بقلم الأب يسطس الأورشليمى
مكتئبين في كُل شيءٍ، لكن غير مُتضايقين، مُتحيّرين لكن غير يائسين مُضطهدين لكن غير مترُوكين، مطرُوحين لكن غير هالكين..
أكد المسيح لتلاميذه أنه في العالم سيكُون لهم ضيق، وقد أحاط الضيق بالرسُول ومَن معه في كُل جانب، لذلك يقُول: مُكتئبين في كُل شيءٍ، لكن لم يكن لكُل هذه الضيقات أن تقف عائقاً أمامه، بل كانت له فرصة لاكتشاف إمكانيات الله إله المستحيلات، القادر وحده أن يسند ويُعين ويحُول المرارة إلى عذوبة، وقد عبر عما حلّ به، ومن معه في الآتي:
أولاً: كانُوا مُكتـــــــــــــئبين.. ثانياً: كانُوا مُتحيرين..
ثالثاً: كانُوا مُضطهدين.. رابعاً: كانُوا مطرُودين..
جاء تعبير: مُكتئب، ليصف مَن يسقط في يدي خصمه الذي يصارع ضده ولا يقدر أن يقاوم، فيبدُو كمن عجز تماماً عن تكملة المعركة، أما تعبير: مُتحير، فيصف مَن يقف في حيرة وورطة أمام قدرة ومهارة خصمه المصارع ضده، مغلُوباً على أمره ولا يعرف ماذا يفعل؟!
هكذا يبدُو كمن في حلبة المصارعة، قد سقط في يدي خصمه الذي كاد أن يفتك به، ووقف مذهُولاً في حيرة، كمَن هُو بلا خبرة أمام خصم قُوي ومُدرب حسناً، ومع ذلك لم يحل به الضيق، ولا سقط في اليأس، لأنه بالمسيح يسُوع يقُوم ويغلب وينال إكليل النُصرة، فهذه الأمُور قد يسمح الله بها لتدريبنا، وكنوعٍ من الاختبار، لا لهزيمتنا بل لتأديبنا..
ينبغي علينا أن نعرف أن البشر جميعاً يُجربُون لأسباب ثلاث:
أولاً: غالبــــــــــاً لأجل اختبارهُم وتزكيتهُم..
ثانياً: أحيــــــــــــــــــــــــــاناً لأجل إصـــــلاحهُم..
ثالثاً: في بعض الحالات بسبب خطاياهم..
من أجل اختبارهُم، مثل الطوباويين إبراهيم وأيوب، وكثير من القديسين الذين تحملوا تجارب بلا حصر، ومن أجل الإصلاح، وذلك عندما يُؤدب الرّب أبراره لكي ما يسمُو بهُم إلى حال أعظم من النقاء، كثيرة هي بلايا الصديق (عب5:12-8)، يا ابني لا تحتقر تأديب الرّب، ولا تخر إذا وبّخك، لأن الذي يُحبه الرّب يُؤدبه، ويجلد كُل ابن يقبله، إن كُنتم تحتملون التأديب يُعاملكم الله كالبنين، فأي ابن لا يُؤدبه أبوه؟ ولكن إن كنتم بلا تأديب، قد صار الجميع شركاء فيه، فأنتم نغُول لا بنُون..
وكعقاب من أجل الخطية، وذلك كما هدّد الله بأن يُرسل أوبئة على بني إسرائيل لشرهم (تث24:32)، كثيرة هي نكبات الشرير، وقُول الرّب: ها أنت قد برئت، فلا تُخطيء أيضاً، لئلا يكُون لك أشرّ..
حاملين في الجسد كُل حينٍ إماتة الرّب يسُوع، لكي تُظهر حياة يسُوع أيضاً في جسدنا، لأننا نحنُ الأحياء نُسلّم دائماً للمُوت من أجل يسُوع، لكي تظهر حياة يسُوع أيضاً في جسدنا المائت..
يتحدث الرسُول عن آلامه المُستمرة بكُونها تُطابق آلام المسيح، وأن آلام يسُوع المسيح تعمل في آلام المُؤمنين الذين يحملُون إماتة الرّب يسُوع في جسدهم، مُقدمين مثلاً رائعاً لقبُول الآلام بفرحٍ، فمن أجل الحقّ الإنجيلي كان يتُوقع المُوت مع كُل لحظة من لحظات حياته..
