد تمتد؛ ولا يرسم المحبة كشعار، بل يجعلها تُقرأ في القرب والإصغاء والحركة.
وقد قرأ يوحنا الذهبي الفم الزيت في ضوء الرحمة والإحسان. ففي عظته الثامنة والسبعين على إنجيل متى، يرى أن امتلاك صورة دينية أو فضيلة ظاهرية لا يكفي إذا لم تتحول إلى عطاء ورحمة تجاه المحتاج.
هذه القراءة لا تغلق معنى الزيت، لكنها تمنحه وزنًا أخلاقيًا وروحيًا. فالضوء لا يستمر لأن المصباح جميل، بل لأن وراءه مادة تمده. وكذلك الإيمان لا يُقاس بما يظهر في بدايته فقط، بل بما يقدر على إنتاجه عندما يطول الليل.
أما طلب الجاهلات الزيت من الحكيمات، فلا يحوّل جواب الحكيمات إلى دعوة للأنانية. النص يكشف حدًا آخر: نستطيع أن نساعد الآخرين، وأن نرشدهم، وأن نشاركهم الطريق، لكن لا نستطيع أن نحيا استعدادهم نيابة عنهم.
هناك عمل داخلي لا يقوم به أحد بدلًا من أحد.
الباب: من الخارج إلى الداخل
عند وصول العريس، تدخل المستعدات معه إلى قاعة العرس، ويُغلق الباب.
هذه هي النقطة التي يتحول فيها الباب من عنصر معماري إلى قرار وجودي. إنه لا يفصل بين مكانين فحسب، بل بين حالتين: بين انتظار لم يكتمل، ودخول صار ممكنًا؛ بين جماعة دخلت، وأخريات وصلن بعد فوات اللحظة.
والعبارة الأكثر أهمية هي: «دخلت معه».
فالدخول هنا ليس وصولًا إلى قاعة مجهولة، بل دخول في علاقة. حضور العريس هو الذي يمنح الباب معناه، وهو الذي يحوّل القاعة من مكان إلى لقاء.
لهذا أبحث في الإِيقونة عن اتجاه الوجوه وحركة الأيدي والمسافات بين الأشخاص.
قد تصبح انحناءة الرأس إصغاءً، وقد تتحول الإيماءة إلى صلة أو قطيعة، وقد يقول موضع شخص واحد أكثر مما تقوله ملامحه.
الفنان لا يرسم الأشخاص فقط؛ يرسم ما بينهم.
ويقدم مخطوط روسانو الأرجواني Codex Purpureus Rossanensis، العائد إلى القرن السادس، مثالًا مبكرًا على قوة هذا البناء. فباب لوحي يقسم منمنمة العذارى إلى قسمين: في أحدهما العذارى الجاهلات بمشاعلهن المنطفئة، وفي الآخر العذارى الحكيمات بمشاعلهن المضيئة.
لم يضع الفنان شرحًا طويلًا على هامش الصورة. جعل الباب يروي الانقسام، وجعل الضوء يعلن النتيجة، وجعل المكان يختصر زمنًا كاملًا من الانتظار إلى الدخول.
أما موكب النساء السبع في مصلى الخروج بالبجوات، فقد اقترحت فاليريا كوفاتوفا Valeria Kuvatova سنة 2019 احتمال ارتباطه بمثل العذارى إلى جانب احتمالات أخرى.
والتشابه يسمح بالمقارنة، لكنه لا يكفي للجزم. ومن أمانة الناقد أن يفرّق بين الشاهد الذي يثبت، والشاهد الذي يفتح احتمالًا.
قاعة العرس والمائدة
حين نصل إلى الداخل، لا تنتهي القراءة؛ بل يبدأ سؤال آخر: ما طبيعة الوليمة التي دخلت إليها المستعدات؟
يستخدم إنجيل متى لفظ γάμους، أي العرس أو احتفال العرس، ولا يستخدم لفظ νυμφών، أي الخِدر. وهذا التمييز يحفظ لغة النص، ويمنعنا من أن ننسب إلى الآية لفظًا جاء من تقليد ليتورجي أو تفسير لاحق.
في لغة الصلاة، يعبّر «الخِدر السماوي» عن اكتمال الشركة بالعريس. أما سفر الرؤيا فيقدم صورة «عشاء عرس الحمل» في التعبير اليوناني:
τὸ δεῖπνον τοῦ γάμου τοῦ ἀρνίου
«طوبى للمدعوِّينَ إلى وليمةِ عُرسِ الحَمَل!» (رؤ 19: 9).
تتجاور صورة الوليمة وصورة الخِدر في الرجاء، لكنهما لا تتطابقان. الأمانة اللاهوتية لا تعني جمع الرموز بلا تمييز، بل معرفة وظيفة كل صورة ومصدرها.
ومن هنا يمكن فهم الصلة بالإفخارستيا. فالتعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية يصف الإفخارستيا بأنها استباق للمجد الآتي، ويؤكد حضور المسيح فيها الآن، مع بقاء هذا الحضور محجوبًا، وأن الكنيسة تحتفل بها وهي تنتظر مجيئه واكتمال الرجاء.
لهذا لا تكون المائدة في الإِيقونة صورة طعام فقط. إنها تحمل حاضرًا ومستقبلًا: عطية تُعطى الآن، ولقاء ينتظر اكتماله. فالوليمة تُكتب في الشركة قبل أن تُكتب في الطعام.