وكما أن المصارعين يحملون في أجسادهم أثار الجراحات، التي تلقُوها من المنافسين، ويفتخرون بها بعد نوال إكليل النُصرة، هكذا يرى الرسُول أثار الآلام علامة مجد، لأنها شركة مع المسيح في آلامه..
ما هُو مُوت الرّب يسُوع الذي حملوه معهم؟ إنه الميتات اليُومية، والتي بها ظهرت أيضاً القيامة، لقد قدم ذاته ذبيحة يُومية كاملة:
أولاً: كان الرسُول بُولس يمُوت كُل يُوم (1كو31:15)..
ثانياً: كان يحمل في جسده إماتة يسُوع على الدُوام (2كو10:4)، إذ كان دائماً يواجه أخطاراً راغباً في الاستشهاد، وبإماتة جسده صار بالحق أكثر من ذبيحة، لهذا قال: أنا الآن أسكب سكيباً، فهو في خطر المُوت الدائم، يقدم حياته ذبيحة حُب للمسيح الذي يهبه الحياة المقامة..
إذاً المُوت يعمل فينا، ولكن الحياة فيكُم، فإذ لنا رُوح الإيمان عينه حسب المكتُوب: آمنت لذلك تكلّمت، نحنُ أيضاً نُؤمن ولذلك نتكلّم أيضاً عالمين أن الذي أقام الرّب يسُوع سيُقيمنا نحنُ أيضاً بيسُوع..
آمنت لذلك تكلمت، الذي يذكرنا بالحكمة السماوية، هكذا نحنُ نُؤمن بأننا تقبلنا تحقيق الوعُود الإلهية، وصار لنا حقّ التمتع بالخلاص الأبدي وشركة المجد مع المسيح، نطق المرتل بهذه الكلمات عندما كان في خطرٍ عظيمٍ، ولم يكن هناك احتمال للهرُوب إلا بقُوة الله، وفي ظرُوف مماثلة يقُول: إننا نحن الذين لنا ذات الرُوح سنتعزى أيضاً مثله..
هكذا يُظهر أنه يُوجد تناغم بين العهدين القديم والجديد، ذات الرُوح يعمل في كليهما، كان رجال العهد القديم في خطر مثل الرسُول، الله أعلن عن نفسه أنه إله إبراهيم، وإله إسحاق، وإله يعقوب، وكما أنهم آمنوا أن المسيح سيأتي في الجسد قبل مجيئه، أما نحنُ فنُؤمن بأن هذا قد حدث حقاً بتجسد المسيح في ملء الزمان، فإيمانهم هُو بعينه كإيماننا..
وسط هذه الآلام التي حُولت حياة الرسل إلى إماتة دائمة تشرق عليهم قيامة المسيح، فيتمتعُون بعربُون القيامة معه، لم يخف الرسل المُوت، إذ حسبُوه طريق القيامة المُفرح، به يعبرُون مع المسيح إلى المجد، والذي أقام يسُوع بقُوة اللاهوت من الأمُوات سيقيمنا نحنُ أيضاً، إن فعلنا إرادته وسلكنا في وصاياه وأحببنا ما يحبه، ممتنعين عن كُل شرٍ وطمع ومحبة مالٍ...الخ فالرسُول قد صار خلال عمل المسيح، هُو والمُؤمنُون أعظم من المُوت، وأنهم جميعاً سيُحضرُون أمام كرسيّ (رو10:14؛ 2كو10:5)..
لأن جميع الأشياء هي من أجلكُم، لكي تكُون النعمة وهي قد كثرت بالأكثرين، تزيد الشكر لمجد الله، لذلك لا نفشل، بل وإن كان إنساننا الخارج يفنى، فالداخل يتجدّد يُوماً فيُوماً..
يقصد بجميع الأشياء هنا خبرة الألم والمُوت اليُومي، والتمتع بعربُون القيامة والحياة الجديدة، فكُل هذه الخبرات التي يعيشها الرسل مقدمة للشعب الألم في حياة الخدام هُو الطريق الحي لكسب نفُوس جديدة وبنيان المُؤمنين ونمُوهم الرُوحي، لهذا لم يخف الرسُول من احتمال الاضطهادات والمخاطر ولم يتسلل اليأس إليه، أنظر الكتاب المُقدس..
فالجسد يشيخ بحُواسه، ويفنى خلال الآلام والتجارب، لكن النفس في الداخل، والتي لا يراها أحد تتجدّد طبيعتها، وتتقبل النُور الإلهي والحياة الجديدة المُقدسة المُطوبة، وتتجددّ يُوماً فيُوماً، ينحل الجسم ولكن الإنسان الداخلي يتجددّ بالإيمان والرجاء، والإرادة المتطلعة إلى الأمام التي تُشجع الذين في شدةٍ، لأن رجاء النفس يتناسب مع آلام الجسم..
لأن خفة ضيقتنا الوقتية تُنشيء لنا أكثر فأكثر ثقل مجدٍ أبدياً..
يرى إن الضيق يعمل لحساب تمتعه بالسماء، وأنه حتماً سيزُول لأنه وقتي، ويُقدم لنا ثقل مجدٍ أبديٍ، فلنحرص على استغلاله، ليس من مقارنة بين آلام زمنية أرضية، وأمجاد خالدة أبدية سماوية، وإن قورنت الآلام بكل ثقلها واستمرارها مع الزمن بالمجد المُعد لنا تُحسب وقتية..
يقارن بين الآلام بالأمجاد، فالأولى حاضرة مُؤقتة، أما الثانية فهي مستقبلية خالدة تُمثل ثقلاً عظيماً، نتيجة الصبر في الضيقات، لأن محّبة لله قد انسكبت في قلوبنا بالرُوح القُدس المُعطى لنا..
هكذا عرف السجن والمحاكمات والمخاطر اليومية وقال: فإني أحسب أن آلام الزمان الحاضر لا تُقاس بالمجد العتيد أن يُستعلن فينا، لأن خفة ضيقتنا الوقتية تُنشيء لنا أكثر فأكثر ثقل مجدٍ أبدياً..
فتُوقع المجد المعين لنا لنُواله يجعلنا نحتمل المتاعب واحدة فواحدة بغير صعُوبة ونحسبها كلا شيء، مستندين على الإيمان والرجاء والمحّبة، أنظر الكتاب (رو18:8؛ 1كو13:13؛ 2كو17:4)..
لم تكن طبيعة بُولس الرسُول تختلف عن طبيعتنا ولا نفسه مختلفة عنا، ولا عاش في عالم آخر، بل سكن في نفس العالم والمدينة، وخضع لنفس القُوانين، لكنه فاق في الفضيلة كُل البشر..
ونحنُ غير ناظرين إلى الأشياء التي تُرى، بل إلى التي لا ترى، لأن التي تُرى وقتية، وأما التي لا تُرى فأبدية..
الآلام زمنية يمكن للحُواس إدراكها، فالعين الطبيعية ترى ما يحل بالإنسان من ضيقات، خاصة التي تُصيب الجسم، أما الأمجاد فرُوحية سماوية تخص شركتنا مع الله غير المنظُور، تأملُوا متاعب الحياة حتى إن كانت قاسية، فإنها لمدة قصيرة، أما الصالحات التي تحل بنا في الحياة العتيدة فهي أبدية وباقية، فإن كُنت تطلب الأمُور الوقتية تصلي علانية، أما إن كنت تطلب الأمُور الأبدية تكُون صلاتك سرية، إذ تشتهي نُوال الأمُور التي تُرى، ويقُول داود في شخص الرّب: اسمعي يا بنت وانظري وأميلي أذنكِ وانسي شعبك وبيت أبيكِ، فالذي يقُول هُو أب، ويطلب منها أن تترك شعبها، أي عاداتها القديمة، وبيت أبيها، وهذا يحدث بالمُوت مع المسيح عن هذا العالم، لأن سيرتنا هناك هي في السموات، راجع (في20:3)..