وقد درست مؤرخة الفن رينانا بارتال Renana Bartal صور عرس الحمل في مخطوط إنجليزي من القرن الرابع عشر، حيث حلّ القربان الإفخارستي محل الخاتم. ويكشف هذا الاختيار كيف يستطيع تفصيل واحد أن يقيم صلة بين الإفخارستيا والاتحاد العُرسي، إذا أسنده تكوين العمل وسياقه.
مسؤولية الصورة
المائدة والحديقة والسور والباب لا تتكلم منفردة. معناها يتولد من العلاقات بينها. قد يكون الخارج غنيًا بالألوان، لكنه يظل خارج اللقاء. وقد يكون الداخل قليل العناصر، لكنه يتسع بالحضور.
وكذلك المنظور. قد تتعدد زوايا الرؤية، وقد تنفتح الخطوط نحو الناظر فيما يسمى بالمنظور المعكوس، لكن الإِيقونة لا تختزل في تقنية هندسية واحدة. السؤال ليس: هل المنظور غريب أو مألوف؟ بل: هل يجعل الناظر حاضرًا أمام الحدث، أم يتركه متفرجًا خارجه؟
هنا يلتقي الفنان بالناقد والباحث واللاهوتي.
الفنان يرى ما يمكن أن تفعله نقطة في التكوين. الناقد يسأل عن النظام الذي يجعل هذه النقطة ذات معنى. الباحث يتتبع أصلها في اللغة والمخطوط والتاريخ. واللاهوتي يختبر إن كانت الصورة تفتح على سر الإيمان أم تستبدله بتأثير جمالي.
أما القارئ الذي لا يملك أدوات الفن أو اللاهوت، فليس خارج هذا الحوار. قد يرى في ترتيب الوجوه سؤالًا لا يراه المتخصص، وقد يشعر بأن بابًا ما يغلق عليه أو يفتح له قبل أن يعرف كيف يصف ذلك. يبدأ العلم حين يتحول هذا الشعور إلى سؤال، ويبدأ الفن حين يجد السؤال هيئة لا تنتهي عند الشرح.
لا يكون العلم عدوًا للجمال حين يحميه من الادعاء، ولا يكون اللاهوت عدوًا للفن حين يحميه من الزخرفة الفارغة.
المعرفة تمنح الصورة دقتها، والفن يمنح المعرفة جسدًا قابلًا للرؤية.
لهذا أعود إلى بصلائيل، الذي لا يصفه سفر الخروج بصاحب مهارة يدوية فقط:
«ومَلأتُه مِن رُوحِ اللهِ مَهارةً وفَهْماً وعِلْماً بِجَميعِ الصَّنائِع» (خر 31: 3).
المهارة والفهم والعلم تجتمع في العمل المقدس، ثم تتسع الموهبة لتشمل التعليم. فالعمل لا يصنع شيئًا جميلًا فقط؛ إنه يعرف، ويصنع، ويعلّم.
ومن هنا يواجه كاتب الإِيقونة السؤال الذي لا يمكن أن يتجاوزه:
ماذا يعرف العمل الذي أصنعه؟ وماذا سيعلّم؟
قد لا يتذكر الناظر اسم الفنان، لكنه يتذكر الوجه. وقد ينسى الشرح، لكنه يحمل في داخله صورة عن العريس، وعن الباب، وعن الذين دخلوا والذين بقوا خارجه. وقد لا يعرف شيئًا عن اليونانية أو السريانية أو تاريخ المخطوطات، لكنه سيجد نفسه يقرأ النص من خلال ما رأته عيناه.
لهذا أسمي كاتب الإِيقونة كاهن الألوان ومترجم السر؛ لا بمعنى الرتبة الكهنوتية، بل بمعنى الخدمة. إنه لا يمتلك السر ولا يحل محله، لكنه يحاول أن يقود العين إليه: وجه يحدد هوية العريس، ومشعل يكشف أثر الزيت، وباب يحمل جدية الاختيار، وقاعة تجعل اللقاء شركة.
ثم يعيدنا ختام النص إلى الحياة:
«فاسْهَروا إِذَنْ، لأَنَّكم لا تعرِفونَ اليَومَ ولا السَّاعَة» (متى 25: 13).
السهر ليس مجرد انتظار لموعد مجهول. إنه يقظة في طريقة النظر: أن نعرف أن التشابه الظاهري لا يكشف دائمًا الحقيقة، وأن ما لا تراه العين قد يكون هو الذي يحدد مصير الضوء.
وأرجو من الإِيقونة التي أكتبها ألا تفترض قارئًا يعرف كل شيء، وألا تخاطب المتخصص وحده. أريدها أن تفتح بابًا للباحث، وللفنان، وللاهوتي، وللمؤمن، وللقارئ العابر الذي يرى المشهد للمرة الأولى.
أن تعيد المتخصص إلى النص، وتمنح غير المتخصص مدخلًا إليه، وتترك لكل من يقف أمامها سؤالًا يخصه.
فالإِيقونة لا تشرح بدلًا من الناظر؛ إنها تدعوه إلى أن يرى، ثم أن يسأل، ثم أن يعود إلى النص بعين جديدة.
وإذا كانت الصورة قادرة على أن تسبق القراءة، فإن أمانة الفنان أن تجعل هذه السابقة دعوة إلى القراءة لا بديلًا عنها.
أمانة كاتب الإِيقونة تبدأ من المعنى الذي يفهمه، لكنها لا تكتمل إلا في المعنى الذي يتركه في عين الآخر.





